الجمعة, 10 يوليوز/تموز 2020
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
ديوانُ السُّونَيت
أوراقي في الـمَـهَـبّ
ديوان البنْد
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
Spain
المتواجدون الان
يوجد حالياً 204 زائر على الخط
العودة إلى جورج أوروَيلْ ، بعد عَشـرٍ طباعة البريد الإلكترونى

ترجمة : سعدي يوسف

أنا أعتبرُ جورج أورويل ( 1903- 1950 ) صديقاً ، أعودُ إليه بين وقت وآخر ، قارئاً أو مترجِماً ، أو متلذذاً بسيرةٍ ليست كباقي السِيَر .

لقد مرّتْ سنواتٌ عشرٌ على ترجمتي كتابه

Down and Out in Paris and London

تحت عنوان :

متشرداً في باريس ولندن

وأنا الآن أخططُ لنقل كتابه :

Homage to Catalonia

إلى لغتي العربية

*

من المؤسف القولُ إن أورويل ، قبلي ، دخلَ إلى اللغة العربية ، باعتباره من كُتّاب الحرب الباردة ، عبرَ كتابَيه ،

"مزرعة الحيوان " ، و " 1984  " ، لكن الرجل لم يكن هكذا . لقد استُخدِمَ ، ببراعةٍ ، وقد أسهمَ مَن نقلَه إلى العربية في هذا الاستخدام مدفوعِ الأجر.

اخترتُ  " كاتالونيا ، يا لَلذكرى "   لأسبابٍ ، أوّلُها  أن كاتالونيا اليومَ حاضرةٌ  في الواجهة السياسية شأنَها على مَرّ التاريخ الحديث لشِبْه القارة الإيبرية ،  وثانيها  لأن العمل يقدّمُ أورويل مناضلاً بالسلاح من أجل اليسار ، حتى لقد جُرِحَ جرحاً بليغاً ، كاد يُفقِدُه حياته ،  على الجبهة ، ضد انقلابيي فرانكو والفاشية الأوربية الصاعدة في ألمانيا وإيطاليا . وثمّتَ سببٌ ثالثٌ ، فلقد ألِفْتُ السفرَ إلى برشلونة  ، حاضرة كاتالونيا ، " خُلِقتُ ألوفاً "  هكذا قال سيّدي المتنبي ، كتالونيا حيث بيكاسو وخوان ميرو  ، و "ساحة جورج أورويل "  ،  وراياتُ كولمبوس التي أتتنا بالعالَم الجديد ، كما أن رحلة عودتي إلى بغداد أوائلَ السبعينيات ، بدأت  في سفينةٍ  أبحرتْ من  برشلونة .

*

من الفصل الأوّل :

 

في ثُكنات لينين ، ببرشلونة ، قبل أن ألتحق بالميليشيا ، رأيتُ إيطاليّاً من الميليشيا ، يقفُ أمام  طاولة الضابط .

كان يبدو  شابّاً شديداً   ،  في الخامسة والعشرين أو السادسة والعشرين ، كان ذا شَعرٍ  أحمرَ مُصفَرّاً ،  وكتِفَين قويّتين.

كانت قلنسوتُه الجِلدُ تحجبُ ، تماماً ،  إحدى عينيه . كان يقفُ وقفةً جانبيّةً إزائي ، حِنْكُهُ على صدره ،  وهو ينظرُ مندهشاً إلى خريطةٍ وضعَها أحد الضبّاط على الطاولة . شيءٌ ما في وجهه أثارَني عميقاً . إنه وجهُ امريءٍ مستعدٍ للقتل أو تقديمِ حياته لصديقٍ -  وجهٌ تتوقّعُه من فوضويّ ، لكنّ الشابّ كان شيوعيّاً . في وجهه جلالٌ وشِدّةٌ ، وكذلك ورَعٌ عاطفيٌّ  ممّا يحمله الأمّيّون إزاء مَن هم أعلى منهم منزلةً . واضحٌ أنه لا يعرف كيف يقرأ الخريطة . واضحٌ أيضاً أنه كان  يعتبرُ قراءةَ الخريطة  عملاً متثاقفاً  غبيّاً . لا أدري لأيّ سببٍ ، شعرتُ بودٍّ إزاء الشابّ ، كما لم يحدُثْ لي من قبلُ  ، مع أحدٍ . وبينما كانوا يتحدّثون حول الطاولة ،  أعادتْني ملحوظةٌ إلى أنني كنتُ أجنبيّاً .

رفع الإيطاليُّ رأسه ، وسألني  مسرعاً :

إيطاليٌّ ؟

أجبتُه بإسبانيّتي الرديئة :

No , Ingles .Y tu ?

لا . إنجليزيّ ، وأنتَ ؟

Italiano

إيطالي.

 

حين غادرْنا الغرفة خارجَينِ ،  خطا  عبرَ الغرفة ، واعتصَرَ يدي بشِدّة . كم كان غريباً وعجيباً شعوري إزاءَ شــــــخصٍ غـــــريبٍ ! لَكأنّ روحه وروحي أفلحَتا ، بَغتةً ،  في ردمِ هُوّة  اللغة والعادات ،  والتقَتا لقاءً حميماً . آمُلُ في أنه  أحبّني مثل ما أحببتُه . لكني أعرفُ أيضاً  أنّ عليّ ألاّ أراه ، ثانيةً ، بُغْيةَ  الحِفاظِ على الأنطباع الأوّل. وغنيٌّ عن القول إنني لم أرَه ثانيةً . في إسبانيا  ، تحْدُثُ لقاءاتٌ  كهذا اللقاء ، دوماً .

اشرتُ إلى هذا الميليشياوي الإيطالي ، لأنه ظلّ في ذاكرتي . كان ببدلته المهترئة ، وملامحه القاسية ،  يمثِّلُ لديّ الجوّ الخاصّ بتلك الفترة . إنه ماثلٌ في  كل ذكرياتي عن تلك الفترة من الحرب ـــــــــــ  الرايات الحُمر في برشلونة ،  القطارات الجهمة الملأى بجنودٍ مهلهَلين ، وهي تزحف نحو الجبهة ، البلدات التي أنهكتْها الحرب ،  قربَ الخطّ ، الخنادق الموحلة ، الباردة ، في الجبال ، برودةَ الثلج .

كان ذلك في تشرين ثاني 1936 ، أقلّ بسبعة شهورٍ ، ممّا أكتبُ الآن ، ومع ذلك  بدتْ لي الفترةُ بعيدةً جداً .  الأحداثُ التي تلتْ محتْها محواً  أشدّ  ممّا فعلتْ بأحداث 1935 ،  أو 1905  ، بسببٍ من ذلك .

جئتُ إلى إسبانيا كي أكتبَ مقالاتٍ صحافيّةً  ، لكني التحقتُ بالميليشيا ،  مباشرةً تقريباً ،  لأنني وجدتُ أن هذا ما عليّ أن أفعله آنَها . كان الفوضويّون ما يزالون يسيطرون على كاتالونيا ، سيطرةً فِعليّةً ، وكانت الثورة في أوجِها . ولكل مَن كان هناك منذ البداية ،  وحتى في ديسمبر ويناير ، بدا أن المدّ الثوري شرَعَ ينحسرُ . لكن القادم من إنجلترا ، مباشَرةً ، سوف يرى في برشلونة ،   مشهداً  أخّاذاً . للمرة الأولى في حياتي  كنتُ  في بلدةٍ  تحكمُها الطبقةُ العاملةُ .

عمليّاً ، كانت البنايات كلُّها ، ومن أيّ حجم ،  تحت سيطرة العمّال ،  وفوقَها تتخافقُ  الراياتُ الحُمرُ ،  أو  الحمراء  السوداء للفوضويّين  ، كلُّ جدارٍ  خُطَّتْ عليه المطرقةُ والمنجلُ ، والحروفُ الأولى للأحزاب الثورية  ، وتكاد كل كنيسة تعرّضتْ للنهب ،  وتعرّضتْ صورُها  للحرق. الكنائس هنا وهناك ، هدَمَتْها  مجموعاتٌ من العمّال بصورة منتظمة.

كل دكّان أو مقهى خُطَّ  عليه  أنه صار ملْكَ الجميع . حتى صبّاغو الأحذية حملتْ صناديقُهم اللونين  الأحمر والأسود.

سُقاةُ المقاهي و سُعاةُ المخازن يتطلّعون إلى وجهك ، ويتعاملون معك أكْفاءً  . التعابيرُ الشكلية في الحديث جرى التخلّي عنها . لم يَعُدْ أحدٌ يقول  : سنيور ، أو دُونْ .  الواحد يخاطب الآخر  بالرفيق ، ويقول : تحيّتي ،  لا صباح الخير

Buenos dias

وكانت تجربتي الأولى محاضرة تلقّيتُها من مدير فندق لأنني حاولتُ أن أقدِّمَ مالاً لعامل المصعد الفتى .

ليس من سيّارات خاصة ، فقد تمّتْ مصادرتُها جيعاً . عربات الترام وسيارات الأجرة ووسائط النقل الأخرى صُبِغَت باللونَين الأحمر والأسوَد . المُلصَقات الثورية في كل مكان ، تتّقِدُ على الجدران  بالأزرق والأحمر ، حتى لَتبدو الإعلانات الأخرى كابيةً مثل لُطخات من الوحل. . وفي الرامبلاس ، الشريان الحيوي للمدينة ،  حيث حشود الناس تمشي  ، جِيئةً وذهاباً ، كانت مكبراتُ الصوت تزعق بالأناشيد والأغاني الثورية ، ليلَ نهار. مشهدُ الناس كان الأغربَ . في المظهر الخارجي ، يبدو أن الطبقات الثرية اختفتْ تماماً ، وباستثناء عدد قليل من النسوة والأجانب ،  لم يَعُدْ هناك أناسٌ

" يتحلَّون بالأناقة " .  عمليّاً ، كان الجميع يرتدون ملابس الطبقة العاملة الخشنة  ، او البدلات الزُّرق أو بِزّات الميليشيات على أنواعها . كل ذلك كان غريباً ومُثيراً . كان في ذلك الكثيرُ ممّا لا أفهم ،  بل ممّا لا أودُّ ، لكنني رأيتُ في ذلك ،  وعلى الفور ،  وا قعاً راهناً عليّ أن أقاتلَ من أجله .  كما أنني اعتقدتُ أن الأمورَ هي كما تبدو عليه ، وأن هذه

بالفعل ، دولةٌ للعمّال ، وأن الطبقة البورجوازية كلّها ، هربت  أو قُتِلَتْ ، أو انتقلتْ ، طائعةً ،  إلى جـــــــــانب الطبقة العاملة . لم أدركْ أن عدداً كبيراً من البورجوازيّين كانوا يتمسكنون ،  ويلبسون لبوسَ البروليتاريا ،  في الراهن من الزمن.

اخر تحديث الإثنين, 20 يناير/كانون ثان 2020 08:03
 
damabada_N.jpg
فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث