السبت, 18 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 382 زائر على الخط
الفنُّ متمكِّــنــاً طباعة البريد الإلكترونى
سعدي يوسف
 
(1)
 كانت بيروت، حيثُ حللتُ، في أواخر السبعينيات، مدينةً تنام على قلَقٍ، وتصحو في الصباح على حدود.
 أمّا نحن الذين لُذنا، بِظَهْرِ النمِرِ مَرْكَباً، فلقد كانت لنا جمهوريتُنا، جمهورية الفاكهاني، الممتدة بين جسر الكولا والشيّاح. ثمّتَ كنا نحلمُ، ونكتبُ، ونحبّ...
 وثمّتَ أيضاً، كنا نُقتَلُ: غِيلةً حيناً، وقصفاً إسرائيلياً أحياناً.
   Image في هذا الاحتدام، الذي يشدّ العصَبَ حتى جنون التوتّر، نشرَ أمجد ناصر مجموعته الشعريةَ الأولى مديح لمقهىً آخر (علينا أن نتذكر أنه كان في الثانية والعشرين من العمر)، لكنها حملتْ، بصورةٍ جنينيةٍ، مِيسَمَ كاتبِها المبكرَ، المِيسَمَ الذي سيتأكّد أكثرَ فأكثرَ مع كل مجموعةٍ تجِدُّ، منذ جلعادَ وهو يصعد الجبل ، صعوداً حتى أيامنا هذه.
 
 كنتُ أشرتُ إلى أن مديح لمقهى آخر تحمل ميسَماً ما. والحقُّ أن الإحاطةَ بهذا الميسِم ليست بالنظرة العجلى. النظرةُ العجلى لن تأتي بشيء. إذاً، على المرءِ أن ينتزعَ انتزاعاً، ما يراه مؤشراً إلى آتٍ.
 من جانبي، رأيتُ ما حسبتُه، مؤشراً، ليس عن فرْطِ تفاؤلٍ، وإنما عن اقتناعٍ بما بين يدَيّ.
انتبهتُ في مديح لمقهى آخر إلى: شجاعة التحديق، الاهتمام بالنتوءات والثقة بالنفس.
 لقد انتبهتُ إلى أن صاحب المجموعة يملك عينين نفّاذتَينِ، وإلى أنه يستخدم هذا العامل البصريّ، بأمانةٍ وشجاعة، وإلى أن النظر منصرفٌ، حتى في تلك المرحلة المبكرة جداً، إلى ما هو ضروريّ.
 وانتبهتُ أيضاً إلى أن أمجد ناصر، في محاولته الإحاطةَ بعالَمنا، يتجنّبُ المُوَطّأَ، والممهّدَ من السبيل والمرأى، ويفضِّل الاهتمامَ بالنتوءاتِ التي غالباً ما يتجنّبُها السُّراةُ المترَفونَ، الذين يخشَونَ على نعومةِ أقدامِهم.
 وتلمّستُ في مديح لمقهى آخر ثقةً بالنفسِ، واضحةً، ومُعْلَناً عنها. قلتُ: إنها، حقاً، لَبِشارةُ خيرٍ!
 لم تخِبِ البشارةُ، ولم تخْبُ.
 
(2)
بيروت لم تكن ملتقاي الأول مع أمجد ناصر.
 في النصف الثاني من السبعينيات، نُقِلْتُ بأمرٍ من طارق عزيز وزير الثقافة والإعلام في العراق آنذاك، من المركز الفلكلوري حيث كنت سكرتير تحرير لمجلة التراث الشعبي ، إلى منصب نائب مساعد أمين مكتبة في دائرة ملحقة بوزارة الريّ، تقع قرب السدّة ، غير بعيدة عن مقهى عرب الذي كنا نرتاده أيام الدراسة الجامعية.
 كنتُ في تلك المكتبة القديمة، التي تعود أصولُها إلى الاحتلال البريطاني، وكانت في سابق مجدها إصطبلاً لخيول العثمانيين.
 هناك كانت كتب الريّ، والسدود، والفيضانات، وكتب الرحّالة الأقدمين، ومشاريع الريّ الكبرى، المنفّذ منها، وغير المنفّذ. وكنتُ مكلفاً بمتابعة ترسُّب الطين في أنهار العراق وجداوله، وتقديم تقارير رسمية إلى جهات رسمية عن هذا الترسُّب!.
 كنت أجلس في أعماق المكتبة، وأقرأ عن حضارة الأنهار والحروب.
 هناك قرأت، أنا المغضوب عليه، أناباز زينوفون.
 لم يكن أحدٌ يجرؤ على زيارتي.
 أعرفُ هذا، وأعرفُ ما قد يتعرّض له من يجرؤ على زيارتي.
 ***
 في ضحى أحد الأيام، قال لي عبّاس (وهو مساعد أمين المكتبة، إذ ليس في هذه المكتبة العتيقة أمينٌ) إن أحداً يريد أن يراني.
 قلت له: ليتفضّل.
 أمجد ناصر كان الزائر!.
 عرفتُ منه أنه في زيارة إلى بغداد.
 الحديث محدود، بالطبع، فللجدران آذانٌ، كما يقال...
 ما أزال أقدِّرُ للرجل هذا الموقفَ، فعديدُ زوّار بغداد كان عظيماً، أيّامَها، لكنه كان الوحيد الذي زارني في ممتحَني بالمكتبة القديمة لوزارة الريّ!.
 ***
 في أوائل الثمانينيات، أحسستُ بأني أردُّ لأمجد بعضَ فضلٍ، حين حملتُ له، من هند في بيروت، رسالةً وأشياءَ أخرى، وسلّمتُها له، وهو في عدن بالمدرسة العليا للاشتراكية العلمية...
 المدرسةِ التي فرَّ بجِلْدِهِ، وجَلَدِهِ، منها!.
 
(3)
لَكأنّ العقودَ الثلاثةَ التي تمدّدَ عليها شِعرُ أمجد ناصر، هي عقود الامتحان القاسي المديد، إذ جرت مياهٌ كثيرةٌ تحت جسورٍ كثيرة، وانهدمت جسورٌ وقلاعٌ، وزالت ديارٌ، وفُتِحتْ أبوابٌ، وغُلِّقَتْ أخرى...
 في هذه العقود، تساوى الغثُّ والسمينُ. والمعرَبُ والمعجَم. والناطقُ بالضادِ وغيرُ الناطق. تساوى محررُ الصفحة والشاعر. الأبيضُ والأسودُ.
 وثارتْ عواصفُ كبرى في الفنجان.
 المعاركُ الشعرية التي حُسِمتْ في أوربا وأميركا، منذ قرنَينِ، ثارَ نَقعُها، وخفقتْ بيارقُها عندنا، أمارةً على موقعنا الفعليّ من التاريخ الثقافيّ والشعريّ. لقد كان المشهدُ مؤلماً، وما يزال.
 البابُ الوسيعُ الذي كان بإمكان قصيدة النثر أن تفتحه أمام تطور النصّ الشعريّ العربي، انهدَمَ تحتَ سيلٍ عَرِمٍ من تفاهةِ المُسَطَّرِ المجّانيّ، غيرِ ذي العلاقةِ بالحياة وأشيائها، واللغةِ وأفيائِها...
 لقد كانت عقوداً للتخلّف العامّ في أمّةٍ تُدفَعُ خارجَ التاريخِ دفعاً.
 أين أمجد ناصر من هذا كله؟.
 أعتقدُ أن الرجل زوى نفسَه عن المشهدِ الفاجع بمجانيةِ الدعوى والمعترَك، وظلَّ يطوِّرُ رؤيتَه وأداتَه، مستقلاًّ بنفسِه، لايرفع بيرقاً، ولا ينضوي تحت بيرقٍ.
 مُقامُه بأرض لندنَ، منحه مسافةً كافيةً وضروريةً، للنظر من بعيدٍ، ولتطويرِ النظر إلى الداخل.
 صار يطلّ بموضوعيةٍ على ميراث الشعر في العالَمِ، ويقارِن بين ما نفعله وما يفعله الآخرون من شعراء الأمم الأخرى، معتمِداً مدخلَه الخاصّ والخصوصيّ إلى ما نفعله وما يفعله الآخر.
 الفنُّ تعَلُّمٌ دائمٌ، مثل ما هو سفرٌ دائمٌ.
 وظلَّ أمجد ناصر يتعلّم.
 وبينما شُغِلَ كثيرون ببناء أبراجٍ من الملحِ، ظلَّ الرجل يشتغل بأناةٍ على بناء نصِّه الصعبِ والمختلف.
 ونعود، من جديدٍ، إلى مديح لمقهىً آخر ، كي نرصد، عبر العقود الثلاثةِ، التحديقَ وقد أضحى أشدَّ شجاعةً، والنتوءاتِ وقد أمست أكثرَ حِدّةً حتى لتكاد تجرح من يلمسُها، والثقةَ بالنفسِ وقد برّرتْ حالَها تبريراً مؤصَّلاً.
 يا يحيى.
 لن تعرفَ نفسُكَ الراحةَ .
 نبوءةُ الأمّ، تكتسبُ معنىً وعُمقاً غيرَ عاديّينِ.
 وسيظل أمجد ناصر تحت الظل العجيب لهذه النبوءة. الظل الذي يتنزَّلُ قصائدَ مثل غصون مثقلة بالثمار.
 الثمارِ الاستوائية!.
 
 (4)
 في التجلي المتاح الآن، حتى حياة كسردٍ متقطع ، تُمْكِنُ للمرء متابعةُ اهتماماتٍ جديرةٍ بالعناية.
 لنأخذ المادةَ الخامَ مثلاً:.
 أختارُ، عامداً، أقصرَ نصٍّ في المجموعة: ذكرى (صفحة 29).
 الرصاصة التي أطلقَها من مسدّس والده العسكريّ (البرشوت).
 عندما كان يلهو تحت قوس القيظِ والضجرِ وكادت تودي بحياة.
 أخيه الأصغر استقرتْ في الدرفة الوسطى من أول خزانة ثيابٍ.
 اشترتها العائلة وتُركت هناك (قصداً على الأغلب) لتظل مادةً.
 للكلام عن بِكْر العائلة الذي خرج ولم يَعُدْ .
 المادة الخام،ُ هنا، غيرُ مُدّعيةٍ. هي مجموعة أسماء جامدة وأفعال. أمّا الفضْلةُ (النعت هنا) فقد كادت تلتحق بالاسم الجامد. الوسطى مثلاً في الدرفة الوسطى لا يمكن عدها فضلةً (بالمعنى الاصطلاحي السائد). إنها جزء من الدرْفة. جزءٌ من الاسم الجامد.
 ***
 اعتمادُ الكتلةِ وحدةً:
 قد يكون هذا الجهدُ الخارقُ، المخالِفُ، المنجَزَ الفنيّ الأكثرَ تواتراً في حياة كسردٍ متقطع .
المجموعةُ كلُّها تعتمدُ هذا المنحى الفنيّ.
 ليس في المجموعة قصيدةٌ واحدةٌ تأخذ بالتسطير المبتذل.
 لقد استُبدِلَتْ بالبيتِ، الكتلةُ (لنَقُل المقطع تيسيراً).
 ***
الصورةُ:
 تتشكّل القصيدة من لعبة الصورة.
 الصورة هي التي تُعَيِّن حركة النصّ.
 قصيدة فتاة في مقهى كوستا ، ص 23، يحقُّ لها أن تتباهى بأنها قصيدةُ صورةٍ.
 ليس ثمّة من كلام في النصّ.
 فتاة في مقهى كوستا إنجاز فنّي باهر، عنوانه: التخلي عن الكلام.
 ***
 طبقات القراءة:
 في استعدادٌ للطيران ، ص 47.
 هنا، تتجلّى مهارةٌ عجيبةٌ، توغِلُ في تواضعِها.
 كلُّ كلمةٍ، مُشَفّرةٌ، مثل بريدٍ سرّيّ.
 لك أن تحاول فكَّ الشفرة، بطريقتك، بقدراتك، الثقافية أو غير الثقافية، وفي كل محاولة فكٍّ ستجد الأمر عجيباً.
 أليس هذا هو الفنّ المتمكن؟.

 
 
saaidiy.jpg
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث