الثلاثاء, 21 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 260 زائر على الخط
بورتريت لسعدي يوسف في السبعين رقة الشاعر التي لا تتحرر من الإفراط أبدا طباعة البريد الإلكترونى

في السبعين لا يتوقف عن حنينه النهم إلى المطلق، الحنين إلى الملموس، التوق إلى الحدود التي لا يغيب عنها النور، هذا الباحث عن أراضي الكلمات المجهولة، مكتشف المدينة في النهار حيث السابلة يهيمون في الأسواق، وحيث العمال يبحثون عن الخانات، والعاشقات يبحثن عن شقق نصف مفروشة، والرجال يبحثون عن العيون والثياب والشذا والنبيذ، أو عن خمس اسطوانات جاز لتمضية الوقت في الظهيرة، أو عن غصون الشجر التي تلامس النافذة، ومكتشف المدينة في الليل، حيث المسافرون يتيهون في المحطات البعيدة، ويقفون أمام رجال الجوازات أو أمام رجال الكمارك، أو يصلون إلى الفنادق القديمة في الضواحي التي تنأى، أو إلى المراكز التي تقترب، وهم لا يجدون قطاراتها التي غادرت،

أو أرصفتها التي ابتعدت، أو محطاتها حيث يقف الحراس وبأيديهم الفوانيس، أو يجلسون في قاعات الانتظار، خلف الزجاج، أمام النساء الجالسات في غرف دافئة تنبعث منها رائحة الخشب الرطب والشاي، أو يهيم في الليل بحثا عن شقة في الضواحي، أو عن ملهى صغير بأعلى العمارة، أو عن مكتب في ساحة السوق.
*
سعدي يوسف شاعر المدن بلياليها ونهاراتها، ببردها وحرها، بضواحيها ومراكزها، بعماراتها وبيوتها، شاعر الشمال الأفريقي الذي أدخل إلى الشعر العربي نكهة المغرب الكبير بضربة إحساس واحدة، أدخل إلى فضاءات إحساسنا ومشاعرنا وذائقتنا إكزوتيك المدينة المغربية المختلطة من بربر وعرب وفرنسيين، الشاعر الذي صور جياع المغرب العربي في عتمة الحانات، أو على ساحل المتوسط حيث المشارب والمطاعم والمقاهي والملاهي والمباغي، وحيث تسمع الأغاني العربية والفرنسية معا، الشاعر الذي صور الجزائر العاصمة وسيدي بلعباس والرباط والدار البيضاء بريشة من وبر الخيل، سعدي يوسف هو رسام عصر الاستقلال في الشمال الأفريقي الذي شغف به: المدن المشيدة على الطراز الكولنيالي، ثورات التحرير، الصحف الأجنبية في الأكشاك والعاشقات تحت المطر، هناك حيث تاه في مدن الشمال في سيدي بلعباس، في الرباط، في وجدة، في درنة، في بنغازي، في تيباز التي أحبها كامو، حيث اصفرار القمح في الحقول المطلة على البحر، أو حينما تاه وهو يبحث عن قطار الليل في برشلونة، أو وهو جالس في إحد مقاهي مالقا، أو حين ضاع وهو يبحث عن حانات توريه مولينوس، شاعر مدن المنافي التي تنأى بعيدا عن سمائه الأولى، مثلما هو شاعر البصرة التي ولد فيها في العام 1934، البصرة الميناء الجنوبي الكبير وهي تختلط بسيدي بلعباس في الجزائر التي نفي إليها في العام 1964، البصرة التي تقابل محيط البحر من جهة الخليج، تتشكل في شعره من خلال صوت البواخر الكبيرة على أرصفة التحميل، من خلال قوارب صيد السمك التي تعوم من جهة جزيرة السندباد، أو من خلال الفلاحين العرب في أبي الخصيب وهم يحملون سلال التمور، أو من خلال الزنوج الذين يبيعون الجبنة والبيض على الأرض، وفي مركز المدينة الحضري تبرز مقاهي الكورنيش، وسوق الهنود، وبارات الرصيف، وعلى المدى الممتد يهيم البحارة الأوربيون والباعة الهنود والآشوريون والزنوج في النهارات أو في الليالي المعتمة، البصرة في شعر سعدي يوسف هي الذاكرة البعيدة التي تنفتح مثل صندوق العجائب في ألف ليلة وليلة، لكن هذا الصندوق المغلق يفتح في سيدي بلعباس فيخرج مرة واحدة الشرطة والمعتقلات وأرصفة التحميل، وسوق الصاغة والأفاويه والبهارات والروائح الآسيوية والألوان الصاخبة وصدأ البواخر عند الضفة، مثلما ينفتح هذا الصندوق في بغداد فتخرج منه سيدي بلعباس حيث الفرنسيون يغادرون المدينة في السفن الأجنبية وهي تحملهم بعيدا إلى ما وراء الأفق، تنفتح عن النساء اللواتي يرتدين المعاطف المطرية ويدخلن إلى الحانات، تنفتح عن الجزائرية المفرنسة، مأدبة سالامبو، وهذا المزيج المختلط من أوربيين وعرب وبربر ومولدين ومستوطنين وسكان محليين. السجناء في المعقل وفي السلمان هم الثوار القادمون من البيوت الحجرية والذين يشربون النبيذ الأبيض في حانة الغرباء في وهران المطلة على الساحل، بغداد البعيدة هي الرباط القريبة المظللة بالأكشاك والأشجار، والرجل الذي يرتدي معطفا مطريا ويجلس بين الرصيف والرصافة هو ذاته الذي يرتدي قفاز القتل ويجلس في مشرب للمغاربة اللاجئين.
*
سعدي يوسف هو الشاعر الذي يبحث عن تفاصيل المدن وملامح المدن وحياة المدن وهمومها وانشغالاتها وأشكالها وعمرانها: شوارعها المعبدة وأرصفتها المظللة بالشجر، شقق عماراتها المطلة على البحر، مقاهيها المتقابلة والمطلة على الساحة، موقف السيارات، دكاكين الأسواق، حجر الواجهات، النوافذ، الشرفات، الزجاج، بوابات المحطات، أكشاك المطارات حيث يجلس ضباط الجوازات، خشب المصطبات في الحدائق، هو الشاعر الذي أثرى الشعر العربي بصورة المدينة العربية الحديثة المشيدة على الطراز الأوربي الحديث، أثرى الشعر العربي بمناخ جديد لم يألفه من قبل، أثراه بفضاءات مدنية جديدة أزاحت بشكل كامل معجم الشعر العربي ذي النبرة التجريدية والرمزية والعقلية، فقد استخدم سعدي يوسف في شعره جميع المفردات المعاصرة والمستخدمة في الحياة اليومية ليمنح القصيدة نكهة واقعية، ليمنحها صورة تسجيلية، أو لقطة حسية، وليجعل هذه الكلمات ذات طبيعة مادية وتصويرية.
 سعدي يوسف شاعر مادي، يصدر شعره عن نظرية مادية جدلية، العلاقات بين الأفكار تهيئها وتبرزها العلاقات بين الأشياء، الأحلام والمشاعر والانفعالات تتشكل عبر الوجود المادي للروائح والألوان والحاجات، صراع الطبقات، الثورات، التمايزات، العلاقات الجديدة في المدن يبرزها ويشكلها معجم كامل من المفردات التي تشير إلى حاجات مادية هي من خصائص الحياة الجديدة، أو من أثاث الحياة المعاصرة للمدينة العربية المشيدة وفق طراز كولنيالي: من الغرامفون الذي يصدح في الغرفة،  من الملابس الموضوعة في الخزانة، من الرسائل في البريد، من الباصات في الساحة، من الصحف على الرصيف، من المصارف التي تفتح أبوابها في الصباح، من القطارات التي تهدر تحت الغيوم الخفيضة، من الحانة في المنعطف المنكفئة تحت رذاذ المطر، من العشاء المتكون من السمك والبطاطا.
*
سعدي يوسف هو الشاعر الذي يلتقط كل شيء بعينيه الجريئتين والباحثتين عن الصورة الغريبة غير المألوفة والتي تحيط بنا على الدوام، كما أنه أول من وصف صورة المهمشين والمبعدين والمقصيين في شعره: الجنود في المحطات، البغايا في البارات، العمال في المقاهي، الفقراء في الضواحي، باعة المفرق في السوق، عمال المطابع في المقاهي، الجيكولو العجوز على الملاءات الصوف، اللصوص في الموقف، باعة أوراق اليانصيب والدانتيل اليدوي، أرامل الحرب الأهلية في الطابور، وفي كل دواوينه تقريبا: القرصان 1952، أغنيات ليست للآخرين 1955، 51 قصيدة 1959، النجم والرماد 1960، قصائد مرئية 1965، بعيدا عن السماء الأولى 1970، نهايات الشمال الأفريقي 1972، الأخضر بن يوسف ومشاغله 1972، تحت جدارية فائق حسن 1974، الليالي كلها 1976، الساعة الأخيرة 1977، كيف كتب الأخضر بن يوسف قصيدته الجديدة 1977، قصائد أقل صمتا 1979، من يعرف الوردة 1981، يوميات الجنوب يوميات الجنون 1981، مريم تأتي 1983، الينبوع 1983، خذ وردة الثلج خذ القيروانية 1987، محاولات 1990، قصائد باريس شجر إيثاكا 1992، جنة المنسيات 1993، الوحيد يستيقظ 1993، إيروتيكا 1994، كل حانات العالم 1995، حانة القرد المفكر 1997، قصائد العاصمة القديمة 2001، حياة صريحة 2001، نشم رائحة اليوكالبتوس، والرطوبة المالحة، والخبز الساخن، والعرق المغشوش، ورائحة الأرض بعد المطر، ورائحة الملابس العتيقة، البخار المتصاعد من فنجان القهوة بالهيل، وشذا الشاي والنعناع، ودخان التبغ الذي يتصاعد من الغلايين.
*
سعدي يوسف مثل الرسام الانطباعي حيث المعنى لا يتحدد في اللون إنما وراء اللون، لا يكتمل بالخط إنما بما وراء الخط، الصورة مرسومة ودقيقة لكنها إيحائية أكثر مما هي تصريحية، تضمينية أكثر مما هي تعيينية، المعنى يكتمل في إيحاء المعنى، وفي ظلاله، والصورة تتسع أكثر من حجم الكلمات التي ترسمها أو تصفها أو تعينها، الصورة تجعلنا نتخيل ونحلم ونتصور دون أن يذكر ذلك، قلة من الكلمات تخلق الفضاء وتصور الحالة. تقشف مرهق في الكلمات يصنع طوفانا سخيا من المشاعر والأحاسيس والخيالات، نحن نتصور ونتخيل أشياء بعيدة وغير مذكورة تماما، نحن ندخل في فضاءات ومناخات عديدة ومتنوعة لا أثر لها في الكلمات لكنها موجودة وراء الكلمات، نحن نرى دون أن نقرأ، ونتخيل دون وجود ما يدل على الموجود، ولكن هنالك ما يوحي به ويدل عليه.
 حين تنهي قصيدة سعدي يوسف تتخيل أشياء غير موجودة في قصيدته، أنت تتخيلها وتحلمها، بل أنت تلمسها وتشمها وتراها وهي من وحي شعره، أو بالأحرى من بارا-شعره، من رؤية تتسع كثيرا بالرغم من ضيق العبارة.
*
سعدي يوسف هو الشاعر الذي أدخل السرد المتقطع إلى الشعر، كما أنه الشاعر الذي شعرن السرد، هو الباحث عن الحكاية الصغيرة في الحياة اليومية، هو العارض لتفاصيل الحياة وسط الرؤية الرمزية والتعبيرية، فالحبكات الصغيرة تدور على نفسها، تتحرك تتصاعد تتوهج حتى تختفي وتتلاشى، سعدي يوسف يقذف بالحكاية الصغيرة عند اختفاء الصوت، ويخفي الحكاية عند ارتفاع الصوت وعلوه، حيث تتحول العلاقات بين الجمل فجأة من علاقات نوعية إلى علاقات سببية، ويتم التركيز فيها حول التشاكل الصوتي، حول الترميزات الصوتية، أو القيمة التعبيرية للصوت، واستخدام التكرار الصوتي والدلالي، والترديد المنفصل والمتصل في الصوت وفي المعنى، والكلمات المتطابقة والمتقاربة في الأصوات، وتأخذ الحكاية وقتا دوريا متثاقلا، تتسارع وتتباطأ، تتحول من شكل إلى شكل آخر، وسعدي يوسف يقتحم السلم مع أوكتافيا يراقبها وهي تثب السلم حتى باب الشقة، يراقبها وهي تقذف نحو الكرسي حقيبتها، سعدي يوسف يعرض تأريخها فأوكتافيا لها ماض أيضا، فهي تملك مقهى بلجيكيا فنعرف لماذا يتقدم منها صديقها الذي له تبعات، وبعد أن تأتي راقصة عبر البحر تأكل صاحب الصوت متلذذة، وتنام عميقا ثم تتركه في ثاني أيام الأسبوع...
حكايات وأساطير وقصص من باريس إلى لندن، من عدن إلى الدار البيضاء، من سيدي بلعباس إلى البصرة، من بغداد إلى دمشق..نساء ورجال، شرطة ومعتقلون، سياسيون وفقراء، صحفيون وضباط، عمال ورأسماليون، بغايا وندل، رياضيون ولصوص، طلاب وغرباء، مهاجرون وحراس، موظفون ومسافرون..عالم ينبض ويتحرك على الورق، عالم يتحرك يبتعد في التاريخ ويندفع نحو المستقبل، عالم يتكون ويتشكل أمام أعيننا ثم يتهاوى ويتهدم.
*
هذا هو سعدي يوسف...محترف الشعر العظيم، مالك المخططات الكبير، هذا الباحث عن سعادة النهار وسط صخب العالم وفوضاه، راسم العالم بخطوط سود عميقة، هذا الملهم العظيم للشعر العربي المعاصر، الرومانطيقي ذو الحنين المتوسطي والذائقة الأفريقية، سعدي يوسف شاعر الملموس بكلام مفخم، هذا الشغوف العنيد في كتابته والمرتاب في معانيه، لاصق الإعلانات الشهير، الهجاء والساخر الذي له وجه آخر، هذا الشاعر العاصف المدافع ببطولة يائسة عن عالم طاهر، هذا الكاشف عن الدنس والأقذار الفاحشة والعنف في العالم، الشاعر الضائع بأبخرة الخيال وضبابه الذي لا ينتهي، صاحب الصرخة المقلقة على الدوام، صاحب الحساسية الوحشية المدهشة، كبرياؤه لا يتفتح إلا في الانفجارات المجنونة، ورقته لا تتحرر من الإفراط أبدا.

 
alaan-b.jpg
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث