الإثنين, 27 شتنبر/أيلول 2021
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
ديوانُ السُّونَيت
أوراقي في الـمَـهَـبّ
ديوان البنْد
ديوان خريف مكتمل
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
Spain
المتواجدون الان
يوجد حالياً 467 زائر على الخط
تجريب الأخضر طباعة البريد الإلكترونى

زين حسين
مقالي في جريدة الاتحاد

بعد أن صدر المجلد الثامن من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر سعدي يوسف ،أصبح أكثر شاعر في تاريخ الشعر العربي غزارة ، وتفوق على فحول شعراء العربية ، والكم عند ابن سلام الجمحي معيارا للفحولة ، (ينظر :طبقات فحول الشعراء) ، ومن ذلك يتبادر في إذهان الكثير ، كيف لشاعر أن يكتب بهذا الكم من دون أن يقع في فخ التكرار والنكوص ، وهذا فعلاً ما اتهم به الشاعر سعدي يوسف بمجرد صدور المجلد الثامن من أعماله الكاملة التي صدرت عن دار التكوين في دمشق ، هل الشاعر سعدي يوسف بدأ يكرر نفسه منذ زمن بعيد ومات شعرياً؟ هذا هو محور هذه الدراسة ، وهي ليس من باب رد الشبهة عن سعدي واسقاط التهم التي انهالت عليه ، بل هي قراءة فاحصة ومتابعة دقيقة لنتاج الشاعر لإثبات حقيقة ما إذا كان الشاعر مصاب بداء التكرار أو العكس ، فكانت هذه الدراسة ، هي دراسة التجريب في شعر سعدي يوسف.

الممارسة الإبداعية تتناسب طردياً مع التجريب ،والتجريب يعني بالضرورة القطع والانفصام عن الاستمرارية والدوام، وتحرك دائم نحو الخلق والانبثاق، فالتجريبية: ((المحاولة الدائمة للخروج من طرق التعبير المستقرة ، أو التي أصبحت قوالب وأنماطاً ، وابتكار طرق جديدة))(أدونيس: زمن الشعر، ص١٤٨) . فسعدي منذ اللحظة الأولى عمل على تغيير فنه ، وطرائقه في التعبير الفني، ولأن إشكالية الاجترار عند سعدي لازمته في كتاباته الحديثة مؤخرا، لا ينبغي لنا أن نرجع إلى ريادة سعدي في التجريب في كتاباته الأول ، نحو كتابته القصيدة المركبة ،وقصيدة القناع ، والقصيدة الدرامية، هذا على مستوى بنية الشكل ، ونترك ريادته في التجريب من خلال التنويع الإيقاعي ، والمزاوجة بين إيقاعين وأكثر داخل القصيدة الواحدة ، على مستوى بنية الإيقاع، ويجب أن نثبت حقيقة التجريب في شعر سعدي يوسف المكتوب حديثاً متناسباً مع زمن طرح الإشكالية (إشكالية موت سعدي يوسف شعرياً) في السنتين الأخيرتين على الأقل:

كتب سعدي يوسف "ديوان السونيت" في عام 2018، والسونيت شكل فني غير عربي يتكون من أربعة عشر شطراً ، ولقوافيها نظام خاص يلتزم به الشاعر : تنقسم السونيت في داخلها إلى أربعة مقاطع ، يتكون كل من المقاطع الثلاثة الأول من أربعة أشطر ، ويتكون المقطع الأخير من شطرين ، وتنتظم القوافي في المقاطع الثلاثة الأولى لتكون قافية الشطر الأول هي قافية الشطر الثالث ، وقافية الشطر الثاني هي قافية الشطر الرابع ، ويقع كل مقطع على حدة ، أما المقطع الأخير المكون من شطرين فينتهي بقافية ثنائية(ينظر :سونيتات شكسبير الكاملة ، ترجمة بدر توفيق ، ص٥) . ويقدم الشاعر سعدي يوسف ديوانه " ديوان السونيت" بمقدمة ،فيقول : ((السونيت ، قالباً ، قديم ، كتبه بترارك(1304-1374) وهو شاعر عصر النهضة ، على البحر الإيامبي الخماسي، ثم جاء شكسبير ليكتب بين الأعوام 1593-1596 ، السونيتات الشهيرة ، الأثيرة، وكانت مائة وأربعاً وخمسين عدّاً، شكسبير، فجر السونيت العتيق ، شكسبير، وضع على السونيت ، ميسمه )) (ديوان السونيت: سعدي يوسف) . لماذا السونيت ؟ يجيب سعدي : ((امتحان ذات صعب ، لكنها محنة التجريب، لقد ضاق الثوب وأخلق واستقدم مالا يليق ، لقد حاولت أن أروض نمراً))(ديوان السونيت : سعدي يوسف) . سعدي في مقترحه الشكلي للسونيت العربي كتب بعدة بحور شعرية ، مؤتلفة ومختلفة ، ولم يلتزم بوزن محدد ، فكتب على وزن الطويل:

أجيءُ إلى هذي البُحيرةِ كلّما

فزِعْتُ من النفسِ العصيّةِ ، والجارِ

كأني أُداري جِنّةً أو جهنّما.

لأُلقي على ماءِ البُحيرةِ أطماري

*

لماذا أرى في الماءِ لونَ البنفسجِ

وفي قمم البلّوطِ نوراً من الماءِ ؟

أهذا الذي قد كنتُ ، في الـحُـلْمِ أرتجي

أم ارتفعتْ ، كالرايةِ الوردِ ، أسمائي؟

*

أقولُ : لقد خَبَّتْ بيَ الخيلُ ، في المدى

ولم تتَّرِكْ بحراً بعيداً ، و لا أرضا...

تباركتَ ، يا سعدي ، وبُورِكتَ مُهتَدىً

لكَ الحقُّ ، كلُّ الحقِّ ، يا شَهْمُ ، أن ترضى

*

سلامٌ على الغصنِ الذي ليسَ يوصَفُ

وألْفُ سلامٍ للندى ، وهو رفرَفُ...

وعلى بحر الرمل ، كتب:

سِيْدي بِلْعبّاس ، كانت وطني

عندما طوَّحَ بي رملُ العراقْ

كأسُها عنقودُها إذْ ينحني

والحقولُ الطِّيْبُ ، والليلُ اعتناقْ

*

قلعةُ الرومان في تلْعَتِها

تحرسُ الوادي ، وتسمو في السماءْ

وكأنّ الطّيرَ من هيبتِها

فقَدَ الريشَ خفيفاً والغناءْ

*

سِيْدي بِلْعبّاس ، ظلّتْ مَوطني

وحنيني المحضَ كالأندلُسِ...

يا زمانَ الوصْلِ ، دعني أغتني

بالنبيذِ الوردِ ، دعْني أحتسي

*

سِيْدي بِلْعبّاس ، يا أبهى وَلِي

لكَ ما ترجو ، وما أرجوهُ ، لي

وحرصنا أن نورد لمثالين من وزنين واحد مختلف التفعيلات مثل الطويل ،والآخر ذات تفعيلات متشابهة مثل بحر الرمل.

يشبه السونيت فنون شاعت في العصر العباسي ، مثل المسمط ، والمزدوج والمخمس ، ويشبه إلى حد كبير الموشحات ، والموشحات والسونيت كلاهما فن غربي ، دخلا إلى المشرق فيما بعد ، لكن سعدي التزم بصرامة الشكل الشكسبيري للسونيت.

التجاوز والمغايرة يشكلان هاجساً عند الشاعر سعدي يوسف ، فبعد السونيت الفن الغربي ، يعود إلى المشرق إلى فن عربي أصيل لينفض الغبار عنه ، وينفخ الروح فيه ، فيبعثه من جديد ، إذ صدر له مؤخراً " ديوان البند" في عام 2020 عن دار نينوى في دمشق ، والبند من الفنون الشعرية المطورة والمستحدثة في العصور المتأخرة(التسمية ليست صحيحة  بالتأكيد ليست متأخرة ، وسميت جزافاً ،لكن من باب خطأ شائع أفضل من صح ضائع ، وضعنا المفردة كما هي) ، واللافت أن هذا الفن الشعري لم يدخل من ضمن اهتمامات العروضيين وأصحاب الاختصاص ،ولم يأخذ المساحة الكافية لا تنظيراً ولا ممارسة، على الرغم من تناول أغلبهم لفنون أقل جمالية من البند ، مثل القوما والمواليا ، والدوبيت، والكان كان، والزجل.

البند نشأ في جنوب العراق ،وأول من نظم هذا الفن معتوق الموسوي(1616/1025م_1676/1087م) ، ولعل أشهر بند ما قاله ابن الخلفة المتوفى سنة(1831م-1247هـ) ، وهي في مدح الإمامين الكاظمين ومطلعها:

أيها اللائم في الحب

دع اللوم عن الصب

فلو كنت ترى الحواجب الزج

فويق الأعين الدعج ( المعجم المفصل في علم العروض والقافية وفنون الشعر : اميل بديع يعقوب ، ص ١٦٨-١٦٩)

لم يكن البند خروجا عن العروض التقليدي ، بل هو نموا وتطورا عن عروض الخليل ، وأصبح فن قائم بذاته ، وهو أقرب إلى الشعر الحر كما تقول نازك الملائكة ، البند لا يتقيد بإسلوب الشطرين ، ويقوم على أساس التفعيلة ، ويبنى على بحر الهزج وبحر الرمل ، يجمع بينهما ، ويكرر الانتقال من أحدهما إلى الآخر عبر القصيدة كلها( قضايا الشعر المعاصر : نازك الملائكة ، ص١٧٠ ). وبعد أن كان هذا الفن الشعري مطمورا ومهملا ، قيض لسعدي أن يزيل الغبار عنه ليستنهضه من جديد ، لأنه فن عربي عراقي بحت ، ومحنة التجريب كما عبر عن نفسه، فيقول:

رضيّاً

مغمض العينين

تجلس عند نافذة تطل على الحديقة

إنه الفجر القديم

الفجر ذياك الذي ما عاد فجراّ:

قد تساوى

الفجرُ

والظهرُ،

تساوى

الطهرُ

والعِهرُ

تساوى البيت والمنفى ،

ولكنك ما زلت رضياً

مغمض العينين

تغفو عند نافذة مضببةٍ

وتحلمُ...( ديوان البند : سعدي يوسف، ص١٠)

سعدي يوسف رحالة لن يستقر في دروب الفن الطويلة ، طالما طاقته لم تنفد ، فمن "ديوان السونيت" إلى " ديوان البند" هذا التحول والتجديد المستمر، هل ينبغي لنا أن نصف سعدي بالنكوص والتكرار ؟ كيف نفسر الاتهامات التي تفيد بموت سعدي شعرياً؟ وهذه الاتهامات تنبئنا بشيئين ، الأول أن مروجي هذه الاتهامات لم يطلعوا على نتاج سعدي الأخير أصلاً ، والآخر إنهم قرأوا ولم يدركوا ويستوعبوا ما كتب.

 

07/06/2021

 
jarar.jpg
فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث