السبت, 18 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 437 زائر على الخط
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك كاملا طباعة البريد الإلكترونى

قصــائدُ نـيـويـورك
سعدي يوسف 
2008              

كُتِبَتْ قصائدُ الديوانِ
بين الثاني عشر من تشرين ثان 2006
والأول من أيلول 2007
في لندن ونيويورك

أوّل الكلام

لو كنتُ سائقَ تاكسـي
واتّـخذتُ ، كما شاءتْ ليَ المهنةُ ، اســماً
صرتُ: روبَرْتــــو !
لا تَعْجَبوا !
الأمرُ أني في المطارِ
وأنني  الـمُضَيَّـعُ حتى جاءَ روبرتو ...
ألقى على الشمسِ سيلاً من شــتائمِــهِ
وجاءني بسلامٍ منهُ ...
أنت ترى أن الطريقَ طويلٌ
أن عاصفةً كانت ستأتي ...
ولكني أتيتُ !
دعِ الـمَلامةَ ...
الآنَ نمضي ، ولتكُنْ رجُلاً بين الرجالِ ،
فماذا سوف تكسبُ إنْ أقمتَ في الظلِّ ؟
شمسُ الظُّهرِ غادرةٌ حقاً  ...
ولكنكَ الـمَعْـنِـي ُّبالشظَفِ !

نيويورك  01.08.2007

--------------------------------

في واشنطن سكوَير

غاريبالدي  يُغْــمِدُ سيفَ الثوريّ ،
وثَمّتَ مصطبةٌ تتمدّدُ فيها طالبةٌ سوداءُ
وتَـعْـرَقُ تحت الشمسِ .
ورُقـعـةُ شطرنجٍ ذاتُ بيادقَ في حجمِ السنجابِ
يحيطُ بها بضعةُ أشياخٍ .
قالت سيدةٌ :
ما أجملَ كلبَ القحبةِ !
.......................
.......................
.......................
في 20.11.2008
سيُغادرُ مبنى البيتِ الأبيضِ
في واشنطنَ
كلبٌ .

نيويورك   02.08.2007

-----------------------------------------

مطعم الخنزير الأعمى

يقع " الخنزيرُ الأعمى " في الشارع 14
بين الآفِنيو الثاني ، والآفِنيو الثالث ...
ليس هناك مطاعمُ أو حاناتٌ كبرى في هذا الحيّ من نيويورك ...
إلاّ هذا " الخنزير الأعمى " !
قالت لي الساقيةُ الإيرلنديةُ ذاتُ الثوبِ الأســود ِ:
نحن هنا إيرلنديّون
إيرلنديّونَ أميركيون ،
أنا إيرلنديّةْ  ...
قلتُ لها : هل ستزورينَ بلادَكِ  هذي السنةَ ؟
ارتبكتْ كالغصنِ المقطوعِ الساقيةُ الإيرلنديةُ .
قالتْ : لم أفهمْ ما تعني ...
وأنا أيضاً لن أفهمَ حين تقولينَ :
ألستَ تزورُ بلادَكَ هذي السنةَ ؟
...................
...................
...................
" الخنزيرُ الأعمى " يوشكُ أن يكتظَّ ...
وساقيةُ البارِ الإيرلنديةُ تركضُ نائسةَ الـخُصُلات .

نيويورك 02.8.2007

-------------------------------------------

حديثٌ في اليونيون سِكْــوَير

لا ...
ليسَ بإمكانكِ بيعُ  حُــلِــيٍّ كاذبةٍ في اليونيون سكوَير !
- لكني لستُ أبيعُ حُلِـيّـاً كاذبةً ...
أنا أنسجُ أقراطاً وقلائدَ
من خيطٍ قُطنٍ !
- حتى هذا لا يُمْكِنُ ...
فالساحةُ ليست سوقَ حُـلِـيٍّ
إن الساحةَ لي ، ولأمثالي ...
مثلاً : هذا الهنديّ الأحمرُ
يعرضُ قمصاناً فيها الأسلافُ وقوفٌ وبنادقَهم ،
والأسلافُ يقولون :
وقفْنا ضدّ الإرهابِ جميعاً
منذ 1492 ...
هل أدركتِ المعنى في قمصانِ الهنديّ الأحمرِ ؟
- لا أدري ...
لكنّ لديّ حُـلِـيّاً للبيعِ .
أنا امرأةٌ تأكل خبزتَها بيدَيها ...
- إن أصررْتِ خسرتِ !
  الشرطيّ المتخفِّي في هيأةِ زنجـيٍّ ذي سبعِ ضفائرَ
 سوف يصيدُكِ
مثل السمكةْ !

نيويورك 03.8.2007
---------------------------------
 
2 طـبـيـعــةٌ

عند مكتبةِ الجامعةْ
يختفي الشجرُ الضخمُ تحتَ مياهٍ مجلجـلةٍ
ورياحٍ تصيحْ .
عند مكتبةِ الجامعةْ
كانت امرأةٌ تحتمي بالمظلةِ ، مسرعةً ،
ثم تسقط مثلَ جوادٍ جريحْ .
لم نكن نتمرّغُ في مُزْنةِ الصيفِ ...
بَرْقٌ بدا ، يصِلُ النجمَ بالأرضِ  .
والرعدُ يأتي ، كأنّ المدينةَ قد قُطِّعَتْ في شِعابِ الجبالِ
............................
............................
............................
تقولُ ليَ امرأتي :
آنَ للطيرِ أن يســتريحْ !

نيويورك 04.8.2007
----------------------------------
 
مســبح
Hamilton Fish Park

مبنىً قديمٌ للجماركِ
هكذا يبدو لأّولِ وهْلةٍ ،
لكنه ســرعانَ ما يجلو المياهَ خفيفةً
خضراءَ
زرقاءَ
المياهُ خفيفةٌ
يلهو بها الأطفالُ :
صينيّـينَ
سوداً
أو هنوداً من معابدِ مكسيكو
ومَتالِعِ البيرو
وقرطاجنّــةِ الأحراشِ ...
....................
....................
....................
كيف تقولُ : لستُ الآنَ في نيويوركَ ؟
أنت الآنَ في نيويورك .
أي أن المدينةَ هكذا كانت
وظلّتْ .
فاقترِبْ منها ...
ودَعْ بستانَكَ الورقيَّ يغرقُ في الميــاه !

نيويورك 04.8.2007
----------------------------
 
الحــيّ الصيــنـيّ

يأخذكَ الحيُّ الصينيُّ إلى الحيّ الإيطاليّ
( إلى ما يُدْعى إيطاليا الصغرى )
Little Italy 
إذّاكَ تحسُّ بأنّ عليكَ العودةَ نحو الـحيّ الصينيّ
كأنّ الإيطاليين اتفّقوا أن مطاعمهم هي عالَــمُـهم
أن الإنسانَ هو الحيوانَ الآكلَ
أن العالَمَ مجبولٌ من إثنينِ :
السارقِ
والمسروق ...
.................
.................
.................
سأعودُ إلى الـحيّ الصينيّ
لأرى لُعَبَ الأطفالِ
وأسماكَ الســوق !

نيويورك 05.8.2007
------------------------------
 
الطيَــرانُ الحربيُّ

قد تبدو كلُّ المُدُنِ ، الصبحَ ، جميلةْ
ذاتَ شوارعَ  لامعةٍ
ومتاجرَ لم تَفتَحْ أبوابَ مصائدِها ، بَعدُ
ومقاهٍ قد فُتِحَتْ للتوّ
وسيّاراتٍ ماثلةٍ ، كتماثيلَ من الـمعدِنِ في قاعةِ عَرضٍ ...
...............
...............
...............
قد تبدو كلُ الـمدنِ ، الصبحَ ، جميلةْ
حتى لَكأنَّ التاريخَ يغادرُها عند الفجرِ
لكي تأتينا
بيضاءَ
مُباغِــتَــةً
خارجةً من أسوارِ محارتِها
خارجةً عمّا اعتدنا أن نكتبهُ ...
...............
...............
...............
هل تبدو نيويورك كذلك ؟
قد تبدو ...
لكنّ هديرَ الطيَرانِ الحربيّ
يخطفُ لحظةَ غفْلتِنا
وبراءتِنا
ويقولُ مديداً : لـ - ا- ا -ا- ا- ا - لا !
 
نيويورك   05.8.2007
--------------------------------
 
الساحةُ في الصباحِ الباكر

محطّــةُ تحتِ الأرضيّ
في " اليونيون سِكْــوَير "
لم تَرسُمْ ، بَعدُ ،خطوطَ الصورةِ :
كان الركّابُ قليلينَ
وعشّاقُ الشطرنجِ بعيدينَ
وسوقُ الفلاّحينَ ، ستشهَدُ ، لكنْ بعدَ قليلٍ ،أُولى العرباتِ ...
الساحةُ تعرفُ أن مصاطبَها
تتحوّلُ ، في الفجرِ ، أسِــرّةَ نومٍ
كان زنوجُ الساحةِ يفترشــونَ غليظَ ملابسِــهِم
ووســادَ حقائبِهم
ويَغِـطّونَ عميقاً ...
.......................
.......................
.......................
في الشارعِ ، يشتدُّ ضجيجُ العرباتِ الشاحنةِ
الزنجيُّ الأعمى يفتحُ عيناً واحدةً
يُغْمضُها ...
يفتحُ عيناً ثانيةً
يُغمضُها ...
يفتحُ كلتا عينيهِ ...
*
الساحةُ سوفَ تكونُ الساحةْ !
 
نيويورك 06.8.2007
---------------------------------
 
بــوّابةُ جامعةِ نيويورك
 NYU Gate

بُـومَتــا حَـجَــرٍ  حـطَّـتا  فوقَ  بَــوّابةِ الجامعـةْ
بُـومَتانِ بِحجــمِ  طيورِ الجحيمِ
النحاسُ القديمُ
صَدِئٌ ،
والنباتُ الذي قُــدَّ من حَــجـرٍ حائلِ اللونِ
قد صارَ مثلَ الترابْ ...
ليس من أحدٍ عند بوّابةِ الجامعةْ ،
وطيورُ الحديقةِ غيرِ البعيدةِ
قد هجرتْ ، منذُ قرنٍ مضى ، مدخلَ الجامعةْ ...
( إنه البومُ ... )
كان الصباحُ يَعُــدُّ الثوانيَ ...
هل ينطقُ الطيرُ عندَ المســاء ؟

نيويورك 07.8.2007
-------------------------
 
صــباحٌ مختلـفٌ

كانت في السوق الصيفيّ ، بقايا من عاصفة الليلِ الـمـطَريّـةِ
ثَـمَّ نسيمٌ رطبٌ
وغصونٌ أعمقُ في خُـضرتِها
وفواكهُ تبدو قد قُطِفَـتْ قبل دقيقةْ ...
كم أهوى أن أجلسَ في مصطبتي
أكثرَ
أكثرَ
أكثرَ من ساعةْ !
لكنّ الشمسَ الصيفيةَ تقتربُ ،
وعَــلَــيَّ ، أنا الخاســرَ ،
أن أبحثَ عن  ظِـــلٍّ
أن أبحثَ عن شـــجرةْ .
......................
......................
......................
لَكأني في الصحراء !

نيويورك 08.8.2007
---------------------
 
أبوابُ هارلِــم

بالقطارات، عاويةً ، ومثلّــجةً ، ومجـلجِــلةً ، سوف نبلغُ  هارْلِــمْ .
بأغاني الجنوبِ البعيداتِ نبلغُ هارلِمْ
بالقِـنَّبِ المتضَوِّعِ أزرقَ نبْلُغُ هارلِمْ
بالكنائسِ حيث المسيحُ الفقيرُ سنبْلغُ هارلــمْ
أين ، يا بائعَ الماءِ ، هارلِـمْ ؟
*
كأني هبطت على كوكبٍ ليس فيه نيويورك !
الشوارعُ ، تلك العريضاتُ ، قد حفرتْها السنونُ العِجافُ
وغضَّنت القارَ مثل وجوهِ الذين انتهَوا خارجَ البار ...
كانت رطوبةُ صيفٍ من الـمِـسِـسِسبِّــي تَـلُفُّ الهواءَ على الماءِ .
ذاك القطارُ الذي قد أتينا بهِ لم يَـعُـدْ في المحطّــةِ ...
أســرى هنا ، نحنُ
والرجلُ الأبيضُ ،  الـجَهْمُ  ، قَــيَّـدَنا في السفينةِ
وارتاحَ في منزلِ الشــاطيءِ .
القارُ يلمعُ كالزيتِ
والـحُلْـمُ مِـلْح  ...
*
أين يمضي القطار ؟
أين تمضي القبورُ التي سكنتْ كلَّ دار ؟
أين تمضي الكنائسُ ، خمساً لكلِ امرىءٍ ؟
أين يمضي القطار ؟
*
لا رياح
السفينةُ لامست القاع َ.
نامَ الـمُـغَـنِّي
وغابت نجومُ الصباح .
*
قد كنتُ أحلمُ أن تكون محجّـتـي في هارلِـمَ  السوداءِ .
كنتُ أقولُ : حتى لو خُذِلْتُ ، وخابت الآمالُ والأفعـالُ ،
والرؤيا  ، فإنّ لديّ ، في القاعِ ، الأغاني والضّبابَ الأزرقَ.
الدنيا مُلَـوّنةً ، وذاكَ العازفَ الأعمى ، وأسرارَ البيانـو .
هل تُرى أخطأتُ ؟
عند مَدارجِ البابِ التقطتُ الصورةَ الأولى لِـهارلِــمَ :
جَـدّةٌ وصـبيّــةٌ تقتعدانِ درْجةً سُـلَّمٍ في المدخلِ .
نيويورك تنأى ...
ليس في هذا المكانِ سـواكِ ، يا أوراقَ تـمْـبِـكْـتو
البهيّةِ ...
يا مُعَــلَّــقةَ الســواد !
*
بالقطاراتِ
عاويةً
ومثلّـجةً
ومُـجَلجِـلــةً
سوف نتركُ للقيظِ والغيظِ
هـــارْلِــــم !

نيويورك  09.8.2007

شـــــطرنج

سُـــجناءٌ قدامى .
زنوجٌ بلا عملٍ منذ قرنٍ ونصفٍ .
أساتذةٌ هجروا  المقعدَ  الجامعيَّ المقدّسَ 
واستلموا  مقعداً في الرصيفِ .
نساءٌ تعبْنَ من المســرحيةِ :
من دَورِ آدمَ / حوّاءَ .
أحلاسُ ليلٍ أضاعوا الطريقَ إلى البيتِ .
..................
..................
..................
في كل ســاحةْ
رُقعــةٌ !
 
نيويورك  09.8.2007

 نهارُ جُـمُــعــةٍ ممطـــر

عيدٌ هذا اليوم لسياراتِ الأجرةِ ...
والناسُ يلوذون بأبوابٍ لم تُفتَحْ بَعـدُ
ومِظَــلاّتٍ ســودْ
( امرأةٌ واحدةٌ عبرتْ قربي الآنَ مظلّــتُها حمراءُ )
الأشجارُ تُـنَـوِّعُ خضرتَها
والأطفالُ يروحون إلى المدرسـةِ
نيويورك شــوارعُ تحت المطرِ الصيفيّ الدافيءِ
تنتظرُ ...
نيويورك بغيرِ أزقّــةْ !
نيويورك ، الجمعةَ ، تغتســـلُ .
الفتياتُ يفكِّرنَ :
العطلةُ قد بدأتْ منذُ الآن ...

نيويورك 10.8.2007

الفتى الأسـودُ يطيــرُ

فجأةً
قررتُ أن أدخلَ في " زاوية الجاز " ...
مساءٌ باهتٌ .
كان بريدي الإلكترونيّ يأتي باعتذاراتٍ
طوالَ اليومِ .
والقيظ !
كأني لم أزلْ في عدَنٍ ...
والمرأةُ / القطةُ قالت إنها تتركني الليلةَ
كي تأوي إلى مرســمِها في آخِرِ البلدةِ .
إني رجلٌ يكره أن يحيا وحيداً ،
هكذا
قررتُ أن أدخلَ في " زاوية الجازِ ".
...........................
...........................
..........................
هو المقهى
طويلٌ
متَراخٍ
كـمَـمَـرٍّ  في  قطارٍ  أســتراليٍّ .
وكانت صورٌ باهتةٌ لـمُغَــنّينَ زنوجٍ تملأُ الجدرانَ .
موسيقى من الريفِ أتتْ من آلةِ التسجيلِ .
لا جازَ ...
أيا ساقيةَ البارِ !
نعم ...
بعد قليلٍ .
دائـمـاً  في العاشــرةْ !
*
أُكمِلُ كأسَ " الديكِ الروميّ البـرّيّ "
The Wild Turkey
*
ضجّةٌ في البابِ ...
كانت فتياتٌ يتدافعنَ
ويضحكنَ
ويدفعْنَ فتىً أسودَ قد علّقَ قيثارتَه من ظَهرِهِ
حيثُ تدلّـى شَعرُهُ المضفورُ  في سَـبْـعٍ .
مضتْ ساقيةُ البارِ إلى البابِ :
ادخُلوا ...
ولْـنبدأ الآنَ !
الفتى الأسودُ ، ينضو ، الآنَ ، قيثارتَـهُ
والفتياتُ الضاحكاتُ اخترنَ أن يجلسنَ في آخِـرِ صفٍّ
من كراســي الحانةِ .
الريفُ الذي كان هنا في آلةِ التسجيلِ ... غابَ ...
اندفعتْ قيثارةٌ .
كان الفتى الأســودُ
في الليلِ الأميركيِّ
يطيــــــــر !

نيويورك 11.8.2007

مَــركز روكفــلَــر
The Rockefeller Center

ذهبٌ هو الشلاّلُ
والتمثالُ من ذهبٍ .
كؤوسُ المطعمِ الصيفيّ من ذهبٍ
وقائمةُ الطعامِ
وما تَـراكَــمَ في الصحونِ ...
ملابسُ العمّالِ من ذهبٍ .
ودانِــيــةُ الغصونِ
وما يدورُ على المصاطبِ من حديثِ  الناسِ
من ذهبٍ .
وفي الأعلى تلوحُ مسلّـةُ المبنى التي لم تَعفُها الأيامُ  من ذهبٍ .
وجوهُ الناسِ من ذهبٍ .
وأبوابُ المحطةِ والقطارِ  الـجَهْـمِ من ذهبٍ .
طريقُ المركزِ المرصوفُ من ذهبٍ .
وأشجارُ الطريقِ
وجنّـةُ الأزهارِ من ذهبٍ .
وجِــرْوُ البنتِ من ذهبٍ .
 
.............
..............
..............
 
لَـكَـمْ أضحَكــتَـني ، يا صاحبـي
في المطعمِ الصينيّ
حينَ بدَوتَ محتدماً
وأنت تقولُ :
قلبُ البنتِ من ذهبِ  !

نيويورك  13.8.2007

عُــبورُ جســرِ بْـروكْــلِنْ  
Crossing the Brooklyn Bridge
 

ســـعدي يوســف

آخرون سيرَونَ مراكبَ مانهاتِن شمالاً وغرباً
ومرتفعاتِ بروكلِن جنوباً وشــرقاً .
آخرون سيَرَون الـجُزُرَ  ، كبيرةً وصغيرةً .
وبعد خمسين عاماً من الآن ، آخرونَ سيرَونَها وهم يعبرون ،
الشمسَ بعد نصف ساعةٍ من مَطْــلـعِها.
وبعدَ مائة عامٍ ، بعد مئاتِ الأعوامِ ، آخرون سيرَونَها ، سيستمتعون بالغروبِ ، باندفاعةِ الـمَـدِّ .
بانحسـارِ الـجَـزْرِ .
أنا أيضاً عشتُ - بْروكْـلِـنْ ذاتُ التلالِ ، كانت لي .
أنا أيضاً  طوّفتُ في شوارعِ جزيرةِ مانهاتِن ،
واستحمَمْتُ في المياهِ المحيطةِ .
كنتُ مانهاتيّاً ، ودوداً ، وأبِـيّـاً !

والت ويتمان - عبور مُعَدِّيةِ بروكلِن

Others will see the shipping of Manhattan north and west, and the heights of Brooklyn
          to the south and east;
Others will see the islands large and small;
Fifty years hence, others will see them as they cross, the sun half an hour high;
A hundred years hence, or ever so many hundred years hence, others will see them,
Will enjoy the sunset, the pouring in of the flood-tide, the falling back to the sea of the
          ebb-tide .. . .
I too lived-Brooklyn, of ample hills, was mine;
I too walk’d the streets of Manhattan Island, and bathed in the waters around it. . . .
I was Manhattanese, friendly and proud! . . .
                           ~Walt Whitman, "Crossing Brooklyn Ferry"

لأَقُلْ إن وِيتمانَ قد عبَــرَ الجســرَ ...
مثلي
صباحاً ، وفي شــهرِ آبَ اللظى .
ولأقُلْ : كان يســهرُ في مانهاتِنْ ...
وهو الآنَ قد عبَرَ الجســرَ ، طَـلْقَ الـمُحَـيّا ، حثيثَ  الـخُــطـا .
فإلى أينَ يذهبُ ؟
أيّ الشوارعِ يختارُ ؟
أيّ الزوايا ؟
......................
......................
......................
أقولُ لهُ :
والْـتْ !
خيرٌ لنا ، بعد ليلٍ عجيبٍ هنالك ، أن  نتأنّى هنــا  ...
نتذوّقَ قهوتَنا في الرصيفِ
ونستقبلُ الناسَ بالبسمةِ .
الشارعُ اكتظَّ بالسالكينَ . الحديقةُ مفتوحةٌ . والمخازنُ .
والنهرُ يبدو من  الـبُـعـدِ أخضرَ  ...
فلْنســتَرِحْ في الرصيف !
*
الشمسُ تقتربُ منّــا . دعْــنا  نجلس  على هذه الكراسي  الـخُضرِ .
تحت المظلة الخـــضراء . لا تَـخَـفْ ! نحن  لا نزال في الرصيف ...
الكراسي والمظلة قدّمتْها بلديةُ بْروكْلِنْ لأمثالنا . هل أطلب لك قهوةً مـن
العربة ؟ صاحبُ العربة أســودُ  ، يُعِــدُّ قهوةً  لذيذة . كوبان اثنانِ
بدولارٍ ونصفٍ !
*
في شارع فُـلْـتُنْ كنتُ  أتمشّى أمسِ  . هل أقولُ لكَ :  إنني لم أكُنْ
في شارعٍ ؟ كنتُ في مستودعِ بضائعَ هائلٍ ، له عشراتُ الأبـــوابِ .
متاهةِ الأحذيةِ والملابسِ والـحُـلِيّ الكاذبةِ . لا أزهارَ هنا ، ولا صُحُف.
لا مشـربَ جُـعَـةٍ أو نبيذٍ . الماءُ في قناني البلاستيك . وأجـنحـةُ
البنكِ تُطْــبِقُ .
*
أنا وأنت في بروكلِن الآن . لكني أسكـنُ غيرَ بعيدٍ عن ســـوهو .
ســوهو التي أحببتَ . أتريدُ أن أحكي لك عنها ؟ عن آخر أخبارِها ؟
أنت لم تذهبْ إلى هناك منذ زمنٍ . منذ مائةِ عامٍ وأكثر ...
حسناً ، أيها الـمُـعَـلِّـمُ : لقد غادرَها الشعراءُ والفنانون . وهـي
تُصبحُ ، مثل شارع فُلْـتُنْ ،  معرضاً هائلاً للأحذية والملابسِ الغالية .
ومطـعماً إيطالياً تُمســي .
*
الحرب الأهلية انتهت ، يا والتْ وِيتمان . لكن الجنودَ السودَ الذين
قاتلوا في سبيل الحرية . وعبيدَ مزارع القطن العاطلين ، هؤلاء الذين
يسكنون هارلم ، وبروكلِن ، وبرونكس ، ومانهاتِن ...
هؤلاء الذينَ أحببتَهم ، وغنّيتَ لهم ، وغنَّــوا لك ، لا يزالون
ينامون في الحدائق العامة ، ويأكلون من القُــمامــة ...
*
أيها الغريبُ العابرُ ! أنت لا تدري كم حننتُ إلى رؤيتِك...
أنتَ ، إذاً ، مَن كنتُ أبحثُ عنه ، أو عنها ( لَكأني احلمُ ) ،
أكيداً أنني عشتُ حياةَ بهجةٍ معك ، في مكانٍ ما .
كلُّ هذا استُعِــيدَ ، ونحن مع بعضنا ، سـهلَـينِ ، حنونَينِ ، متعلِّقَينِ ، ناضجَينِ .
أنتَ ترعرعتَ معي . كنتَ فتىً أو فتاةً معي .
جسدُكَ لم يَعُدْ جسدَكَ وحدَكَ . وجسدي لم يَعُدْ جســدي وحدي .
أنتَ منحتَني بهجةَ عينيكَ ، وجهَكَ ، لحمَكَ ، ونحنُ نعبرُ .
وأنتَ آخذٌ بلحيتي ، وصدري ، ويدَيَّ ، بالمقابلِ .
أنا لا أتحدّثُ إليكَ . سوف أفكرُ بكَ حين أجلسُ وحيداً . أو أستيقظُ وحيداً في الليلِ .
عليَّ أن أنتظــرَ . سألقاكَ ثانيةً ، لا مَحالةَ .
سـأجهَـدُ حتى لا أضيِّعَكَ .

 
"  إلى غريب - والت ويتمان "
To A STRANGER

                                                                 Walt Whitman
Passing stranger! you do not know how longingly I look upon you,
You must be he I was seeking, or she I was seeking, (it comes to me as of a dream,)
I have somewhere surely lived a life of joy with you,
All is recall'd as we flit by each other, fluid, affectionate, chaste, matured,
You grew up with me, were a boy with me or a girl with me,
I ate with you and slept with you, your body has become not yours only nor left my body mine only,
You give me the pleasure of your eyes, face, flesh, as we pass, you take of my beard, breast, hands, in return,
I am not to speak to you, I am to think of you when I sit alone or wake at night alone,
I am to wait; I do not doubt I am to meet you again,
I am to see to it that I do not lose you.

*
الغريبُ الذي أنتَ  غـنّـيـتَـه
والغريبُ الذي لم تُـغَــنِّ ...
والغريبُ الذي ظلَّ أقربَ مني ...
هل أتاكَ ، هنا ، نبأٌ  منهُ  ، يا صاحبي والْتْ وِيتْمان ؟
هل أتاكَ جنودُ " أبو غْـرَيب "  ؟
هل حدّثوك ؟

*
مشهدٌ في المخيَّمِ . في مطلعِ الصباحِ . رمادياً ومعتماً . وأنا  أخرجُ من خيمتي
مبكراً ، وأرِقاً .
وبينما كنتُ أسيرُ ، بطيئاً ، في الهواءِ النقيّ الباردِ ،في الـمَـمَـرِّ  قربَ خيمةِ
المستشفى ، رأيتُ ثلاثةَ شُخوصٍ يتمدّدون على النقّـالات . لقد جيءَ بهم
إلى هناك ، وأُهمِـلوا . كلُ واحدٍ منهم ، مغطّى ببطّانيةٍ من الصوف الخشنِ الـمُربَدِّ .
بطّانيّةٍ ثقيلةٍ سوداءَ  ، منشورةٍ ، لتغطِّي تغطيةً كاملةً . توقّفتُ ، مستطلِـعاً ، ووقفتُ
صامتاً . ثم أزحتُ بأصابعَ خفيفةٍ ، الدثارَ ، عن الأولِ .
مَن أنت ، أيها الرجلُ المتقدمُ في السنِّ ، الكالِـحُ ، الأشيبُ؟ ذو اللحمِ المتهدِّلِ
حولَ العينينِ ؟ مَن تكونُ يا رفيقي العزيز ؟
ثم مضيتُ إلى الثاني : مَن تكونُ أنتَ ، يا طفلي وحبيبي ؟
مَن أنتَ ، أيها الفتى ، ذو الخدّينِ المتورِّدَينِ ؟
ثم إلى الثالثِ- وجهٌ ليس كوجهِ الطفلِ ، ليس كوجهِ الشيخِ . إنه لَوجهٌ هادئ ، في جمالِ العاجِ
الأبيضِ المصْــفَـرّ ِ.
أيها الشابُّ .
أظُنُّـني عرفتُكَ .
أظُنُّ وجهَكَ وجهَ المسيحِ ذاتِهِ .
ميْتاً ، ومقدّســاً ، وأخاً للجميع .
وإنه لَههُـنا ، مُســْجىً ثانيةً .

" والت ويتمان - مشهدٌ في المعسكر "

A Sight in Camp: Walt Whitman
 
A Sight in camp in the day-break grey and dim,  As from my tent I emerge so early, sleepless,  As slow I walk in the cool fresh air, the path near by the hospital  tent,  Three forms I see on stretchers lying, brought out there, untended  lying,  Over each the blanket spread, ample brownish woolen blanket,  Grey and heavy blanket, folding, covering all.  Curious, I halt, and silent stand;  Then with light fingers I from the face of the nearest, the first,  just lift the blanket:  Who are you, elderly man so gaunt and grim, with well-gray’s hair,  and flesh all sunken about the eyes? Who are you, my dear comrade?  Then to the second I step--And who are you, my child and darling? Who are you, sweet boy, with cheeks yet blooming?  Then to the third--a face nor child, nor old, very calm, as of  beautiful yellow-white ivory; Young man, I think I know you--I think this face of yours is the face  of the Christ himself; Dead and divine, and brother of all, and here again he lies.

*
أوَدِّعُكَ الآنَ ...
لا وقتَ عندكَ لي ، يا رفيقي
ولا وقتَ عندي لكَ ...
الساعةُ استحكمتْ .
والجنودُ الذين مَـهَــمَّـتُهُم قتلُ شعبيَ لن يسمعوا صوتَكَ .
العشبُ نَضْـــرٌ
رفيقيَ :
نَمْ هانئاً
واتَّـرِكْ لي مفازةَ  هذا الطـــريق !
 
نيويورك 16.8.2007

العاملُ العاطلُ عن العمل يستيقظ

بالطيورِ التي تُعلِنُ الشمسَ
يستقبلُ العاملُ الأسْــودُ النائمُ ، الصبحَ ...
كانت مَـمـاشي الحديقةِ ناعمةً بالندى
والغصونُ التي استيقظتْ تتشكّــلُ مثلَ الغصونِ
المصاطبُ مبثوثةٌ كالأرائكِ
والكلبُ يرفعُ قائمةً ...
ثَـمَّتَ الماءُ يَقْـطُـرُ من حنفيّــتِـهِ
والعصافيرُ تشربُ .
والعاملُ الأسودُ ، الآنَ ، يفتحُ عينيهِ
يفْرِكُ واحدةً
ثم يمضي إلى الحنفيّـةِ .
تفْزعُ فاختــةٌ .
يُخْرِجُ فرشاة أسنانِهِ   ،
يتمضمضُ ...
يملأُ راحتَــهُ . يشربُ الماءَ
ســروالُهُ الجِــينْـزُ  أسـْـودُ في زُرقةٍ .
كانت الشمسُ  تَبْـلُغُ مصطبةَ النومِ .
يختارُ أخرى
ويُغْمِضُ عينيهِ ثانيةً
وينام ...

نيويورك 17.8.2007

المتشــرِّدُ والسنجابُ

كان صباحُ السبتِ لذيذاً :
شمسٌ فاترةٌ
ونسيمٌ يحملُ ضَوعاً من عشبٍ
وأوائلَ برْدٍ .
كان  سياجُ حديقةِ " واشنطنْ سْـكْـوَير" نديّـاً .
....................
....................
....................
نفضَ المتشــردُ بطّـانيّـتَـهُ
وطواها .
أخرجَ قطعةَ خبزٍ من جيبِ السروالِ  الجِــيــنْــز
تلَفّتَ ،
ثم استأنى عند شُجيرةِ  ســرْوٍ .
هبطَ السنجابُ
دنا ،
حتى كاد يلامسُ كفَّ المتشــرِّدِ .
يلتقطُ السنجابُ فُتاتَ الخبزِ
ويرقصُ كالطيرِ ...
وكان المتشردُ ، مثل نبيٍّ ، يسترسلُ في لغةِ السنجاب !
 
نيويورك  18.8.2007

منــظرٌ مشــوَّشٌ

من غرفةِ نومِكَ
يبدو مبنى " الإمبايَر سْتَيت "
مختلفاً ...
كان ضبابٌ صيفيٌّ يمسـحُ ، بالفرشاةِ ، خطوطَ المبنى
و نتوءاتِ الذاكرةِ .
المطرُ الصيفيُّ ، غزيراً  كانَ ، الليلةَ ...
والنجمةُ حمراءُ
كما كانتْ أبداً ...
....................
....................
....................
في الصبحِ
سنجمعُ ما نملكُــهُ في صُـرّةِ  قُـطْــنٍ سـوداءَ
ونرحلُ في عرباتٍ من خشبٍ !

نيويورك 20.8.2007

أمــطارُ  آب

دخانٌ ، بلونِ السحابةِ
يصعدُ من سطحِ مبنىً جوارَ الكنيسةِ ،
والمطرُ اشــتـدَّ
حتى لَواذِ  العصافيرِ  تحتَ النوافذِ .
ثَـمَّ مبانٍ تلاشتْ ملامــحُـها
واستَكَـنَّـتْ إلى بعضِها :
قد تَــوَحَّــدَ مرأى الكنيسةِ والبنكِ ...
سوف تكون الشوارعُ موحلةً
تحت أمطارِ هارْلِــمَ .
أين ينامُ المـشَــرَّدُ ؟
.................
.................
.................
في الشارعِ
ارتَــدَّ ضوءُ المرورِ إلى الأحمرِ .
المطرُ السيلُ أغلَقَ هذا السبيـــل.
 
نيويورك  21.8.2007

لا  تَــقُــلْ

حينَ تجلسُ ، منفرداً ، في الحديقة
حينَ  تدنو من المرفأ
حينَ تشربُ ، عجلانَ ، كأسَ الـجُـعـةْ
حينَ تمضي إلى ساحةِ الســوقِ حيثُ الطيور
حينَ تسمع أغنيةً
ونوافيرَ  ماءٍ  تدور ...
حينَ تدنو من المتشردِ في مَوهنِ الليلِ
حينَ الـقُـمامةُ تعلو
وحينَ تضيقُ  الشوارعُ  ...
حينَ الـمُـغَـنّي ينامُ الظهيرةَ ،
حينَ  الأســـى ...
حين تأخذ سيارةَ الأجرةِ ، اليومَ ، نحو المطارِ البعيد ...
لا تَقُلْ في خفوتٍ : وداعاً !
لا تَقُلْ أيَّ شــيء
للبلادِ التي أورَثَـتْكَ الجنونَ
البلادِ التي هدمَتْ وطناً فوقَ رأسِكَ
واستأجرتْ زُمْـرةَ القتلِ
واقتلعتْ من حديقةِ بيتِكَ معنى الغصون ...
 
نيويورك  29.8.2007

اخر تحديث الخميس, 28 فبراير/شباط 2008 10:19
 
Sea rock.JPG
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث