الإثنين, 20 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 258 زائر على الخط
النهلستي الأخير! دفاع مع سبق الإصرار عن سعدي يوسف, دفاع عن ذاكرة الوطن طباعة البريد الإلكترونى

ســـلام عــبّــود
قبل أسابيع خلت, قرأت موضوعا نشر على أحد مواقع الانترنيت, يدافع فيه صاحبه عن الشاعر سعدي يوسف, وقد بدأ الكاتب موضوعه بالعبارة التالية: "ليس دفاعا عن سعدي يوسف وإنما....". ويبدو جليا أن هذا المواطن الفرح بـ " العهد الجديد" شعربالرهبة وهو يرى شاعرا كبيرا كسعدي يوسف محاصرا, فنهضت في وعيه ولا وعيه كوابيس العنف السابقة كلها. فالوحش الجديد شرع يحفر خنادقه في طرقات حياتنا. مواطن أراد أن يعلن دفاعه عن شاعره الذي أحب فيه رقته, وحجم

إسهامه في تطوير القصيدة العربية,إضافة الى طول معاناته وفداحة ثمن رحلته المريرة, اسوة بملايين من العراقيين الذين قاوموا الشر, لكنه لم يجد وسيلة يعبر فيها عن مكنوناته سوى أن يبدأ دفاعه بـ "ليس دفاعا... وإنما", ظنا منه أنه يسبغ على خطابه مسحة الحياد, حياد من لم يتذوق طعم الأمان بعد.
وللسبب عينه ارتأيت, وأنا أواجه أولئك الذين لم تشبع نهمهم ثلاثة عقود ونصف العقد من الإرهاب, أن أبدأ مقالتي بعبارة: " دفاع مع سبق الإصرار عن سعدي يوسف". على الرغم من أن ما أكتبه الآن, في حقيقة الأمر, ليس دفاعا عن سعدي يوسف. فحينما تتم المفاضلة بين بوش وسعدي سأقف تلقائيا - كعراقي- في صف سعدي, وحينما تجرى مفاضلة بين قصائد سعدي وقنابل رامسفيلد سأقف في صف سعدي, وحينما تجري مقارنة شريرة بين استيلاء معلم الإرهاب الدولي نيغروبونتي على مساحة بغداد الخضراء وبين الأخضر بن يوسف سأختار سعدي يوسف, وحينما يقارن مشروع الحرب الأميركي بقنابله ودباباته ونهبه المنهاجي للثروة الوطنية وأنصاره وخدمه بمن عدّ " شاعر النبرة الخافتة", و " وشاعر الأعماق الشفيفة", ودون شك " شاعر حاج عمران", و"جدارية فائق حسن", و " محيسن من هور الغمكة", سأختار دون إبطاء سماءنا العراقية الأولى.
لذلك أقول مجددا: ما أكتبه ليس دفاعا عن سعدي يوسف, إنه دفاع عن ذاكرة الوطن, الوطن المعروض للبيع في سوق النخاسة الدولية.
لكل مشروع سياسي غطاؤه الثقافي الملازم له. فلابن لادن والملا عمر نهجهما الثقافي, ولصدام مشروعه الفكري الثقافي الذي خاض تحت شعاراته حروبه الدموية, وللزرقاوي ( سواء كان حقيقة أم مجرد وهم) مشروعه الثقافي الوهمي أو الحقيقي. ولا يشذ عن هذا الأمر المشروع السياسي العسكري الأميركي, باعتباره أضخم وأعتى المشاريع السياسية الراهنة. وبصرف النظر عن تأييد أو رفض هذا المشروع, لا يستطيع أحد إنكار أن مهندسي هذا المشروع لم ينسوا وهم يعدون العدة لتغيير خارطة الشرق لحسابهم الخاص, أن يدعموا مشروعهم السياسي والحربي والاقتصادي بغطاء ثقافي, وأن يهيئوا, هنا وهناك, وسائل وأدوات تحقيق هذا المشروع. ولا نعني بهذا تهيئة مراكز الأبحاث والدراسات وقنوات الاستخبارات فحسب, وإنما نعني أيضا إعداد قنوات الإتصال المباشرة مع شعوب وثقافات البلدان موضع الاستهداف, بما في ذلك تهيئة مروجي الأخبار وناشري الإشاعات والمدافعين الفوريين عن السياسات الإجرائية الحربية وغير الحربية, إضافة الى المهمة الأخطر, المتمثلة في تهيئة المناخ النفسي للعمليات العسكرية والجرائم السياسية والاقتصادية الكبرى. وتلك أمور ضرورية تقتضيها قواعد ممارسة المهنة, أي مهنة.
بيد أن المهمة الأساسية العاجلة لجهاز مساندة مشاريع الإحتلال تتمثل في إيجاد بؤر موثوقة ( مشتراة), هدفها إقامة منظومة ثقافية, تقوم بمهام التصدي الفوري لكل ما يعترض طريق مشاريع الاحتلال الحربية والسياسية. وهي منظومة يجمعها هدف واحد هو الحصول على مكاسب سريعة من الوافد الجديد, حتى لو كان هذا المكسب في هيئة وعد لن يتحقق, أو في هيئة رحلة مجانية رخيصة الثمن الى منتدى أو دعوة, أو إسهام خفي أو علني في تمويل صحيفة طارئة أو موقع مؤقت. وفي قلب هذه المنظومة الحالمة بالكسب السريع, تظل هناك دائما حفنة ضئيلة فقط من المتعاقدين, تحظى بالنصيب الأكبرمن غنائم المعركة. أما الآخرون, الأقل شأنا, فتترك لهم جنة الأحلام المريضة مفتوحة الأبواب.
وعلى الرغم من أن المشروع السياسي والثقافي الأميركي لا يملك موطئ قدم قديم وثابث في العراق, إلا أن السنوات التي سبقت غزو العراق شهدت حركة متسارعة لتجميع المريدين لهذا المشروع. وقد أسفر هذا السعي عن إنشاء مواقع عديدة في صفوف المثقفين, من خلال بعض الصحف ومراكز الأبحاث والهيئات السياسية والاجتماعية والأفراد, مستفيدين من حالة الإعياء واليأس الشديدين بين صفوف أبناء الشعب, بسبب طول محنة المجتمع العراقي, الناشئة من جراء تسلط النظام الديكتاتوري, إضافة الى الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي خلفتها سياسة الحصار على حياة المواطنين.
ومع تدفق القوات الأجنبية على العراق تدفقت معها مقالات الكتاب العاملين في جهاز الإعلام الأميركي, وسار خلفهم وأمامهم وبين أرجلهم عدد لا يستهان به من المواهب الجديدة, ممن ولدوا فنيا على دوي قصف الطائرات, بالضبط كما حدث مع جيل الحرب الصدامية. عدّة هذا الفريق محددة ومقننة: الصراخ دفاعا عن الأعمال الحربية, الدعوة الى دك المدن, تبرير عمليات استباحة الأحياء والشوارع, تمجيد دور "الشرطة الوطنية"و"أجهزة الأمن والاستخبارات" في الكفاح من أجل الديموقراطية وبناء الثقافة الحرة, زرع مفاهيم التحلل السياسي والنفسي والاجتماعي والأفكار العدمية تحت شعار النفعية السياسية ونظرية "كل ما هو مربح مشروع وأخلاقي", تمجيد أعمال الاعتقال وهتك الأعراض, التهليل لمشاريع مد الحرب الى دول الجوار, تمجيد عناصر القوة الطائفية والعرقية والعشائرية, التحريض على قتل وقمع الصحافيين والإعلاميين الذين لا يناصرون سياسة الاحتلال, التستر على أعمال النهب الثقافي والاقتصادي, حماية ظهور الغزاة.
وخلال الفترة تلك طفت على السطح, من بين وجوه هذا الفريق, شخصيتان عراقيتان, تحملتا بجدارة فائقة أعباء الدفاع عن سياسة الحرب الأميركية. أولهما عزيز الحاج. وهو سياسي عراقي مخضرم, قاد في النصف الثاني للستينيات أخطر الحركات السياسية اليسارية العراقية: تيار القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي, الذي سرعان ما تهاوى على يد جهاز القمع السلطوي وبمساعدة من حلفاء البعث, إضافة الى الطعنات التنظيمة الداخلية القاتلة التي تلقاها, وكانت أقواها استسلام زعيم هذا التيار عزيز الحاج, وما جره ذلك من دمار عميق على قوى هذا التنظيم المقاتل. كانت مكافأة الحاج أنه تحول من مناضل حرب عصابات الى موظف مأجور لصالح النظام الصدامي. استمر الحاج يزاول مهنته حتى مرحلة الحصار, حينما جرى تقليص الإنفاق الحكومي, فاضطر, أسوة بكثيرين غيره, الى الفرار من السفينة الآيلة الى الغرق, وتحول فجأة الى نصير متحمس, ومقاتل متطوع, لا يكل ولا يمل, في جهاز إعلام الاحتلال.
مواهب عزيز الحاج وتكوينه النفسي والسياسي, ونوازعه ومكبوتاته المرضيّة المعروفة, وضميره المثقل بالخطايا, كانت عاملا أساسّيا من عوامل اندفاعه ليكون أحد أبرز الوجوه المدافعة عن خطط قوات الاحتلال, خاصة جانبها العنيف والانتقامي. كما لو أن هوسا جنونيا يتملكه فيدفعه الى إقامة تصفية حساب مع كل ما هو عراقي, فالعراقي غير الميت أصبح عدوه الأول. ذلك هو وجه الاحتلال الأول ونموذجه المميز.
أما الوجه الآخر, البارز, فهو القاص ابراهيم أحمد. وهو كاتب قصص قصيرة, بدأ الكتابة في منتصف الستينيات, وصدرت مجموعته القصصية الأولى عام 1976. برز اسمة في مطلع السبعينات, ابان الحوار الرامي الى إقامة جبهة تحالف مع البعث, وهي فترة سحق تيار القيادة المركزية والتنكيل بالتيار الشيعي, حينما كان كادرا ثقافيا شيوعيا وقياديا في جبهة التحالف الثقافي مع البعث. أصدر عددا من المجاميع القصصية, أهمها مجموعة ( زهور في يد المومياء ) الصادرة في نهاية عام 1979على نفقة وزارة الثقافة العراقية, في الوقت الذي كان الشيوعيون قد انتقلوا, قبل عامين من ذلك التاريخ, قسرا وإرغاما الى صفوف المعارضة. كما أصدر في الخارج عددا من القصص القصيرة, إضافة الى رواية سياسية اسمها (طفل السي ان ان) صدرت عام 1996, وهي رواية تناهض مشاريع "رجال المال الأميركيين الذين يشعرون دائما بالفخر والعرفان للقوات المسلحة الاميركية لأدوارها العظيمة في حماية المصالح القومية الأميركية وتعزيز جبروتها الصناعي وشق الطريق قدما لاستثماراتنا الى كل مكان في العالم".
قبل أن نبدأ بتحليل طبيعة ومنطق إبراهيم أحمد العقلي وتكوينه الثقافي, يتوجب علينا أن نشير الى أننا نقوم بذلك انطلاقا من تقديرنا أن إبراهيم أحمد ليس مجرد شخص, وإنما هو نموذج ثقافي, وحالة عقلية من حالات تطور الممارسة الثقافية في مرحلة تاريخية معينة: "العهد الجديد" أو مرحلة "التحرير", وبدقة أكبر باعتباره " عضوا في اللجنة التي كلفت بوضع نهج وزارة الثقافة في العهد الجديد", كما يحلو له أن يسمي نفسه.
إذن, نحن أمام صانع ثقافي من مبدعي "العهد الجديد", ومن مثقي حرب "التحرير" الأميركية.
سنبدأ تحليلنا بحكاية مجموعة ( زهور في يد المومياء) القصصية, التي أشرنا اليها في السطور السابقة, والتي قد تثير بعض التساؤلات لدى القراء وتشيع فيهم الغموض وسوء التفسير والتأويل. وقد ارتأينا أن نمنح الكاتب نفسه حرية كاملة كي يقوم بتوضيح ما يتعلق بصدور هذه المجموعة وملابساتها. يقول الزميل إبراهيم أحمد: "ان الكتاب كان قد قدم الى الوزارة قبل سنتين من صدوره وظلوا يماطلون في اصداره, ولم يصدروه إلا بعد خروج الكاتب من العراق متسللا, حيث كان ممنوعا من السفر" ( صحيفة السفير- 18-4-2003). إذن, الكاتب ممنوع من السفر, وسلطة المقابر الجماعية ظلت تماطله, على الرغم من أنه كان في قيادة التحالف الجبهوي لاتحاد الأدباء. ومثل هذا التصرف اللاإنساني سلوك منطقي ومتوقع من سلطة ظالمة. ولكن ما هو غير متوقع ولا منطقي أن تقوم السلطة الظالمة نفسها بإطلاق سراح الكتاب بعد انفراط عقد التحالف الجبهوي, وتحول الحلفاء الى أعداء مباشرين للسلطة ,اختاروا المنافي. عن هذا اللغز يجيبنا إبراهيم أحمد بنفسه قائلا: إنهم ـ جهاز المخابرات ـ فعلوا ذلك " لكي يحققوا الانطباع الذي راح سلام عبود يروج له الآن عن وعي أو دون وعي". أي ان المخابرات الصدامية طبعت الكتاب كي تضللني وتوحي لي بأن الكاتب عميل لديها.
لماذا تقصدت المخابرات تضليلي وتضليل غيري من المساكين؟
ولكن, حتى لو أننا صدقنا تفسير إبراهيم أحمد ـ فالمخابرات العراقية ما كرة ولا تتوانى عن فعل العجائب ـ يظل لدينا إشكال غير قابل للحل, إشكال لا يتعلق بالمخابرات بل بالكاتب نفسه, يتمثل في السؤال التالي: لماذا قبل الكاتب استلام كتاب يراد منه إشاعة تهمة خطيرة كهذه, والأهم من ذلك: لماذا قبض ثمن كتاب مسموم , من جهة تريد تلويث سمعته والايحاء للآخرين بأنه مشبوه؟
لا أريد جوابا على هذا السؤال. ولست في عوز الى أجوبة عن مثل هذه الأسئلة الشخصية. فلم يكن في نيتي إثارتها أصلا لولا إصرار ابراهيم احمد على تكرار أن (زهور في يد المومياء) ملحمة بطولية وطنية من ملاحم مقاومة الدكتاتورية. كما انني لا أود مواصلة الخوض في هذه المسألة على وجه التحديد, لأن المشروع الأميركي لتحرير العراق خلط المحررين بضباط المقابر الجماعية. فمن يقدراليوم على استخراج رأس الخيط في هذه الكومة المعقدة من التحالفات الشريرة؟
ولكن, هل حقا ان الزميل إبراهيم أحمد كان يستخدم هذه الواقعة المثيرة للريبة على أنها جزء من تاريخه البطولي؟ الجواب: نعم, كان يفعل ذلك. وهذا نموذج من تلك الملاحم البطولية الوطنية, نشر تحت عنوان(الكاتب في ظل نظام قمعي: كنا نشم البارود واللحم البشري حتى على أبواب الصحف) جاء في المقالة: "لكن وزارة الإعلام لم توافق على نشر مجموعتي القصصية الثانية (زهور في يد المومياء), وراح مستشارهم يساومني لحذف أو تغييير مضامين بعض القصص لنشرها ملوحا بمكافأة كبيرة فرفضت. كانوا قد أوقفوا النشر لي في الصحف الحكومية. كما أوقفوا عملي في برنامج إذاعي كنت أخاطب الناس فيه (! ) بشكل يومي لست سنوات (!؟ ) تقريبا. صار النشر بالنسبة لنا نحن الكتاب الذين نحمل فكرا مختلفا عن فكر السلطة, صعبا ويحمل مخاطر عديدة. وبعد هجوم السلطة على الحزب الشيوعي صرت ملاحقا, حيث كنت أحد كوادره في التنظيم الثقافي. فاضطررت لترك عملي وعائلتي والعيش متخفيا, كنت ممنوعا من السفر فاضطررت للتسلل سرا من العراق واختيار المنفى مع المئات من زملائي الكتاب والصحفيين والفنانين, ولقد صادرت السلطة بيتي, وكانت تسكنه والدتي التي لم يكن لها أبناء غيري فألقوها في الشارع بالمعنى الحرفي للكلمة, وأتلفوا مكتبتي وأوراقي وصوري العزيزة علي, ولكني كنت (محظوظا) فيما وقع لي, فهناك رفاق لي غيبوا في السجون واختفى كل أثر لهم... بينما آخرون سلمت جثثهم الى ذويهم بعد اعتقالهم لسنوات طويلة, وآخرون أفرج عنهم ليرووا الفضائع التي تعرضوا لها, فبعضهم اغتصب جنسيا سواء كان ذكرا أم أنثى, وبعضهم تم اخصاؤه"( المؤتمر- 17 نوفمبر 2001). نعم, البعض شرد, والبعض قتل, والبعض اغتصب, والبعض تم اخصاؤه, لكن الزميل إبراهيم نسي أن يقول للقارئ أنه كوفيء من قبل السلطة بطبع كتابه. أتراهم فعلوا ذلك كي يحرقوا قلوب أمهات الرفاق المخصيين والمغتصبين والمقتولين؟ ربما, ولكن لماذا اختاروك أنت, أنت وحدك, لهذه المهمة القذرة والشاذة؟
حقا, كان الزميل إبراهيم يشم روائح اللحم المشوي, لكنه لم يكن اللحم المشوي عينه الذي شمه ملايين العراقيين. فلم تكن تلك روائح لحوم البشر, بل كانت روائح لحم الكباب, التي ملأت سماء حديقة إتحاد الأدباء, حيث كان يجلس رفاق الخندق الواحد يروون النكات المسلية, التي تتحدث عن المتطرفين اليساريين المغامرين الخونة وذوي العمائم السود المتخلفين عملاء الشيطان, الذين كانوا ينحرون يوميا في قصر النهاية.
لقد سقت هذا المثال لغرض إنعاش الذاكرة الكليلة. والهدف من هذا المثال الوصول الى حقيقتين أساسيتين, لم يتمعن فيهما الزميل إبراهيم أحمد مليا. الحقيقة الأولى هي أن البشر, البشر كافة, أحرار في اختيار أفكارهم وقناعاتهم العقلية ومذاهبهم الفكرية والسياسية والفنية, كما انهم أحرار في اختيار علاقاتهم وأصدقائهم وحلفائهم سواء كانوا بعثيين أو أميركان أو من الشياطين. لكنهم ليسوا أحرارا في ما يفعلونه تجاه الآخرين. فعلى سبيل المثال, يحق لإبراهيم أحمد, أو غيره, أن يؤيد المشروع الأميركي, كما يحق له أن يعمل بأجر في جهاز الإعلام الأميركي, أو أي جهاز آخر, فهو حر والتاريخ "سيجازيه" على فعلته تلك, سيكرمه أو يخزيه. لكنه لا يملك الحق في أن يفرض على الآخرين مشروعه هذا, سواء بالقنابل أو بالكلمات. هذا أمر ينساه أصدقاؤنا أنصار مشروع الحرب الأميركية. وهم في هذه القضية لا يختلفون كثيرا, من حيث المبدأ, عن مخلوقهم الأسطوري, المدعو زرقاوي. فهم أكثر زرقة منه في هذا الجانب!
الحقيقة الثانية هي أن أصحاب المشاريع الثقافية كافة, خاصة الذين يتقاضون أجرا عن أتعابهم, يحترمون مهنهم التي يعتاشون منها وعليها. وأهم أمارات الاحترام هي الاعتراف علنا بمهنتهم وأدوارهم ومسمياتها. وهذا أمر لا نجده عند العاملين في المشروع الثقافي الأميركي. فهم للأسف الشديد – أقولها مرغما- يشبهون البغايا, اللواتي يمضين في طريق معلوم ويقبضن أجرا معلوما, لكنهن يكرهن أن ينطق اسم مهنتهن علنا. إن أنصار التيار الأميركي يثورون حينما يصفهم المرء بالعاملين في المشروع الثقافي الأميركي, أو بمناصري مشروع الاحتلال, أو بآيديولوجيي المشروع الأميركي. وهذا الأمر يسبب, غالبا, إشكالا منطقيا عند إقامة مناقشة أو جدل معهم. فالمرء يتحاور مع شخص لا يحترم مهنته ولا يعترف بهويته الثقافية والفكرية. لذلك يغدو الجدل مع هذا الفريق ضربا من الرطانة والعبث. ولغرض التغلب على هذا العبث الفكري سأحوال عدم التعرض لأفكار إبراهيم أحمد في مقالاته الأميركية, لأنها على درجة عالية من السطحية, تحيل أقدس وأخطر المشاكل الى مجرد ملاسنات ضحلة, تشبه ملاسنات بائعي الفجل.
لذلك سأعمد الى مناقشة ما هو أهم من أفكار الكاتب: المنطق الذي يبني عليه أفكاره وقناعاته العقلية, وسأكتفي بذلك, اعتقادا مني أن دراسة أحد رموز تيار فكري معين تتطلب إلقاء الضوء على الشخص موضع الدراسة باعتباره نموذجا عقليا, أو صورة مثلى, تعمم فكر وسلوك ومنطق الاتجاه الفكري والسياسي الذي يعمل فيه ومن أجله.
ولكيلا يتهمنا الزميل إبراهيم أحمد بالابتسار والإلغاء, لأننا استنكفنا مناقشة أفكاره وعددناها قشرية, سنورد له وللقراء,على عجل, بعض العينات من أفكاره, للتذوق والاستنكاه فقط. وأنصح الصائمين منهم بفعل ذلك بعد مدفع الفطار, لأنه استنكاه يبطل الصيام لشدة فساده.
حاول الكاتب في مقالات عديدة تعميق وجهة نظره المؤيدة للاحتلال بإيراد أمثلة تاريخية تعزز شرعية الاحتلال. ولكي تكون الأمثلة مقعنة آثر الكاتب اختيارها من التاريخ العربي والعراقي والشيوعي. أول مثال وجده في الشاعر العربي امرئ القيس, فعده نموذجا قوميا ناجحا للاستعانة بالأجنبي. وقد غبي على ابراهيم احمد الطابع الأسطوري للرجل, كما أساء فهم مغزى حكايته, بصرف النظر عنها كونها أسطورة أم حقيقة. فقصة امرئ القيس تؤخذ تاريخيا كعظة تصور الخذلان الذي لاقاه من استجار بالأجنبي من العرب, فكان مصيره أن ألبس حلة مسمومة, جعلته يكون مضرب مثل للرجل الضليل, "ذي القروح". فالمصادر العربية تروي أنه استجار بملك الروم جوستينيان, فأكرمه هذا لكي يستخدمه ضد بني قومه. ولكن ملك الروم غدر به, فأهداه حلة مسمومة أو درعا مسمومة, كما تذكر مصادر أخرى , أو أنه سقي السم فتقرح جسمه. لذلك أجد صعوبة كبيرة في قبول مثل هذه العودة التاريخية على أنها دليل على شرعية الاحتلال أو الخيانة, إلا على سبيل النكتة المبكية. لكن الطريف في أمر امرئ القيس, أنه يشبه بعض أطراف المعارضة العراقية شبها عجيبا, الى حد التطابق. وربما لذلك اعتقد إبراهيم أحمد أن كل مثل ينطوي على خيانة أو تأمر وتواطؤ, ينطبق على الشعب العراقي. فتقدير إبراهيم أحمد لشعبه عظيم وسام!
أما العظة القومية الثانية فاستقاها من تاريخ الدعوة الإسلامية, حيث وجد في هجرة المسلمين الى الحبشة ما يؤكد تاريخيا مشروعية الاحتلال الأميركي للعراق. وهنا, لا نريد أن نعلق على هذا المستوى المتدني من المعارف, كي لا ننزلق الى مناقشات رديئة لا تنفع أحدا. فما صلة النجاشي بقوات المارينز؟ ألم يسمع زميلنا إبراهيم بأن جوهر وصلب دعوة الرسول محمد السياسية تركزت على عنصرين تاريخيين أساسيين هما: الوحدة ورفض الهيمنة الأجنبية.
ومن تاريخ الحركة الشيوعية العالمية يورد مثالا عن شرعية المساومة مع الأعداء, يأخذه من مواقف " استالين ذو الشاربين العظيمين" وعن " تحالفه مع هتلر سرا في البداية". وهنا يخيل لمن يقرأ ابراهيم أحمد أن هذا "الكائن" - عذرا لأني اقترضت الكلمة منه- لا يحمل رأسا فوق كتفيه, بل يحمل شيئا آخر! فلو صح وجود مثل هذا التحالف, فمما لاشك فيه أن "استالين" أراد به درأ خطر غزو محتمل قد يقع على بلاده, أما محررونا فاستخدموا التحالف مع الأجنبي من أجل احتلال الأرض التي أنجبتهم. أيها الزميل إبراهيم: لقد أخزيت حتى المحتلين بأمثلتك التعبانة.
ومن تاريخ العراق السياسي الحديث يتخذ إبراهم أحمد من القائد الشيوعي يوسف سلمان فهد مثلا على التعاون مع القوى المرتبطة بالمحتلين, ففهد " اقترب في تلك الأيام الصعبة المعقدة من النظام الملكي بل وتحالف ضمنيا معه" ويضيف بثقة أميركية عجيبة: " بل وتحالف معه وساند حكومة نوري السعيد". وإذا قدر لنا, نحن الجهلة بالتاريخ, القبول بهذه الاكتشافات التاريخية المخزية, التي تؤكد عمق العمالة للأجنبي في تاريخ الحركة الوطنية العراقية, فإن ما لا يستطيع إبراهيم أحمد اقناعنا به هو: لماذا علقت رؤوس يوسف سلمان فهد ورفاقه على أعواد المشناق؟
يبدو أن حال فهد كحال صاحبه أمرئ القيس. فكلا الرجلين تلقيا هدية مسمومة من حليفهما الأجنبي. وإذا صدقت فراسة إبراهيم أحمد التاريخية, فإن هذه الأمثلة تدلل على غدر مبيت. فكلاهما: فهد وامرؤ القيس ماتا على يد من "تواطأا" معه. وفي هذه المسألة لا أرى ما يراه كثيرون, فأنا أرى أن ابراهيم أحمد لم يقرأ ما كتبه, فقد كان متعجلا, وربما كان الأمر الذي صدر اليه بالكتابة فظا. فلا أظن أنه يريد لشعبه المصير ذاته, الذي أراده للمتواطئ فهد ولـذي القروح أمرئ القيس. ولذلك رأيت أنه لا يليق بنا الاسترسال في محاورة مثل هذه المعارف العبثية الرثة, التي تسيء حتى للاحتلال, قبل أن تسيء للعراقيين وتاريخهم وللثقافة عموما.
ما مميزات رجل الثقافة العامل في جهاز الإعلام التابع لجهاز الاحتلال؟
مما لا شك فيه أن جهاز الإعلام لا يقدم دولاراته مجانا( كان صدام يقدم كوبانات النفط, أما قوات الاحتلال فتقدم دولارات النفط), وهو حينما يختار رجاله من المثقفين خاصة, لا بد أن يتوخى فيهم بعض الصفات الضرورية مهنيا وسلوكيا. فما هي هذه الصفات؟ ولماذا تم اختيار إبراهيم أحمد مثلا من بين آلاف الأدباء العراقيين لهذه المهمة النبيلة؟
الجواب على ذلك بسيط جدا ومنطقي: إنه يخدم موقعه المهني بإخلاص وكفاءة, ولو لم يكن كذلك لما اختير لتلك المهنة.
ولكن ما دليل الإخلاص؟ الأدلة كثيرة جدا: فهو أول من احتل موقعا جهاديا في فيلق الإعلام الخاص بقوات الاحتلال, وهو أول من طالب بقصف الفلوجة ( قبل ظهور الزرقاوي بعام), وهو أول من طالب المثقفين العراقيين في بيان خاص أصدره بتأييد الكونغو وقائدها الثوري كابيلا, وهو أول من دافع عن لصوص المتحف الوطني, وهو الأكثر حماسة وتطرفا في صفوف الذين دافعوا عن كتاب الحرب الصدامية القذرة, وهو أول من وزع شهادات وأوسمة لمن دافعوا عن جهاز المرتزقة الأجانب, الذين عرفوا بالمتعاقدين أو المقاولين, وهو أول من جمع قوائم بالأسماء الصريحة والمستعارة للمثقفين العراقيين المناهضين للاحتلال, والأهم من هذا أنه انتخب ليكون رأس الحربة في مجال الإجهاز على البقية الباقية من روح الاستقلال والعناد الإباء الموجود في ضمير المثقف العراقي.
ذلك غيض من فيض. لكنه يؤكد, بما لا يقبل الشك, أن صفة الإخلاص متوفرة بقوة لدى الكاتب, ولا يستطيع حاقد أو حاسد أن ينكرها عليه.
فما المميزات الأخرى التي تصنع رجل الإعلام العامل في جهاز الاحتلال؟
صفات كثيرة يجب أن تتوافر في النموذج الثقافي هذا, فإضافة الى الخصيصة السابقة : عمالة فهد, وبطولة امرئ القيس, ومساواة النجاشي ببوش, وبيع "استالين أبو الشوارب" وطنه للغزاة, التي تعكس عمق المفاهيم التاريخية والأدبية للكاتب, يتوجب على النموذج الثقافي أن يتحلى بصفات المنطق الجدلي, والتسامح الثقافي, والأمانة التاريخية. تلك صفات أساسية ولازمة لرجل الإعلام العامل في جهاز الإحتلال.
لنتأمل هذه الصفات واحدة واحدة.
يقول ابراهيم أحمد عن كتاب ( ثقافة العنف في العراق) ما يلي: " بل يمكن القول إنها تجميع لمقالات كان الكاتب قد نشر بعضها في جريدة"القدس اللندنية", وبناء عليه "يمكن القول أنها في ما يتعلق بتناوله لأدب المنفى وشخوصه جاءت في موافقة لهوى الجريدة"
إذن, بعض فصول الكتاب نشرت في "القدس اللندنية", حيث يوجد الوحش عطوان – من حسن الحظ أن الزرقاوي لم يكن قد ابتكر حينذاك- والإرهابي سعدي يوسف. و"بناء عليه" فهي مقالات كتبت لصالح عطوان. وبما أن عطوان من أتباع صدام, وجريدة (القدس) " جريدة صدام الأخيرة", فالمقالات معده أساسا لتتلاءم مع هوى صدام. بهذا المنطق الديالكتيكي المحكم يصوغ ابراهيم أحمد أفكاره. وتلك خصيصة جوهرية من خصائص جهاز الإعلام الأميركي: المنطق الجدلي. بيد أن ما هو محير في هذا المنطق, هو أن مؤلف كتاب (ثقافة العنف) لم ينشر على الإطلاق فصولا من كتابه في جريدة "القدس اللندنية".
على العكس, قامت الجريدة بعمل استفتاءات أدبية حول الموضوع نفسه. استشارت فيها (القرعة وأم الشعر) , لكنها استثنت مؤلف كتاب ( ثقافة العنف في العراق) منها.
سنسامح إبراهيم أحمد على ما بدر منه, ولا نعتبر ما قاله كذبا, بل سنظن به ظنا حسنا ونقول إنه سها. ولكن لمصلحة من, و"لهوى" من يسجل مثل هذا السهو؟
حقا, نشر الكاتب بعضا من فصول كتاب (ثقافة العنف) قبل صدوره عن دار الجمل, لكن تلك الفصول نشرت في صحف ومجلات عراقية, لا صلة لها بعطوان من قريب أوبعيد. فقد نشرت لدى عراقيين "فقيرين". نشرت مجلة (عيون), التي يصدرها خالد المعالي فصلا من الكتاب, ونشرت صحيفة (المجرشة) فصلين. والأخيرة صحيفة يسارية معارضة للديكتاتورية وللإرهاب الصدامي, أصدرها الفنان التشكيلي فيصل لعيبي على نفقته الخاصة.
فهل حقا لا يستطيع كاتب مثل ابراهيم أحمد أن يفرق بين عبد الباري عطوان وفيصل لعيبي؟ بين صدام حسين وخالد المعالي؟ هذه واحدة من خصائص المنطق المسخر لصالح جيش الإحتلال: الكذب, والتزوير, وتسفيه المنطق.
سنمضي قدما في مجال تفحص خصائص هذا العقل المحير.
في مقال له يدافع فيه عن أدباء الحرب نشر في صحيفة السفير في 18-4-2003 اشتكى الزميل ابراهيم احمد من أن كتاب (ثقافة العنف) مارس العنف "الجدانوفي" و"الستاليني" والهتلري" على الكتّاب العراقيين, ويعطي مثالا حيا على تلك الممارسة الوحشية, تتعلق بالنقد الموجه للكاتب فاتح عبد السلام. يقول إبراهيم أحمد: " هل هذه سذاجة من سلام عبود؟ أم قسوة متأصلة في الطرح؟ ام عجز في النقد والتحليل؟ واذا كان الأمر كذلك فما الذي دعاه ليخوض غمار تجربة لا يستطيعها؟ من الغريب انه حين تناول قصة للكاتب فاتح عبد السلام وفيها إدانة صريحة للحرب علق قائلا: هذا غير صحيح, كيف يستطيع كاتب أن يكتب ضد الحرب؟ مما يجعل القارئ حائرا معه. ماذا يريد؟"
حقا, ماذا أريد؟ ما كنت أريده – أيها العضو في لجنة وضع نهج الثقافة في العهد الجديد- هو أن أخوض تجربة كتابية توثيقية معادية للعنف الثقافي الصدامي, معادية لسموم ثقافة العنف والحرب وتوابعها وحلفائها. وحينما قرأت قصة (بريد الحرب) لفاتح عبد السلام, المنشورة ضمن مجموعة (حليب الثيران) الصادرة عام 1999, وجدت أنه أرخ كتابتها بعام 1989, فسول لي عقلي "الساذج", وصورت لي "قسوتي المتأصلة", و"عجزي في التحليل والنقد" أن فاتح عبد السلام كتب في جريدة الجمهورية في العدد 7720 في 23-11-1990 مقالا عنوانه "عناصر التفوق العسكري في سلوك القائد صدام حسين", كما ان عقلي "الساذج" صور لي أن فاتح عبد السلام كتب في جريدة الجمهورية أيضا, في العدد 7739 الصادر في 15-12- 1990 مقالا بعنوان " العناصر العملية في الفكر العسكري للقائد صدام حسين", فرحت أتساءل مع نفسي المليئة بالسذاجة والقسوة: أيهما أول البيضة أم القائد صدام حسين؟ الدجاجة أم عقل إبراهيم أحمد؟
أيها الزميل إبراهيم أحمد: لقد نجونا بأعجوبة من مرحلة تزوير التاريخ, حيث زوروا حياتنا قسرا, زوروا حتى قبور موتانا. ولكن, لن نرتضي أن يرغمنا أحد الحمقى, على القبول بهذا التزوير كحقيقة. فمقابرنا الجماعية- وليست قصة ملفقة التاريخ لفاتح عبد السلام أو قصيدة مزورة المضمون لغيره- هي شهادتنا على بربرية من تدافع عنهم.
إن ما يميز عقل إبراهيم أحمد هو أن الديالكتيك لديه يسير تارة الى اليسار وتارة الى اليمين, بيد أنه في كلا الحالتين يتوقف عند نقطة جاذبة اسمها نظام صدام حسين. فعند الحديث عن نشر كتاب (ثقافة العنف) جيّره لصالح صدام على حساب خالد المعالي وفيصل لعيبي, وعند الحديث عن فاتح عبد السلام جيره لصالح الثقافة المعادية للحرب, وهو يعلم بعقله غير " الساذج", وروحه الخالي من "القسوة المتأصلة", وبتفوقه في النقد والتحليل, أن حرب فاتح عبد السلام هي حرب "القائد صدام".
إذن, هناك "سذاجة" و "قسوة متأصلة" و " عجز في النقد والتحليل" و الأهم من كل هذا هو التساؤل التالي: "ما الذي دعاك لتخوض غمار تجربة لا تستطيعها؟"
أيها الزميل إبراهيم أحمد: إنني لا أقوى على توجيه اللوم اليك شخصيا, لكنني أشك في سلامة القوى العقلية لذلك الأميركي المعتوه الذي رشحك خبيرا في مجال الثقافة والإعلام.
لا تتعجل عزيزي القارئ, فأنا لم أقل كلمتي النهائية بعد, والمهزلة العقلية لم تنته بعد, وكل ما قلته لا يعدو أن يكون تمهيدا هدفه الوصول الى تحديد دقيق لما يعرف بمثقف جهاز الاحتلال, من خلال أبرز وجوهه الثقافية وأعلاها موهبة وأقدرها عطاء: إبراهيم أحمد.
يدافع إبراهيم أحمد عن ثقافة العنف قائلا: " ان جاسم الرصيف وفيصل عبدالحسن ليسا سوى كاتبين فقيرين (! ) بزغا لتوهما (قرأت لفيصل قصصا مؤرخة بعام 1976 والرصيف بعام 1980 ) في عراق القمع والرعب... يمكنك أن ترفض نتاجهما أو أن تدينه ولكنك لا تستطيع مطالبتهما بما هو فوق طاقة البشر"
هنا يتحول إبراهيم أحمد الى حمل حربي مجددا. ولكن, من طالب جاسم الرصيف بما هو فوق طاقة البشر؟ أتعتبر إدانة نص يهاجم " العصاة والمخربين, والخونة, والهاربين من الخدمة العسكرية, وقطاع الطرق الاباحيين, والعميل مصطفى البارزاني..." الى آخر القاِئمة الطويلة من المدانين نوعا من الستالينية, تفوق طاقة البشر؟
ألم تشعر برجفة وأنت تدرك أن تلك الإدانة هي تحريض مقدم الى فرق الإعدام. تحريض يخص زميلا لك, يمكن أن يكون اسمه شيركو بيكس أو فلك الدين كاكائي أو جنان جاسم أو سلام ابراهيم أو حميد العقابي أو زهير الجزائري أو أحد الرفاق "المغتصبين " و" المخصيين" أو "المعدومين", أو أي فرد من تلك الألوف التي غيبها نظام القمع؟ أتستكثر على النقد أن يكشف للملأ هذا الروح العدواني التحريضي؟ باسم من تتحدث؟ باسم أي ملاك حربي وسخ تنطق؟
لنتأمل مزيدا من خصائص هذا "الكائن" و"انتباهاته" الثقافية.
كانت واحدة من أهم ثمار الجدل الذي أثاره كتاب ( ثقافة العنف في العراق) هو ظهور بوادر للنقد الذاتي عند بعض كتاب الحرب. وأهم بادرة لنقد الذات ـ كانت هي البادرة الوحيدة والصادقةـ صدرت من الكاتب عبد الستار ناصر. وقد عدت مجلة (المسلة) تلك البادرة "علامة فارقة تستحق منا وقفة التقدير والاحترام" و " عبرة هذه المقالة للكاتب عبد الستار تكون قضية الشفافية والمراجعة في الثقافة العراقية قد كسبت موقفا لافتا" (العدد 3 – نيسان 2002)
بيد أن هذه البادرة سرعان ما وئدت, بفعل الدفاع الشرس الذي أبداه كتاب الحرب, وبفعل عمليات تزوير التاريخ, التي قام بها البعض لصالح ثقافة الدكتاتور وثقافة الموت والشر. وكان إبراهيم أحمد رأس الحربة في عملية ايقاف موضوع "المراجعة الثقافية", الذي شارك فيه عدد كبير جدا من المثقفين والكتاب العراقيين والعرب, ووصلت بعض أصدائه الى الصحافة الأجنبية.
ففي الوقت الذي يقول عبد الستار ناصر عن نفسه: " لا أدري كيف مضيت الى الكتابة عن عبقرية هذا القائد الفذ (صدام) وكنت أعرف مع نفسي, أنني بما أفعله انما انتمي فورا الى جوقة الكذابين والمنافقين والطبالين وشعراء الدينار, وأن لا فرق بيني وبين ذاك المتهافت المدعو علي الياسري الذي أعطى تسعا وخمسين صفة من صفات الأنبياء وألصقها بقائده الضروروة"
يقول إبراهيم أحمد: " وحين يتناول عبود قصص عبد الستار ناصر التي كتبها للحرب ويقول أنها كانت رديئة وسيئة وضارة فلا يجافي الموضوعية ( هنا يراد النيل من قيمة عبد الستار الفنية كضرب من منافسة أرباب المهنة الواحدة, فأنا لم أقل سيئة وضارة فقط, بل قلت إنها تمجيد للطاغية, وتطبيل لحرب دموية ظالمة. أي أن مضمونها لا بنائها الفني هو جوهر نقدي لها) رغم قسوة الجو العام ووحشيته, لكنه يغفل ان عبد الستار كتب قصة جميلة اسمها سيدنا الخليفة وسجنه النظام أكثر من سنة".
مما لا شك فيه أنني لا أستطيع مجاراة إبراهيم أحمد في حجم تسامحه, فكاتب مثلي كثير الحقد على الأبرياء "الفقراء" لا يستطيع أن يغتفر لكاتب كتب أكثر من مئة قصة في تمجيد الحرب والدكتاتور, ولا بد له أن "يغفل".
قل لي أيها الزميل إبراهيم: هل سنتخذ من تسامحك هذا قاعدة نقدية ونقبل بترهات ووساخات عبد الرزاق عبد الواحد مثلا, لأنه سجن على يد الفئة السياسية ذاتها, لفترة أطول من فترة سجن عبد الستار؟ عمن تدافع, يا زميل؟
بعد أشهر معدودة من مراجعة عبد الستار ناصر السالفة, تراجع عبد الستار ناصر, وراح يقول في مقابلة له في الزمان إنه لم يذهب الى السلطة, وإنما هي التي جاءت اليه. ذهب الى الشيطان أم أن الشيطان ذهب اليه, أحقا أن أزمة الضمير تكمن في ذلك الحيز الضيق من المسؤولية: من ذهب الى من؟ المشكلة أن عبد الستار ناصر وجد أنه ليس أكثر كذبا ونفاقا وتطبيلا من سواه. فلماذا يغرق نفسه في سخافة اسمها "المراجعة الذاتية".
إن إبراهيم أحمد يدرك بأنه لا يوجد أحمق على سطح البسيطة يتردد في مسامحة كاتب وإنسان رقيق مثل عبد الستار ناصر, في الوقت الذي يمنح قانون الانتخاب في العهد الجديد الحق بالترشيح لمن يحتلون درجة أقل من عضو فرقة من أعضاء حزب البعث. ولكن هذا الاصطياد العكر في الماء العكر, جعله ينسى أنه لا أنا ولا عبدالستار ولاهو نملك الحق في مسح ذاكرة الوطن أو تزويرها.
وعلى الرغم من فساد منطق زميلي إبراهيم أحمد, سأقبل به, واعتبره نصحا أخويا حق عليّ الاقتناع به.
فلو تغافلنا عن ذلك كله وقبلنا بمنطق التسامح الملائكي هذا, كيف يبرر لي زميلي إبراهيم أحمد عدم مقدرته على مسامحة المخطئ العاق, المسمى سعدي يوسف؟ ألا تشفع له قصائده الجميلة؟ ألا تشفع له سنوات سجنه؟ ألا تشفع له سنوات غربته؟
أما كان بمقدور إبراهيم أحمد أن يعامل سعدي يوسف معاملته لجاسم الرصيف أو لفاتح عبد السلام؟
أما كان بمقدور الزميل ابراهيم أن يعتبر سعدي أقل من عضو فرقة في حزب البعث أو عضو فرقة مستثنى "حسب ٍالقواعد القانونية السارية المفعول", فيشمله بتسامحه؟
إن ابراهيم أحمد الذي تسامح مع إبرز ممجدي الحرب والدكتاتور يصف سعدي يوسف بالكلمات والعبارات المؤدبة, المتسامحة, التالية في مقال واحد:" الكائن الخرافي" "الذي يلحق بالديناصورات" و"الكائن الغريب"و " درة الفكر" و"أعجوبة الدهر" و "علينا ان نركض به الى أقرب مختبر للاستنساخ" و"النادر الوجود" و" مجرد خرافة" و " صاحب قصائد بذيئة" و" معلقات جاموسية" و "شيوعي دون شيوعية" و" مجاهد دون نضال أو عمامة" و "يستقي الهامه من فقهاء الكباب" و " رائحة الطائفية النتنة تعط من كلماته".
ماذا أبقيت لغيرك, يا زميل؟
هذه الكلمات الناضحة بالحقد مأخوذة من الأسطر العشرة الأولى فحسب لمقال (الشيوعي الأخير). لنتأمل كم "تتمثل" هذه الكلمات للحقيقة والجمال والخير, وكم "تقوم" على الحرية والاستقلال والتنوع والتعدد والقبول بالآخر وبرأيه مهما كان مختلفا. لا أريد الاسترسال في ذكر جميع تلك التعابير البشعة, المثيرة للتقيوء, فما ذكرته يكفي للتدليل على طبيعة "مزاج التسامح والعفة" التي يتعامل بها شرطي ثقافة الاحتلال مع خصومه. ففي السطر الثالث من تقرير إبراهيم أحمد المكتوب بأمر من سيده بول بريمر ورد ما يلي حرفيا: " للبدء على الفور ببناء ثقافة جديدة تماما تتمثل للحقيقة والجمال والخير وتقوم على الحرية والاستقلال والتنوع والتعدد والقبول بالأخر وبرأيه مهما كان مختلفا"
ألا تحس بالخجل أيها الزميل وأنت تخدع سيدك بريمير, فتكتب له شيئا وتمارس عمليا, ضد محاوريك وخصومك, ثقافة عتيقة تماما, متخلفة, رثة, ولا أخلاقية, خالية من الجمال والخير والتسامح والحرية ؟
ترى, ماذا سيفعل إبراهيم أحمد لو أصبح مسؤولا في حكومة حقيقية ثابتة؟ على أي الأعمدة سيعلق خصومه من الأدباء؟
إذا كانت لغة النظام الصدامي تتميز بالقسوة المفرطة والمفردة المحملة بالعنف, فإن لغة كتاب الاحتلال محملة, إضافة الى العنف, بكل ما هو دوني ورذيل من الكلمات والتعابير الوضيعة. فحينما تواجه ابراهيم أحمد في خصومة تتذكر فورا فرس النهر. فرس النهر الذي يبدأ عراكه بفتح شدقيه على وسعهما, ثم يشرع بالتبرز. أما ذنبه فيستخدمه كمروحة تنشر برازه الى كل ما يحيط به. إن ستراتيجية فرس النهر الثقافية تنطوي على إحساس داخلي بتهافت المنطق وهشاشة التفكير وقوة التحلل الأخلاقي, الذي يمسك بخناق كتاب قوات الاحتلال. إنني أكاد أشم رائحة الكلمات ذاتها, التي سخرها كتاب الحرب الصدامية عند غزو ايران والكويت وقمع الانتفاصة الشعبية. الكلمات الدموية نفسها, التعابير الدونية نفسها, والمشاعر الشريرة نفسها. إنها مباراة في لعبة الشر!
إنه مرض موت الضمير, مرض ضمور الأخلاق, ومرض اختفاء مشاعر الإحساس بالدونية.
إنها النهلسيتة الأخلاقية في أبشع صورها.
لماذا اختار , ولا نقول لماذا أمر, إبرهيم أحمد الهجوم على سعدي يوسف؟
الجواب بسيط وواضح: فسعدي يوسف, إضافة الى كونه لم يعد شيوعيا صالحا (جبهويا), هو المسؤول عن كل ما يحدث في العراق. والدليل على ذلك اتساع دائرة الإرهاب. فسعدي يوسف هو الذي حل الجيش العراقي, ومن دون شك هو الذي حل حرس الحدود والشرطة, وكما هو مؤكد هو الذي فتح مخازن الأسلحة للنهب, وهو الذي أطلق عصابات الفرهود, وأرسل قواته لاحتلال موقع بابل الأثري, ومن المعروف للناس أجمع أنه هو الذي أصدر قرار إباحة استيراد السيارات من الخارج في بلاد لا تملك دولة ولا شرطي مرور أو شرطي حدود واحدا, وهو الذي عين أبطال المقابر الجماعية في قيادة أجهزة الأمن, وهو الذي سمح باختفاء 400 طن من المتفجرات, ووفق تقرير دورية لانست الطبية البريطانية هو الذي قتل 100 ألف عراقي خلال عام ونصف ( أقل بكثير من الذين قتلهم صدام), وهو الذي نقل الأرهاب من العمق الأميركي الى بلاد الآخرين, " أولاد الخايبة, العراقيين", كما قال بوش في مناظرته الثانية مع كيري. لا نريد الاسترسال في إيراد جرائم سعدي الأخرى, كنهب الثروة الوطنية والإرث الثقافي التاريخي, والتحكم بمصائر العباد, وإلغاء السيادة, ووضع لبنات تفكيك الوحدة الوطنية, وإرساء مبادئ المحاصصة الطائفية والعرقية والعشائرية. شرور سعدي كثيرة جدا ومعلومة, ولا أعرف لماذا أغفلها إبراهيم أحمد, ولم يكتب عنها حرفا واحدا, وراح يركز انتقاده على أمور هامشية صغيرة مثل "كرع الويسكي في بارات الدول الاشتراكية الصديقة".
ماذا يستطيع رجل مثل سعدي أن يفعل في عالم ظالم وهو مشغول "بكرع الويسكي" و "التبضع من سوقه اللندني"؟ (حتى التبضع أصبح شتيمة, بينما أضحت سرقة الوطن بأكمله فضيلة أخلاقية وسياسية) أما كان بمقدور الزميل إبراهيم أن يعامله كما عامل جاسم الرصيف, فيقول لكارهيه اللؤماء "يمكنك أن ترفض نتاجه أو أن تدينه ولكنك لا تستطيع مطالبته بما هو فوق طاقة البشر"
بهذا المنطق يقيم إبراهيم أحمد مشروعه الثقافي الوطني الذي سيخرج البلاد, حتما, من أزمتها التاريخية.
لذلك أقول له مرة ثالثة ورابعة: لا أستطيع القاء اللوم عليك, بل أضعه على عاتق ذلك الأميركي الأحمق الذي جعلك خبيرا ثقافيا في هذا البلد المستباح.
في مقاله (الشيوعي الأخير) ينعت إبراهيم أحمد سعدي يوسف بأنه "شيوعي دون شيوعية", وينسى أنه قبل عام واحد فقط, قبل أن ينحرط الشيوعيون في ملحمة التحرير, اتهمه بالشيوعية ووصفه قائلا:" شاعرهم الايديولوجي" أي شاعر الشيوعيين. فما الذي تغير في الشيوعيين وفي سعدي لكي تنقلب شيوعيته الى لا شيوعية وشيوعية الحزب الشيوعي الى شيوعية أصيلة؟ يقول إبراهيم أحمد في معرض هجائه للحزب الشيوعي العراقي " لو استفاق الاتحاد السوفيتي من الموت وأراد أن ان يكفر عن ذنوبه بدعمه الطويل للنظام الفاشي في العراق بحرب قصيرة أو طويلة تنقذ العراقيين, انذاك ستكون بياناتهم (الشيوعيين) على نغمة (سوو درب ) ولانبرى شاعرهم الايديولوجي الذي يشتم المعارضين والمنفيين ويتحاشى صدام بقصيدة عصماء ترحب بطلائع الأممية على أبواب بغداد" ( المؤتمر- العدد 354- 13 حزيران 2003). إن ما تغير هو أن الشيوعيين ارتضوا بالمشروع الأميركي. وهنا نرى أن الزميل إبراهيم أحمد لا يستمد قواعد ديالكتيكه من أفكار ماركس أو هيغل, بل يستمدها في "العهد الجديد", بنباهة معرفية, من فكر رامسفيلد الفلسفي, كما كان يستقي خصوصياتها من كراس" الرفيق" صدام حسين المعنون (خندق واحد لا خندقان) في العهد القديم, أيام قصر النهاية.
ايها الزميل إبراهيم أحمد, أنت وغيرك من النهلستيين, الذين يرون أن الاحتلال مباح في العراق طالما هو مباح في جزر واق الواق, وأن التفريط بالسيادة الوطنية شأن مقبول طالما قبلت به دولة الخروف الأصفر, وأن استباحة أمن الوطن من قبل كل من هب ودب شأن حضاري طالما أن رجال الموساد والسي آي أيه يجولون ويصولون في عمان والقاهرة, وأن قتل مئة الف مواطن أمر ضروري طالما أن السفاح السابق قتل أربعة أضعافهم, كما يقول الناطق باسم البيت الأبيض, وان ارتفاع نسبة البطالة الى أكثر من سبعين بالمئة ليست كارثة اجتماعية طالما أن البطالة في الصومال تصل الى خمسة وسبعين بالمئة. وإذا كان لينين قد جاء بقطار ألماني والبعث بقطار أميركي, فلماذا لا يأتي المحررون العراقيون على ظهر دبابة أميركية؟
أيها الزميل إبراهيم أحمد: بهذه الستراتيجية, ستراتيجية فرس النهر والفكر النهلستي, لا تبنون أنت وأميركيوك وطنا, وإنما تضعون الأساس لبناء أكبر حاوية أوساخ دولية عرفتها البشرية.
إن العدمية السياسية والأخلاقية ليست مؤهلة لإخراج الوطن من محنته, بقدر ما هي مكلفة بالقضاء على آخر الأنفاس الحية فيه, والإجهازعلى آخر قطرات الضمير, التي سلمت بقدرة قادر من براثن سلالة القتلة.
إن مشروع العنف: عنف طائرات الأباتشي, وعنف نقل الإرهاب الى أرض العراق, وعنف القوى الظلامية وقاطعي الرؤوس, لن يوصل الوطن إلا الى الكارثة. إن وطنا متعبا, ممزقا, جريحا لهو أحوج ما يكون الى برنامج وطني شامل, يلغي التقاطب الشرير الذي صاغته أميركا في هيئة صراع بين علاوي وزرقاوي, برنامج يعمل على إعادة البلاد الى أهلها, متكاتفة, موحدة, مستقلة الإرادة. وإن ذلك لن يتحقق إلا بقيام إجماع وطني يستخدم أشكال النضال كافة لغرض فرض السيادة, وإقامة سلطة الشعب المنتخبة, بدون وصاية من سيد أجنبي أو سمسار محلي.
فلا الزرقاوي ولا طائرات أف 16 قادرة على صناعة الديمقراطية.
لا أنت, ولا ذلك الأحمق الذي منحك منصبا في جبهة الحرب الثقافية بقادرين على الحاق الهزيمة بروح الشعب وذاكرته, ممثلة في قصائد سعدي يوسف التي لا تنطبق عليها شروط تسامحك, أو ممثلة في الحب العارم للحياة, الذي تكتنزه أفئدة ملايين العراقيين, الذين ذاقوا مرارة البطش لعقود, ويتوقون لبناء وطن حر سعيد.
سيدك المحتل, لن يطول بقاؤه, كما تتوهم, مهما كان جبروته.
فابحث لنفسك عن قناع جديد قبل فوات الأوان, فما أنت سوى آخر النهلستيين!
ربما سيقول البعض إن مقالتي هذه أشبه ما تكون بتصفية حسابات. وأنا أقول: نعم, إنها تصفية حساب أكيدة مع ثقافة شريرة, يراد فرضها على شعبنا بالقنابل. هي تصفية حساب مع ثقافة العنف وموت الضمير, سواء لبست بدلة الحرب الصدامية أم بدلة المارينز أو بدلة الزرقاوي. إنها تصفية حساب أكيدة مع لغة النفعية السياسية, التي تريد أن تبيع, على عجل, وطنها وشعبها بأبخس ثمن.
آن الأوان لأن نوقف هذا الاستثمار الجنوني البربري لنوازع الكره والضغينة والانتقام والخوف والتشرذم والإذلال المتأصلة في النفوس. آن الأوان لكي نوقف عجلة الشر, الشر المتساقط فوق مدننا من طائرات بوش, والشر القادم الينا بمعية جيوش بوش في هيئة حفلات وحشية لقطع الرؤوس. آن الأوان لكي نختار رئيسا يقطع زيارته الأوروبية حينما يسمع بانقلاب حافلة لنقل الركاب في أقصى قرية من قرى الوطن. آن الأوان لأن يكون لنا رئيس للوزراء يصاب بنوبة قلبية من فرط الخجل حينما يسمع من الفضائيات أن 400 طن من أخطر أنواع المتفجرات سرقت من قبل أشباح محلية أو دولية أو عرقية. آن الأوان لكي يكون لنا مجلس للوزراء يرتعد هلعا حينما ينهب بغير وجه حق دينار من قوت الشعب, آن الأوان لأن ننتخب مجلسا للشعب يعقد جلسة طارئة عند اختطاف أفقر مواطن. آن الأوان لأن لا يكون لدينا وزير دفاع ذو ضمير سخام "مسخّم" يمارس هواية تهديد العباد في الداخل والخارج بقطع الرؤوس والأيدي, ويضع مسؤولية إعدام 49 شابا من الحرس الوطني على عاتقهم وعاتق ذويهم, لأنهم ليسوا من طينته. آن الأوان لأن يكون لنا جيش وشرطة وطنية تحمي صدر الشعب وبيوته وشوارعه وثروته, ولا توضع كدروع بشرية مجانية لحماية ظهور المحتلين.آن الأوان لأن يعلم الشعب أسرار السيارات المفخخة والمناصب السياسية المفخخة. آن الأوان لكي نقيم مشروعا وطنيا للنضال من أجل الاستقلال, تخرج فيه الأم مدافعة عن مدرسة أبنائها بإقامة سد بشري في وجوه الدبابات المتجولة في الأزقة والأحياء السكنية, ويصنع فيه المثقفون طوقا بشريا يرغم قوات الاحتلال على مغادرة مدافن أجدادنا ومواقع آثارنا ومؤسساتنا الثقافية والروحية, ويقيم فيه العاملون سياجا مهنيا من أجل حماية الحقوق المنتهكة والثروات المنهوبة. آن الأوان لكي يفهم النهلستيون والنفعيون ميتو الضمير, وأنصار الانتظار السلبي, أن النضال السلمي أشق وأعقد من النضال العسكري, لأنه يتطلب تضحية سخية بالنفس والمال والعرق, ويتطلب أيضا قدرا عاليا من الدم النظيف. آن الأوان لأن نرى مثقفا يميز بين قصيدة الحرب الصدامية وقصائد سعدي يوسف, يميز بين كتاب في النقد الأدبي وعربة هامفي, بين دبابة برامز وملوية سامراء, وأخيرا يميز بين قبة الإمام علي وقبة البيت الأبيض.
سيقول البعض: إنها تصفية حساب أكيدة, وأنا أجيب: نعم, تصفية حساب مع سبق الإصرار والترصد.
تصفية حساب مع كل ما ومن يهدف الى استباحة الوطن أرضا وروحا وتاريخا وثقافة وخلقا.
تصفية حساب مع ثقافة العنف والكره والرثاثة الأخلاقية والسياسية.
تصفية حساب مع كل الحالمين بحروب قصيرة أوطويلة.
آن الأوان لأن يكون وطننا ملكا لنا, وتكون أعمارنا وحياتنا وثقافتنا ملكا لنا, ويكون يوم غد ملكا لأبنائنا.

# النهلستية فلسفيا تيارإنكاري, يقوم على مبدأ " لا شيء صحيح أو خطأ, ولكن كل شيء مباح", وإن التعبير ليس سوى اتجاه شخصي لتقييم الواقع, ولا شيء يمكنه ان يعطي وصفا للواقع الفعلي. وفي الجانب الأخلاقي ينكر النهلستي مشروعية التقييمات الاخلاقية ويؤمن ببطلان مبادئ (قوانين) الحياة. ظهر هذا التيار في روسيا في الثلث الأول من القرن التاسع عشر وقوي في منتصفه ابان شيوع النزعة الثورية عند المثقفين الروس, صورها الأدب في رواية تورجينيف( أباء أبناء)التي جعلت من النهلستية موضوعا لها من خلال بطل الرواية. وتستخدم النهلستية بمعنى العدمية أيضا. وهنا يكون النهلستي إنكاري يؤمن بأن كل التعابير هي مجرد مسميات لا تدل على واقع, فالاستقلال والسيادة والحق مثلا مجرد كلمات, وفي الجانب الأخلاقي تكون مفاهيم الخير والشر وحتى الفضيلة مجرد كلمات لا تخصع الى مبدأ. وحينما تتحد النهلستية الأخلاقية بالبراغماتية النفعية السياسية تشكلان منظومة عقلية وأخلاقية شديدة الخطورة. فمثلا يحق للفرد أن يكون عميلا للمخابرات الأميركية, ويمكن أن يعد بطلا ورئيسا معترفا به لحزب أو دولة, ولكن لا يحق للمرء أن يكون عميلا للمخابرات الايرانية, ففي هذه الحالة يغدو خائنا وجاسوسا, يحق للأميركي أن يحارب الاحتلال البريطاني ويكون بطلا وطنيا, ولكن لا يجوز قانونيا أن يحارب الفيتنامي أو العراقي الاحتلال الأميركي, يتوجب عليه أن يناضل سلميا وبخلاف ذلك يغدو إرهابيا, يمكن لاسرائيل أو أميركا أن تملك سلاحا نوويا, ولكن لا يجوز لكوريا الشمالية ذلك, لأن ذلك يهدد البشرية. يكمن قصف قبة الإمام علي, لأنها مجرد حجر يمكن أن يعاد بنائها, كما يقول محافظ النجف, فالإمام علي في نظره مجرد حجر حينما يضربه الأميركان, لكنه مقدس ومأوى للثوار حينما يضربه صدام (ما الفرق بين هذين العملين الاجراميين القذرين؟). يجوز قانونيا أن يقتل الأميركان مئة الف عراقي, لأن الجندي الأميركي يقتل وهو متوتر, ولكن لا يجوز لمن قتلت عائلته بأكملها أن يمارس العنف, لأن العنف أسلوب غير حضاري وممارسيه قتلة. فهنا تسود نظرية " لا شيء صحيح أو خطأ, ولكن كل شيء مباح", فالوطنية والاستقلال والتحرر والكرامة والنبل مجرد مفاهيم, نستخدمها كما نشاء حينما نريد. ويلاحظ هنا أن جوهر الموقف النفعي هو ان كل شيء مباح طالما هو مربح, وكل ماهو مربح قانوي وأخلاقي, بما فيها القضايا اللاأخلاقية. وفي المجال الأخلاقي يصل النهلستيون حدودا أخطر حينما يجيزون كل ما هو مربح, فهذا الأمر يفتح الباب واسعا باتجاه اعطاء مشروعية حقوقية وأخلاقية للرشوة والسرقة والاتجار بالمخدرات والتزوير وتشويه سمعة الخصوم وغيرها من الرذائل, وهو ما تحاول أن تشيعه الثقافة الأميركية الوافدة وأنصارها المحليين. ومن الملاحظ أن أغلب مروجي الفكر النهلستي هم من البعثيين السابقين "ذوي السوابق" أو ممن تحالفوا معهم, عربا وكردا, أو ممن عملوا طوعا ضمن أجهزة السلطة القمعية. ولذلك يعمد هؤلاء عن قصد وبتخطيط مدروس الى تلويث وتوسيخ كل شئ, لكي لا يبقى شيء يمكن أن يكون مثالا وطنيا نظيفا يعتز الشعب به,كما انهم يلجأون الى مسح الذاكرة الوطنية, لكي لا توجه أصابع الإدانه الى ماضيهم غير المشرف.

 
Saadi at the ARK.JPG
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث