السبت, 24 غشت/آب 2019
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
ديوانُ السُّونَيت
أوراقي في الـمَـهَـبّ
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
Spain
المتواجدون الان
يوجد حالياً 172 زائر على الخط
ماركس ، إنجلز ، والفلاّحون طباعة البريد الإلكترونى

" حاشية من كتاب ( الثورة البلشفيّة ) "

إي.ه .كارّ

E.H.Carr

ترجمة سعدي يوسف

كان موقف ماركس والماركسيّين من طبقة الفلاّحين موضع خِلافٍ وسوءِ فَهمٍ .

لُبُّ الماركسية كان تحليل الإنتقال من الرأسمالية إلى الإشتراكية. الرأسمالية هي صنيعُ البورجوازيةِ ، الطبقةِ الحاكمةِ في المجتمع الرأسماليّ ؛  الثورة الإشتراكية التي هي في المقام الأول من عمل البروليتاريا ، ستأتي بمجتمع المستقبل الذي ستندمج فيه الطبقاتُ كلُّها ، لتختفي في النهاية .

من الناحية الأخرى ، نرى أن الفلاحين ، كطبقة ، كانوا شكلاً اجتماعياً للنظام الإقطاعي ، لا ينتمي إلى عالم الرأسمالية البورجوازية ، ولا إلى عالم الإشتراكية البروليتارية. ماركس في المجلد الأول من " رأس المال " ، وفي تحليله للنظام الرأسمالي ، مستخدِماً أنموذجاً مطْلَقاً ، لا صورةَ أيّ مجتمعٍ قائمٍ ، لم يجد مكاناً  فيه للفلاّح أو للحِرْفيّ الصغير ؛ هذانِ لم يكونا  شكلَين نمطيّينِ ، للرأسمالية ، بل هما بقايا عابرة لنظام اجتماعي مندثر.

جزءٌ جوهريٌّ من هذا الرأي كان أن طبقة الفلاحين ، التي تحملُ ندوبَ أصلها الإقطاعي ، كانت عنصراً متخلِّفاً في المجتمع المعاصر -  متخلِّفاً ليس فقط إزاء البورجوازية الرأسمالية ، بل حتى إزاء البروليتاريا . وبالتالي

فإن البورجوازية الرأسمالية متقدمةٌ أكثر ، بينما الفلاحون ، كطبقة ، كـــــــــانوا يتفسّخون . في " البيان الشيوعي " ،  حين كان ماركس في تفكيره الرئيس مهتمّاً بشروط أوربا الغربية ، رأى أن الفلاّحين ، كطبقة ، ليس لهم مستقبلٌ ، مثل الفئات الأخرى من البرجوازية الصغيرة ( جمعَهم في " الصانع الصغير ،  صاحب الدكّان ،  الحِرفي ،  والفلاّح" ) ، وسوف يختفون في التيّار المتقدم للبورجوازية واسعة النطاق . وفي الوقت نفسه رأى أن كل تلك الجماعات كانت محافظةً ، بل رجعية ، تحاول أن " تعيد عجلة التاريخ إلى الوراء " .

وإنْ حدثَ ، مصادَفةً ،  أن صارت ثوريةً ، فبسببٍ من تحوُّلها اللاحق إلى بروليتاريا . هكذا هم يدافعون ليس عن  مصالحهم  الراهنة في الحاضر، فقط ،  لكنْ عن مصالحهم في المستقبل أيضاً . إنهم يتخلّونَ عن موقعهم ليضعوا أنفسهم في موقع البروليتاريا.

كان  فلوكون حذّرَ إنجلز من أن أحد عشر مليوناً من المزارعين الفرنسيّين الصغار كانوا " ملاّكينَ متشدِّدينّ"

وأعداءَ ألِدّاء لكل شيء تفوح منه رائحةُ الشيوعية " . ويبدو أن القول  بالطابع المحافظ والرجعي لطبقة الفلاحين قولٌ تأكّدتْ صحتُه ،  في كل أرجاء أوربا الغربية ، وفي فرنسا بالذات ، مع تجربة 1848 ، حين ظلَّ  الفلاحون إمّا مراقِبين سلبيّين للثورة ، أو أعواناً للسلطات في سحق ثورة البروليتاريا " .

في أوربا الشرقية ( ألمانيا تحتل موقعاً وسطاً بين الشرق والغرب ) كان الفلاّحون في مرحلة من المسيرة التاريخية أقلّ تقدُّماً . حتى 1848 ظلّ الإقطاعُ  سليماً  أو يكاد . والثورة البرجوازية التي سوف تكتسح آخر قلاع الإقطاع ، ما زالت في رحِم المستقبل . هذه الثورة ليس لها من أملٍ إنْ كان العبءُ فيها على كاهل البورجوازية والبروليتاريا ، اللتَين تكونان  أضعفَ وأقلَّ عديداً كلما اتجهنا إلى الشرق ؛ ولن يكون ثمّت أملٌ في نجاحها إلاّ إذا كانت ثورةً زراعيةً أيضاً ، ومدعومةً من الفلاّحين . في  البيان الشيوعي كانت رؤية ماركس مركّزةً ، بصورةٍ رئيسةٍ ، على أوربا الغربية ، لكنه في القسم القصير الأخير المكرّس لعلاقات الشيوعيّين " مع مختلَف جماعات المعارَضة " ،  عُرِضَ مسانَدة الشيوعيّين ، لــ " إصلاحيّي الزراعة "  في الولايات المتحدة الأميركية ، وللحزب البولندي الذي " أصَرَّ على أن الثورة الزراعية هي الشرط الأول للتحرر الوطنيّ " . وبعد أشهرٍ قليلة ،  أعلنَ ماركس هذا المبدأَ ، بوضوحٍ أكثر :

" بإمكان البلدان الزراعية  بين بحر البلطيق والبحر الأسود ، أن تُجَنِّبَ نفسَها بربريةَ النظام الإقطاعي الأبوي ، فقط عن طريق ثورة زراعية تحوِّلُ الأقنان وفلاّحي اللزْمة إلى مالكينَ أحرارٍ -  ثورةٍ مماثِلةٍ تماماً لتلك التي حدثتْ في 1789 في الريف الفرنسي " .

وهكذا  ، حين تكون البورجوازية والبروليتاريا ، منفصلتَين أو مجتمعتَين ،  أضعفَ من إنجاز الثورة البورجوازية ، وإطاحةِ الإقطاع ، فإن للشيوعيّين ، الحقّ  في مساندة الأحزاب الفلاّحية للقيام  بالثورة باسم المِلْكية الفلاحية الفردية ،  حتى لو ظلَّ هذا ، في ظاهرهِ ، " شكلاً زراعيّاً يبدو معارِضاً لأي نوع من الشيوعية ".

ومن المنطقي تماماً ،  التمييز بين السياسات المتّبَعة ، في بلدان الثورة الزراعية الظافرة ، وتلك التي لم تتحقّقْ فيها هذه الثورة .

لكنْ لا يخلو من الضِيْق أن تقَدّمَ ، إلى فلاّحي أوربا الشرقية ، امتيازات حيازة الأرض ، التي من أجلها وُصِفَ فلاّحو أوربا الغربية بــ " البرابرة "  لآنهم أرادوا الدفاع عنها .

على هذه  الأرضيّة الوعرة ، بدأتْ ، أوّلاً ، فكرةُ تحالُفٍ ثوريٍّ بين البروليتاريا والفلاحين . في 1850  اختتمَ إنجلز مقالةً طويلةً عن حرب الفلاحين الألمانية في 1525 ،  بتماثُلاتٍ  صريحةٍ أو ضِمْنيّة ، مع وصف مصير البورجوازية الصغيرة الألمانية في 1848 :

" غالبية الأُمّة – البورجوازية الصغيرة ، الحرفيّون والفلاّحون -  خُذِلوا من حليفهم الطبيعي ، البورجوازية ، باعتبار أنهم كانوا أكثر ثوريّةً . وفي أماكنَ خذلتهم البروليتاريا ، التي لم تكن متقدمةً بما يكفي ، وممزَّقةً إلى حدّ التلاشي ، فلم تعُدْ قادرةً على معارضةَ جارَيها  اللذَين على اليمين أو على اليسار.

هذه الفِقْرة ترى ، بوضوح ، أن الفلاّحين الذين خذلتْهم البورجوازية ، سوف يتقدّمون نحو تحالُف مع البروليتاريا: كما تتضمّن الفقرةُ نواةَ الفكرة القائلة  بانقسامِ لاحقٍ بين  الفلاحين المتمسِّكين بالتحالف مع البورجوازية ،  وأولئك الذين سينضمّون إلى البروليتاريا . لم يتخلَّ ماركس وإنجلز ، البتّةَ ، عن اعتقادهما بأن التنظيم الواسع للإنتاج ،  في الزراعة ، كما في الصناعة ، شرطٌ  جوهريٌّ للإشتراكية ،  وبالتالي فبإمكان الفلاحين أن يكونوا حـــــلفاء البروليتاريا في الثورة الإشتراكية ،  إذا فطموا أنفسهم من  إيمانهم بالملْكية الفلاحية . في ألمانيا ، لم تحلّ هذه المرحلة بعدُ . هناك رسالة من ماركس إلى إنجلز في 1856 وردَ فيها مقطعٌ كثُرَ الإستشهاد به ، يقول ماركس فيه إن كل شيء في ألمانيا يبدو قادراً على " مساندة الثورة البروليتارية بنسخة ثانية من حرب الفلاحين " . هذا المقطع يبيِّن أن ماركس يعتبر ألمانيا بين البلدان ذات الأغلبية الفلاحية في شرقيّ أوربا  ، حيث لم تكتملْ ، بعدُ ، الثورةُ البورجوازية على الإقطاع ، وحيثُ بإمكان الأقلية البروليتارية أن تقدم مساعدةً تكتيكيةً مؤقّتةً لبرنامج مِلْكيّة فلاّحية .

أمضى ماركس وإنجلز بقية حياتهما بعد 1850 في البلد الذي فقدتْ فيه المسألة الفَلاّحيةُ حدّتَها مع مسار التصنيع الواسع وتحويل الفلاحين إلى بروليتاريا رِيفٍ . حتى الإمكانات العملية للثورة في أوربا لم تستطعْ أن تدفعهما لإعادة النظر في الموضوع التكتيكيّ .العِقدان اللذان فصلا بين لهيب 1848 وكومونة باريس ، لم يسجِّلا أي تغيير في موقفهما من الفلاّحين ، كما أن بطولة الكومونة لم تفلِحْ في انتفاضةٍ فلاّحيّة كان  من الممكن معها ، فقط ، إنقاذ الكومونة من الهزيمة . لكن ما حثّ ماركس  في عقد حياته الأخير ، على إعادة النظر في المسألة الفلاحية جاء من مصدرٍ ناءٍ ، وغيرِ متوقَّعٍ – روسيا .

في نهايات ستينيّات القرن التاسع عشر أمسى ماركس وإنجلز مهتمَّينِ بالشؤون الروسية ،  وتعلّما اللغة الروسية كي يكون بمقدورهما قراءة الأدبيّات الاقتصادية الروسيّة . كانت اللحظة نقطة تحوُّل هامّة في التاريخ الروسيّ . في خمسينيات القرن التاسع عشر برزَ تيّارٌ فكريٌّ جديدٌ – إذ أن النارودنيك كانوا مجموعــــــــــة مثقفين ، لا حزباً سياسيّاً . كان فِكر النارودنيك يجمع بين الاعتقاد بالسْلافيّة في مصير روسيا ، ودورها في تنوير أوربا  بمباديء الإشتراكية الغربية ، ذات المنحى الطوباوي . المعتقَد الأكثر ملموسيّةً  لدى النارودنيك هو الإعتقاد بأن الجماعة الفلاحية الروسية بنظامها ذي المِلْكية الجمعية هي اشتراكية الجوهر ، وهي قادرةٌ على أن تشكِّل  قاعدة النظام الإشتراكي القادم ، الذي سيقود بقية أوربا على طريق الإشتراكية . تحرير الأقنان في1861 لم يغيِّر هذا الرأي .

إجراء تحرير الأقنان كان مصدره الرغبة في تحديث الإقتصاد الروسيّ بعد كوارث حرب القرِم ، وكما جرى في إنجلترا ، الحاجة إلى خَلق  جيشٍ احتياطيّ من العمّال  ، بُغْيةَ تصنيع البلاد . لقد أنهى العلاقة الإقطاعية بين مالك الأرض ، السيّد ، وبين الفلاّح القِنّ ، ومضى أبعدَ ففتحَ الريفَ أمام تغلغُل الرأسمالية .لكنه ، لإبقائه على الجماعة الفلاّحيّة( التي هي الشكل الغالب في تنظيم الزراعة ) ، لم يحْظَ إلاّ بتأثيرٍ قليلٍ في مباديء النارودنِك. بلغتْ أنشطةُ النارودنِك ، معزَّزةً بجماعات إرهابيّة ، ذروتَها في سبعينيّات القرن التاسع عشر.

الترجمة الروسية الأولى للمجلّد الأوّل من رأس المال التي صدرت في العام 1872 كانت من عمل نارودنيّ

اسمُه دانيَلْسون .

الصراع ضد باكونين سحبَ ماركس وإنجلز ، أكثرَ ، إلى حقل الخلافات الروسيّة . في 1875 ، وردّاً على  هجومٍ  من النارودنيّ الروسيّ ، تْكاشَيف ، نشر إنجلز مقالةً حول "  العلاقات الإجتماعية في روسيا " أشار فيها ، بقوّةٍ ، إلى أن تحرير الأقنان " وجّهَ ضربةً قويّةً إلى المِلْكية الجمعية " ،  وإلى أن " المِلْكية الجمعية في روسيا استنفدت ، منذ زمنٍ ،  وقتَ ازدهارها ،  و  هي ، حسب ما يبدو ، تكاد تزول " . لكنه  أضافَ اعتباراتٍ أخرى فتحتْ نقاطَ خِلاف :

مع هذا ، فلا ريبَ في أن بالإمكان  تحويل هذا الشكل الجمعي إلى شكلٍ أعلى ، إنْ أمكَنت المحافظةُ عليه حتى تنضج الظروفُ لمثل هذا التحويل  ،  وإنْ كان بمقدوره  التطور ،  بطريقةٍ  يبدأ فيها الفلاّحُ بالعمل ليس فرديّاً ، وإنما مع الجماعة : آنذاك سوف ينتقل الفلاّحُ الروسيّ إلى هذه المرحلة العليا ، متجنباً  المرحلةَ الوسيطةَ للملْكية البورجوازية الصغيرة  . لكن هذا لا يمكن أن يَحدث إلاّ مع الثورة البروليتارية الظافرة   المندلعة في أوربا الغربية ، قبل الإنهيار التامّ للملْكية الجمعية -  الثورة سوف تضمن للفلاّح الروسيّ الظروفَ الأساسَ لمثل هذا التحوّل ، وبالذات الوسائل المادية اللازمة للقيام بثورةٍ في النظام الكامل للزراعة المرتبط بها.

للخصائص أهمّيتُها.  لم يُقترَحْ أن بمقدور روسيا وحدَها ، تجاوز مرحلة الرأسمالية البورجوازية وبلوغ الإشتراكية ،

مباشرةً ، ناقلةً المؤسسات الجمعية لماضيها الإقطاعي ، إلى المؤسسات الجمعية لمستقبلها الإشتراكيّ .

المقترَح هو أن بروليتاريا البلدان المتقدمة بعد أن أدّتْ مهمّتَها الظافرة ، ستكون قادرةً على تأخذ روسيا المتخلفة ، معها ، إلى الإشتراكية ،  بدون أن تمضي روسيا  في الطريق الرأسمالي .  ليس في الأمر ما هو غير منطقيّ ، إذا اعتبرْنا أوربا وحدةً . ماركس نفسه لم  يُعلن شيئاً آنذاك . لكن تأييده قولةَ إنجلز جاء بعد سنتين

في رسالة إلى صحيفةٍ روسيّةٍ ردّاً على مقال منشورٍ يتّهمه بمعاداة روسيا . أنكرَ الردُّ أنه  تبنّى وصفَةَ " طريقٍ عامٍّ على الإمم كلِّها  أن تسلكه "  . ثمّ لخّصَ الأمر كالآتي :

إن استمرت روسيا على الطريق الذي سلكتْه ، منذ 1861 ، فإنها  سوف تحْرَم من الفرصة النادرة التي وفّرَها التاريخُ لأمّةٍ ،  فرصةِ تفادي مطبّات النظام الرأسماليّ .

سرعان ما ازداد الموضوع تعقيداً ، حين برزتْ في روسيا مجموعةٌ جديدةٌ قويّة من الماركسيّين الشباب الذين انشقّوا على النارودنِك ، وجابهوهم مجابَهةً شاملةً . لقد رأت المجموعة أن الجماعة الريفية ليست سوى استمرار للإقطاع ، داعيةً إلى تطوير الرأسمالية في روســيا كمقدمة للثورة البروليتارية . قادة المجموعة ، بليخانوف ، أكسلرود ، فيرا زاسوليتش ، غادروا روسيا في نهايات سبعينيات القرن التاسع عشر ، وفي 1883 أسّسوا مجموعة " تحرير العمل " في سويسرا . رأى أعضاءُ المجموعة أن مشروع الثورة الوارد في

" البيان الشيوعي " صالحٌ للتطبيق في جميع البلدان ، وأن بالإمكان الوصول إلى الإشتراكية في روسيا عبر المرحلة الوسيطة للرأسمالية البورجوازية . لكن حصل ارتباكٌ حين تخلّى عن هذا المفهوم أحدُ مؤسِّسيه .

في شباط 1881  كتبتْ فيرا زاسوليتش إلى ماركس  ، طالبةً توضيح رأيه في الجماعة الفلاحية الروسيّة.

كان البحث شديداً على ماركس وهو في شيخوخته . وأنتج البحث جواباً  طويلاً ذا ثلاث صِيَغ ، جواباً ظلّ  بين أوراقه . في نهاية الأمر ، رفض ماركس الصيَغَ الثلاث كلَّها ، واكتفى برسالة موجزة يبيِّن فيها أن  التحليل الوارد في رأس المال القائم على الظروف الغربية ، التي زالت فيها  المِلْكية الجمعية منذ زمن طويل،

لا يمكن تطبيقه على روسيا ، حيث تلك المِلْكية ما زالت قائمةً في هيأة الجماعة الفلاحيةPeasant commune  . وعبّرَ عن اعتقاده  بأن هذه الجماعة هي نقطة مسانَدة للإنبعاث الإشتراكي في روسيا.

لكنه  كان حذِراً  في الوقت نفسه  ، إذ قال " لكن ، كي ينجح الأمر ،  من الضروري إزالة التأثيرات الضارّة المعَرَّض لها من كل الجهات ،  كي تُضمَن له الظروف الطبيعية للتطوّر الحرّ " . لم يُشِرْ ماركس ، في1877 ولا في 1881  ، إلى ما رآه إنجلز في الثورة  البروليتارية الظافرة في أوربا الغربية . لكن هذا الحذف تمّ تلافيه ، حين كتب ماركس وإنجلز ، بصورة مشتركة ، مقدمةً لترجمة روسيّة جديدة لــ " البيان الشيوعيّ ".

في هذه المقدمة التي هي آخر إسهامٍ لهما في الشأن الروسيّ جاءَ :

"السؤال الآن هو : هل بإمكان الجماعة الروسية ، وهي شكلٌ  من الأشكال البدائية لحيازة الأرض ، أن تَعْبرَ ، مباشرةً ، إلى الشكل الشيوعيّ الأعلى لحيازة الأرض ؟ أم سيحْدُثُ العكسُ ،  فتتعرض الجاعة إلى عملية التفسُّخ ذاتها التي قرّرتْ التطورَ التاريخي للغرب ؟

الجواب الوحيد الممكن في الوقت الراهن ، هو الآتي : إنْ كانت الثورة الروسية إشارة انطلاق للثورة العمّالية في الغرب ، بحيث تُكمِلُ إحداهما ، الأخرى ، فإن حيازة الأرض الروسية الراهنة ستكون نقطة البداية للتطور الشيوعيّ " .

تقودنا دراسةُ هذه النصوص إلى استنتاج أن  ماركس وإنجلز ، في سنواتهما اللاحقة ( ماركس أكـــــــــثر من إنجلز )  ، كانا مدفوعَين برغبةٍ إنسانيّةٍ في إرضاء أنصار الجماعة الروسية من  النارودنيّين المتحمسين ، ممّا  لايتّفق ، تماماً ،    مع الظروف الروسية ، ولا مع البيان الشيوعي  و رأس المال . ماركس مات في 1883 ، لكن الرأسمالية  ظلت تتطور في روسيا ، وتتطور معها قوّة المجموعة الماركسية .

انتهى النارودنيّون في درب الإرهاب فأخذوا يفقدون تأثيرهم . بليخانوف في سلسلة مرموقة  من المقالات والمنشورات طبّقَ محلِّيّاً مقولة أن الجماعة الفلاحية  لا يمكن لها أن تتطوّر إلا   عبر أشكال التطور البورجوازي ، لا  الشيوعيّ . وفي المؤتمر التأسيسي للأمميّة الثانية في باريس 1889 ،  أعلنَ ، متحدِّياً أن " الثورة الروسية سوف تنتصر ، ثورةً بروليتاريّةً ، وإلاّ فلن تنتصر أبداً " .

المجاعة الروسية الكبرى في1891  سلّطتْ ، ثانيةً ، الضوءَ شديداً ، على المشكلة الزراعية . بالإمكان إرجاع الكارثة إلى تأثيرات الرأسمالية في انحلال الجماعة الفلاحية ، وكذلك إلى التخلُّف الموروث في كفاءة النظام الجمعي. لكنْ ، ومهما كان التشخيص ، كان واضحاً أن العمليات التاريخية كانت جارية ، و لا سبيل إلى إيقافها.تراجَعَ إنجلز بهدوء عن التنازلات التي قدّمَها مع ماركس ، للنارودنِك ، قبل عشر سنين أو خمس عشرة سنةً . وقد سُجِّلَ هذا التراجع في رسالة مؤرّخة في شباط 1893 إلى النارودني الشيخ دانيَلسون الذي كتب يعزو المجاعة إلى تقدم الرأسمالية. إنجلز لم يكن ليُنكِر شرور الرأسمالية ،  لكن النقطة  لم تَعُدْ هنا . ليس من سبيل إلى تلافي هذه الشرور . فات الوقتُ على ذلك . لقد أمست الجماعة الفلاحية جزءاً من " الماضي الميت "  ،  ولا سبيل لدى روسيا  للخلاص من مصيرها الرأسماليّ :

التاريخ هو أشدّ الربّات قسوةً .  هذه الربّة تقود عربتَها المنتصرة على أكوام الجثث ، لا في الحرب فقط ،  ولكن حتى في أوقات التطوّر الإقتصادي " السلْميّ " .

هذا الحكم الكالح أعادَ روسيا إلى مكان طبيعيّ في المشروع الثوري لــــــــــالبيان الشيوعي. لقد انطفأ بصيصُ الأمل الذي كان لدى ماركس وإنجلز في حلٍ كريمٍ ؛ إنجلز   ،  في السنة التالية ، بمناسبة إعادة نشره  مقالة 1875 ، قبِلَ التحدي من جديد ، متردداً ، وأعادَ التأكيد ، بدون تغيير شكليّ في الموقف ،  على أن المبادرة في مثل هذه التحولات في الجماعة الروسية لا تأتي من تلقاء نفسها ، وإنما من البروليتاريا الصناعية في الغرب . إن االشيوعية الزراعية المتبقية من نظام بدائي للمجتمع لم تنتج إلا انحلالها.

عندما شرع لينين  يكتب ، في تسعينيات القرن التاسع عشر ،  اتّبعَ رأي بليخانوف ضد النارودنِك ، وجعل تطور الرأسمالية في روسيا موضوعَه الرئيس . لكن بعض  الخلافيّات القديمة سوف تظهر  في سنين لاحقةٍ ، في ظروفٍ مختلفة ، حول " الإشتراكية في بلد واحد " ،  وجمعية الزراعة .

وبالرغم من كل الخلافات حول الطريق الذي ينبغي اختياره لبلوغ الهدف ، لم يتزحزح ماركس وإنجلز عن نقطة رئيسةٍ : الزراعة الجمعية واسعة النطاق شرطٌ لازمٌ للإشتراكية . ويبدو أن شعبية النارودنِك آتيةٌ من أن نظرياتهم قدّمت هذا الشرط . في آخر سنة من حياته ، عاد إنجلز إلى الغرب ، في مقالةٍ طويلةٍ " حول المسألة الفلاحية في فرنسا وألمانيا " ، محاولاً الإجابة عن هذا السؤال الـمُـلغِز . رأى إنجلز أن الثورة البورجوازية حرّرت الفلاّح في أوربا الغربية من وضعه الإقطاعي وتبِعاتِه ، لكنها حطّتْ من وضعه الماديّ والمعنويّ ، إذ حرمتْه من دفاع الجماعة ذات الإدارة الذاتيّة ، التي كان عضواً فيها . لقد تعرّضَ لكل قصف الإستغلال الرأسمالي ، وتحوّلَ إلى " بروليتاريّ المستقبل " . لِمَ إذاً ، يعتبرُ الفلاحُ  ، بعامّةٍ ،  الإشتراكيةَ الديموقراطية ، وهي حزب البروليتاريا المدينية ،  عدوَّه اللدودَ ؟ السبب هو أن الإشتراكيين الديموقراطيّين  أوردوا في برامجهم

سياسة تأميم الأرض التي رأى فيها الفلاّحُ تهديداً بفقدان الأرض القليلة التي يمتلكها .

إنجلز وضعَ حدّاً فاصلاً بين الحيازات الصغيرة وتلك الكبيرة ، الأولى هي الغالبة في فرنسا  وغربيّ ألمانيا ، والثانية هي الغالبة في ماكْلِنبرغ وشرقيّ بْروسيا  ، بينما بقية ألمانيا هي في الوضع الوسيط . في ما يتعلّق بالمالكين الصغار قال بوضوحٍ إن المشكلة : بمقدورنا أن نستميل جمهرة الفلاحين الصغار إلى جانبنا  ، إنْ وعدناهم بما لانستطيع . هذه الوعود هي تحريرهم من الإيجار والرهون وضمان مِلْكيّتهم الدائمة . الإشتراكيون الديموقراطيون ليس بمقدورهم الإستمرار في الدفاع عن الملْكية الدائمة لأن هذا يتنافى مع مباديء الإشتراكية  وكفاءة الإنتاج . لكن عليهم أن يشنّوا هجومهم على الفلاّح الصغير :

في المقام الأول ، نحن نتنبّأ بالدمار الحتمي للفلاّح الصغير ، لكنْ ليس علينا أن نُسَرِّع في ذلك بتدخُّلنا . ثانياً ، واضحٌ أيضاً ، أننا حين نكون في السلطة ، علينا ألاّ ننتزع ، بالقوّة ، مِلْكية الفلاح الصغير ( ليس هامّاً أن يكون هذا بتعويض أو  بدون تعويض ) . إذ علينا أن نتعامل ، بالقوة ، مع كبار المالكين .

في ما يتّصل  بالحيازات الكبيرة والمتوسطة التي تستخدم العمّال المأجورين ، فإن الإشتراكيين مهتمّون بالعمّال لا بالملاّكين . لكنْ حتى في ما يتّصل بالملاّكين فإن الأمر ليس في مسألة تدميرهم ، بل في تركهم لمصيرهم المحتوم. إنهم في واقع الأمر قد واجهوا دماراً أكيداً من منافسة الشركات الزراعية الكبرى  في شكلاستيراد الحبوب عبر الأطلسي. وعلى أي حال ، فإن تقويض المِلْكيات الزراعية الكبيرة  ليس هو الهدف الإشتراكيّ.

المالك الكبير هو أفضلُ ، في كفاءة الإنتاج ، من الفلاّح الصغير. وبما أن ماركس في 1850 رأى في تأميم الأرض جزءاً حتى من البرنامج البورجوازي الثوري ، فقد اقترحَ أن تظل الحيازات المصادَرة مِلْكاً للدولة ، وأن تُحَوَّل إلى مستوطَناتٍ عمّاليّة ، تُستَغَلُّ بجمعيّات بروليتاريا الريف ، وهكذا سوف تتمتّع بكل مزايا الإنتاج الواسع. الآن يرى إنجلز هذا :  كما أن الصناعة الرأسمالية الواسعة كانت ناضجة للإنتقال إلى صناعة إشتراكية ، فإن  المزرعة الرأسمالية الواسعة يمْكن أن تكون المزرعةَ الإشتراكيةَ الجمعيّة :

هكذا فإن تحوُّل الزراعة الرأسمالية إلى زراعة إشتراكية ، قد صار الآن جاهزاً للتطبيق الفوري ، تماماً مثل مصنع السيّد كْروب أو سْتوم .

والأكثر من ذلك ، فإن الزراعة الإشتراكية ذات النطاق الواسع ستكون أنموذجاً صغيراً ، للفلاّح الصغير ، كي يرى مزايا المشروع التعاوني الواسع .

الميراث الأخير لإنجلز في المسألة الفلاّحيّة ، كان في الإصرار المتجدد على مبدأ  الزراعة واسعة النطاق كجزءٍ ضروريّ للإشتراكية ، وأنّ المزارع الرأسمالية  الكبيرة كانت ناضجةً للتحوّل إلى مزارع الدولة الإشتراكية .

وهي أيضاً محاولة الأخذ بيد الفلاّح ذي المِلْكية الصغيرة ، نحو السبيل الحتميّ للمِلْكية الإشتراكية ، عبر الإقناع ، لا الإرغام .

هذه الأفكار شكّلت أساس السياسات الزراعية لكل الأحزاب الإشتراكية الديموقراطية في السنوات العشرين اللاحقة ، بالرغم من أنها لم تحْظَ بالتأييد من غالبية الفلاحين  .

اخر تحديث الثلاثاء, 05 مارس/آذار 2019 10:21
 
Bristol.jpg
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث