ديوان شرفة المنزل الفقير (كاملا) 34 قصيدة طباعة
تقييم المستعملين: / 1
فقيرأفضل 

الطّــوافُ بالمقاهي الثلاثة
                 ( 1 )

يا أنتَ ، العابرَ كلَّ دوائرِ هذي العتْـمةِ ، دائرةً دائرةً ،
لتُـطوِّقَ عنقي كالأُنشـوطةِ ، من مسَـدٍ وحريرٍ حيناً
من فخّارٍ وتهاويلِ جداريّاتٍ حيناً ،من أهدابٍ خِيطتْ أحياناً،
يا أرضاً كانت ماءً،ياماءً كان الأرضَ.هنا ترتفعُ الصلواتُ
نشيداً باسمكَ، أو تنفرعُ الفلَـواتُ...أُحَيِّـيك،وأحْـييكَ،
وأسألكَ الغفرانَ اليومَ،وأسألُـكَ النسيانَ غداً.سـتمُـرُّ
الدبّاباتُ على ساقَيكَ مُجلجِلةً في كتمانٍ من سُـرُفاتٍ طينٍ،
وسيمتدُّ رقيمٌ (تشويهِ شموسٌ ثابتةٌ) من رمل الفاو وأوراقِ
الحنّـاءِ إلى الصخرِ المقدودِ ربايا وطرائدَ من آشورَ.أنا أسألُكَ
المغفرةَ،الهدأةَ،شـكّـلتَ جبيني بالوسمِ،وعلّـقتَ ذراعي
اليسرى بالكُـلاّبِ،وقُـلتَ: أُحَـمِّـلُكَ الآنَ دمي .
ما كنتَ صغيراً لتكونَ كبيراً.أنت الإسمُ الأولُ والمَـوئلُ .
أنتَ عدُوِّي مُـذ كنتَ،صديقي مذ كنتُ...ستأتي أسرابُ
الطيرانِ الحربيّ مجلجلةً تحتَ سـماءٍ من صَـهَـدٍ ...
سيكونُ هواؤكَ محتقناً بالبارودِ ومختنقاً ،لكنكَ تبحثُ عني،
أنا،إسـمِكَ،كي تقتلني. الدبّاباتُ تُبددُ جِلدَكَ،والطيرانُ
الحربيُّ يمزِّقُ أهدابَكَ،لكنكَ ملدوغاً تتبعُني كي تسلخَ أجفاني؛
وتُـمزِّقُ أضلاعي كي تأكلَ قلبي.لستَ الآنَ الطيرَ المرموقَ
عصائبَ...لستَ النسرَ القادمَ من حِـمْـيَـرَ ، لسـتَ
الهُدهدَ ،لستَ حمامةَ نوحٍ،لستَ الرخَّ...فمن أينَ أتاكَ
اللونُ الميِّتُ هذا؟ من أين أتتكَ القَـصْـباءُ لتبريها صعدةَ
رمحٍ؟ أنتَ هنا اللحظةُ.تَـغفَـلُ عمّـا ترسُمُـه سُرُفاتُ
الدباباتِ،وتَـغفلُ عمّـا يمحوهُ الطيرانُ الحربيُّ ، ولا تَغفَلُ
عني...فَـلْـتَهدأْ ،أرجوكَ ! اهدأْ، واتركني أتمرّغْ في غُصصِ
الأحلامِ،اتركْـني أتمرّقْ قصصَ الأعوامِ...أنا ابنُكَ،صِنوُكَ،
حاملُ أختامِكَ في جيبِ الصدرِ، وعنوانُكَ حين تغيبُ طويلاً.
لا!لا تبتلعِ الدباباتِ كما تبتلعُ الملحَ، ولا تمسحْ بالسَّــعفِ
الطيرانَ الحربيَّ... وأنصِتْ لي في ضجّـةِ هذا الوادي الهامدِ:
هل تسمعُ شيئاً؟ هل تهجسُ ما يفعلُهُ النملُ هنا تحتَ جذورِ
النخلِ؟ هل الماءُ يسيلُ من الصخرةِ ؟ يقطرُ...يقطرُ...
يقطرُ...،قلتُ لـكَ: اسمـعْـني! ذاك دمي يتقطَّـــرُ
في الهدأةِ. نبضي هو ما يفعلُـهُ النملُ حثيثاً تحتَ جــذورِ
النخلِ...
اسمــعْـني!   

               (2 )

مقهىً على " بابِ الزُّبيـر"...
تُقابلُ المقهى من الجهةِ اليمينِ ، الشُّـرفةُ الخشبُ التي جاءت
من الهند البعيدةِ. واليسارُ يضمُّ مكتبةً ودكّـاناً لبيع الخردواتِ.
وأنتَ حين تكونُ في المقهى ستشربُ شايَكَ المألوفَ، ثم تقـومُ
مبتهجاً ، لتدخلَ غرفةَ البلياردِ:
طاولةٌ
وعشبٌ أخضرٌ
وكُـراتُ ألوانٍ...
سـتُـلقي نظرةً عجلى، وتمضي نحو زاويةٍ
تراقبُ...
أنت لا تستعجلُ الأشـياءَ
والتاسُ الذين رأيتَـهم في غرفة البلياردِ لا يستعجلون؛
وسوف يدخلُ آخرون الغرفةَ...
الساعاتُ تمضي
والهواءُ الرطْـبُ يدخلُ في القميص ويستقرُّ حرارةً منقوعةً في الصدرِ.
أنت تراقبُ:
المتفرجون تكاثروا في غرفةِ البلياردِ
لكنّ الذين تَقاسَـموا كلَّ العِـصِـيِّ تبادلوا الأدوارَ
ظلوا ، وحدَهم، في لعبةِ البلياردِ ، يقتاتونَـها
كرةٌ هنا حمراءُ
أخرى بَـعدها سـوداءُ
واحدةٌ تُـلاحقُـها العصيُّ ، وحيدةٌ بيضاءُ...
كان اللاعبون يُـداوِلونَ عِـصيَّـهُـم و كُـراتِـهم
لاهينَ عمّـا تفعلُ الأشياءُ
لاهينَ عن متفرجينَ رأوا في لعبةِ البلياردِ لعبتَـهم ؛
وإنْ شـئتَ الحقيقةَ قال أربعةٌ من الشـبّـانِ همسـاً :
غرفةُ البلياردِ ليستْ ثُـكنةً...
...............
...............
...............
ما أغربَ المقهى على " باب الزُّبير" !

               ( 3 )

قِـعْـبٌ من سامرّاءَ. البئرُ ، المطويُّ كقنبلةٍ في النسيانِ ، يفوحُ قليلاً.
هذي جَـفَناتي و نذوري. سنبيتُ الليلةَ في الصحنِ. وفي منتصَف الليلِ
نُـراوغُ ذاكَ القـيِّـمَ كي نهبطَ في البئرِ. الليلُ نحاسٌ.سترِنُّ خُطانا بينَ
النجمِ وقلبِ الأرضِ.سنهتفُ:تحيا الحريّةُ!ثمّ نُدَلِّـي حبلاً ونلوذ  بهِ حتى
نلمسَ قاعَ البئرِ...، النسوةُ جئنَ هنا من كلِّ ضـواحي بغــدادَ ،
النسوةُ بالأسودِ والوشمِ الفيروزِ وأغنيةِ الموتى ، والنسوةُ يدعونكَ يا غائبُ،
يا ساكنَ رضوى ، يا مُـطْـعِمَـنا عسلاً وفراتاً.سنبيتُ الليلةَ في الصحنِ،
فلا تطردْنا من مَـلَـكوتِـكَ، لا تتركْـنا لذئابِ البرِّ. يتامى نحــنُ،
ضعافٌ ، وذوو أطفالٍ، فارحمْـنا يا ساكنَ رضوى، أغمِـضْ عينيـكَ
الجوهرتينِ، ودعْـنا نهبط في البئرِ. ستعرفُ من رائحةِ الحبلِ الجُـوتِ
منازلَ حَـيرتِـنا.لسنا سـفهاءَ ، وأعيُـنُـنا سُـمِـلَتْ منذُ قرونٍ
في حربٍ ظالمةٍ ، عبرَ قُـرىً ظالمةٍ . لن نحلمَ حتى بندى كـفَّـيكَ .
فنحن خرجنا من أجداثٍ كي ندخلَ أجداثاً. لا أكفانَ لنا ، لا صـلواتٍ.
لا آسَ ولا سـدرَ ولا كافورَ. مباركةٌ طـلْـعتُـكَ ، اسمعْـنا يا سبطُ
هنا ... في قاع البئرِ  ستسمعُـنا. هل تعلمُ ، يا سبطُ، بأنّ قنـــابلَ
B 52 ، وقذائفَ مدفعنا الهاوتزر ، ذرَّتنا في الريح غباراً من لحـمٍ وعظامٍ؟
هل تعلمُ، يا سبطُ، بأنّـا كنّـا جوعى وعُـراةً حينَ قُـتِـلْـنا ؟ هل تعلمُ
يا سبطُ ، بأنّـا حينَ ظمِـئنا أُورِدْنا بنزيناً ثم رُمِـينا برصاصٍ يشـعلنا؟
تحيا الحريةُ!في " الفاوِ" شربنا الغازاتِ السامّـةَ حتى ذابت أعيُـنُـنا
كالشحمةِ في القيظِ، وفي كردستانَ أكلْـنا لحمَ الأكرادِ على السيــخِ.
إذاً، نحن وحوشُ الكونِ، بقايا اللهبِ المتدافعِ من جوفِ التنِّـينِ ، ضِـباعُ
الغاباتِ المنسيّةِ في كتبٍ بائدةٍ... هل تسمعُنا يا سِـبطُ؟ وهل تأذَنُ للذئبِ
بأنْ يغدو حمَـلاً في لحظةِ إيمانٍ ؟ هل تأخذُ منّـا أنفُسَـنا؟ إنّـا ، يا سبطُ،
التوّابونَ، وإنّـا يا سبطُ، الكذابون. فهل تأخذُ يا ساكنَ رضوى ، اليومَ ،
بأيدينا؟ هل تمنحُـنا نفحةَ روضٍ ورضاً ؟
كم كان عراقُ الوهمِ جميلاً !
تحيا الحريةُ !
حبلُ الجُـوتِ تدلّـى.
والأنشــوطةُ مُـحـكَـمةٌ.
والبئرُ يساوي نصفَ المترِ...
ســلاماً !

                ( 4 )

مقهىً على " شطّ العرب "...
قد كنتُ ذوّبتُ المرارةَ في فمي مُـتَمـطِّـقاً بالشاي...
كان النهرُ أبيضَ
ثَـمَّ أشـرعةٌ ، ولمحٌ من نوارسَ لا تُـطيقُ البحرَ
( رامبو قال ...)
كان النهرُ أبيضَ
والنخيلُ هو الذي نلقاهُ في اللوحاتِ حسبُ ،
أتحسَـبُ الدنيا مُـضيَّـعةً ؟
أريدُ الآنَ أن أُحصي الدقائقَ:
تحتَ كالبتوسـةٍ جلستْ فتاةٌ فجأةً . في البُـعدِ يمْـرُقُ زورقً ، والقطةُ
السوداءُ تخمشُ جذعَ صفصافٍ تهدَّلَ شَـعرُهُ في الماءِ . كان البـــارُ
عبرَ الشارعِ الكورنيشِ أعلنَ نورَه. بحّـارةٌ ( جاؤوا من النرويجِ ؟ )
يفتتحون ليلتَـهم. تهلُّ الهندُ بالسمبوسكِ. السفنُ الثلاثُ لشرقِ إفريقيّةَ
ارتعشتْ قليلاً. كانت الأمواجُ تعلو. أين نذهبُ في المساء الماثلِ ؟ الشايُ
الذي أهملتُـهُ ما زال منتظِـراً. وعبرَ الضفةِ الأخرى أرى سيارةً. شفتي
تُدغدغني.تكون الشمسُ لِـصقي.ألمُـسُ الكرسيَّ. نورٌ في الهواء يَشيعُ.
بعد غدٍ سيحملُـني القطارُ إلى محطاتٍ وراء النهرِ . موسكو ربّـما...
...............
مقهىً على" شط العرب"...
كانت تماثيلُ الجنودِ( وأقرأُ: الضبّـاط ) تصطفُّ. الوجوهُ قبيحةٌ. وإشارةُ
الأيدي إلى إيرانَ أقبحُ. وحدَه، بَـدرٌ، تُسَـوِّرُهُ مزابلُ يومِه العاديّ...
لن تأتي الحمائمُ كي تحطَّ ، ولو لتذرقَ ، فوقَ لِـمّـتِـه الخفيفــــةِ،
سوف تأتي الطائراتُ. وسوف تنقضُّ الصواريخُ البعيدةُ بغتةً في هدأةِ الجنديّ.
تلك الساعةُ الدقّـاقةُ السوداءُ ( جاء بها إلينا أرمنيًّ )سوف تعلو في الهواءِ
( كأنها من صُنعِ سـلفادور دالي )... لم تَـعُـدْ في بصرةِ البِــصريِّ
أروقةٌ ، ولم تعدِ القناطرُ ( وهي من جذع النخيلِ ) صراطَنا نحوَ السمـاءِ .
الليلُ مُـنقَـضٌّ...سنسكنُ في مقابرنا. أليس البومُ أجملَ ؟
غَـنِّـنا يا قاطعَ الأوتارِ، غنِّ...
الليلُ مشتعلٌ بنيرانِ القيامةِ، والضفافُ مليئةٌ بمسابحِ الألغامِ ، والأسـماكُ
صارت تأكلُ اللحمَ المدوِّدَ مثلَـنا.
غنِّ، " المقاهي أغلقتْ أبوابَـها"...
غنِّ !

              ( 5 )

الليلُ ببغدادَ يجيء سريعاً . الليلُ ببغدادَ يُقيمُ طويلاً . منذ قــرونٍ
والليلُ ببغدادَ يجيء سريعاً ويقيمُ طويلاً . ســيقولُ الحدّادون سئِمْنا
العيشَ، صناعتُنا السيفُ ، وصنعتُنا الضّعفُ . يقــولُ النجّـارون
سـئمنا العيشَ، صناعتُنا التابوتُ . يقولُ الحَـذّاؤون سئمنا العيش،
صناعتُنا جزماتُ الجيشِ. يقول الشعراء سئمنا العيشَ ، صنـاعتُنا
أصباغُ الوجهِ. يقول أطبّـاءُ المستشفى نحن سئمنا العيشَ ، صناعتُنا
أن نصلمَ آذاناً أو نجدعَ ( مثل زمان الحَـجّـاجِ) أنوفاً. ويقول الحلاّجُ:
تُـرى ، هل صار الحلاّجُ الناسَ جميعاً ؟
قمرٌ يتطاولُ. والنجمُ تضاءلَ. أين منائرُ وادي الذهبِ؟ الخيلُ مُـطهَّـمةٌ،
والناسُ سـواسيةٌ، والحجرُ الأسـودُ في البحرينِ. كأنّ سماءً من قصديرٍ
تُطْبِـقُ. يا أخبارَ الصحفِ الأولى، يا أشجارَ السبيِ ، ويا أرصفةَ النفيِ...
الليلُ ببغدادَ يجيء سريعاً. أسـرعَ من صاروخِ قيامتنا، أسرعَ حتى من
صاعقةِ الرؤيا. أحياناً نتذكرُ أنّـا بشـرٌ، أنّ لنا ، كالحيوانِ، عيوناً ...
أنّ لنا أطرافاً تتحركُ أيضاً. نحن بلا أسماءَ...لماذا تُرخين ضفائرَكِ الأبنوسَ
على زندي؟ ولماذا يتمشّـى زندُكِ هذا العاجُ على شفتيَّ؟ لماذا ترتعشين؟
ألِـلَـذّةِ ترتعشينَ؟ أنا أغمضتُ العينينِ وأعطيتُكِ أجنحتي. سنســافرُ،
قولي: سنسافرُ...قولي إن الناسَ يعيشون على القاراتِ القمَـريةِ كالناسِ.
وقولي إن لديهم أروقةً وحدائقَ...سوف تهدهدني كلماتُـكِ حتى الموت.
الموجةُ تتلو الموجةَ
كان بدجلةَ بيتُ الساحرةِ . الضفةُ العاليةُ اصطفقتْ بالماءِ الأحمرِ. سوف
نشـيِّـدُ عاصمةً ، ونمـدُّ جســوراً.
لكنّ اللوحةَ تهتــزُّ...
اللوحةُ وهي على الحائطِ تهتزُّ ،
ونسقطُ منها. أنتِ. أنا . نسقطُ منها. ها نحن غريبانِ هنا ، ها نحن فقيرانِ
هنا ، يُـرعدُنا البردُ ، وينهشنا الجوعُ ، ويهتكنا الجرَبُ الضـــــاري
مثلَ كلابِ البدوِ ،
ســلاماً يا أرضَ الثمرِ الأولِ
يا أرضَ الطينِ المعجونِ بآلهةٍ...
يا نبعَ الريحانِ
ســلاماً...

             ( 6)

مقهىً ل" سـيدوري " على البحرِ:
السفائنُ ألقتِ المرساةَ فجراً ، وهي تنتظرُ المسـاءَ ليلتقــي
البحّـارةُ الحكماءُ تحتَ سقيفةِ المقهى. و سيدوري تهيّءُ منذُ
أزمانٍ ، موائدَها، وتمشُـطُ شـَعرَها ، وتُحـاورُ المرآةَ...
في الأفقِ البعيدِ سلآلمٌ تَـرقى وأبخرةٌ.
ستَـنبتُ ، بغتةً ، صفصافةٌ.
قصبُ السقيفةِ كان مضفوراً ومؤتلقاً.
زلابيةٌ سقيفةُ ذلك المقهى...
وخمـرٌ في الجِـرارِ
وفي الجفَـناتِ ترغو ، حرّةً ، جُـعةُ الشعيرِ
وفجأةً، نادى المـُنادي:
أين سيدوري؟
وعادَ الصوتُ يطفو كالنوارسِ :
أين ســيدوري؟
وسـيدوري تهيّءُ منذُ أزمانٍ ، موائدَها ، وتمشطُ شَـعرَها ،
وتُـحاوِرُ المرآةَ...
ســيدوري ، سـتُـجلِـسُ ، في المساءِ ، الكونَ
سوف تكونُ ربّـتَـهُ
وسـاقيةً تُجالِـسُ أهلَـهُ ، البحّـارةَ الحُـكماءَ
سـوف تقولُ ســيدوري نُـبُـوءتَـها
وتُـعلنُ صوتَـها
أعلى من الصفصافةِ الأولى
وأعلى من سلالمِ ذلكَ الأفقِ البعيدِ...
وسوف يجلسُ حولَـها البحّــارةُ الحُـكماءُ
في أســمالِـهم
وعلى جدائلِـهم بُـروقُ البحرِ ، والملحُ...
................
................
................
السفائنُ سوف تُـقلِـعُ مرةً اخرى...

                                                    لندن   /  10 – 4 - 2002

الــعَـقَـبــة
                 ( 1 )

هي أيـْـلةُ التاريخِ
وهي الآنَ إيلاتُ التي جاءت بها الكبَـواتُ واللهجاتُ
وهي ، بـنُـطقِـنا ، وغماغمِ استقتالِـنا :
الــعَـقَـبةْ
تشِـفُّ كذرّةِ البلّـورِ أحيانَ اضطرابِ النبضِ
أرضَ مَـقاتلٍ لصحـابةٍ ومُـجاهدينَ
وواحةً مســكينةً للسـِّــدْرِ
درباً نحوَ مـؤتةَ والشّـآمِ
ونحوَ أن تنداحَ موجةُ ذلك الرملِ المؤجَّـجِ
ذروةً
أو وردةً من وقدةِ الصـحـراءِ
تندفعانِ أعلى ثم أعلى
في الهبـاءِ تدوِّمـانِ لترفعا مُـدناً
وألـويةً
وعشـراً من قلاعٍ
حيثُ تسـتهدي كراديسٌ مدجَّـجـةٌ
نجـومَ النَّـقْعِ والصـلواتِ
............
............
............
سـوف يئنُّ لورنسُ المهشَّـمُ عند إحداها .

                   *
ليس في القلعةِ أحدٌ / ليس ثَـمّـتَ حارسُ آثار/ البحر وحدَه /والصيادون تركوا زوارقَـهم إلى المقهى/
الشمسُ تغربُ في إيلات/ والقلعةُ العثمانيةُ تسـهرُ مرتديةً أسـمالَـها الفاخرة/لا قذائفَ من مدافع قديمة/
لا آثـارَ رصاصٍ/ الأســوار ُ الخفيضةُ تنهدمُ باستمرارٍ/ وقريـباً سوف يعلو السورُ المرمّمُ صقيلَ الحَجرِ/
المِـئذنةُ صُـبّتْ كاملةً بالإسمنت/والمهندسُ لم يحفظْ حتى لآجُـرّةٍ واحدةٍ حقَّـها فــــي هــواءِ
التاريخِ والبحرِ / سوف تكون المنارةُ أنيقةً في كامراتِ السوّاح الذين لا يأتون / الهــلالُ الجـــديدُ
ليس من الإسمنتِ / إنه من نحاسٍ سـريعِ الصدأ برطوبةِ الشـاطيء/
الــقلاعُ لا تُـولَـد مرّتيـن...
لنهبطْ ، إذاً ، إلى القاع.
الفرسانُ المسيحيون ، ثـبّـتوا خطوتَـهم الأولى إلى ما لن يبلغوه إلى الأبد :
مكّــةَ وشِـعابِـها.
المغِـيرون المسلمون ثَـبّـتوا في هذه القلعة الملتبسة، خطوتَـهم الأولى إلى ما لن يتركوه أبداً :
بلادِ الشام وأشجارِها.
الضبّـاطُ العثمانيون كان لهم هنا مفصلُ البحرِ والصحراءِ ،
والمدافعُ الأولى التي تدفعُ عن طريقِ مكةَ الطويلِ ، ما قد يقذفُ به البحرُ.
المشهدُ واضحٌ. واضحٌ كالسينما الوثائقية ، وجارحٌ،
إذاً ، لنهبطْ إلى القاع...
لنضعِ الأقنعةَ والزعانفَ
وحزامَ الرصاصِ
لنحملْ ، مثل جَـمَـلينِ ، غذاءَ رئتَـينا
ولْـننقذفْ في الأمواه العميقةِ
حيثُ الزُّرقةُ ســاحلٌ .

              منـظـر

نِـصفُ تفّـاحةٍ يختفي هادئاً في الجبال
تــاركاً في الخليج عموداً من النـورِ
           لا موجَ في البحرِ
لكنّ كلَّ الســـماءِ المحيطةِ بـي
تنشـرُ الآنَ قمصــانَها الأُرجوان
         نِصفُ تفّاحتي غابَ
لكننـي مثــل خيّـاطةِ الحــيّ
ما زلتُ أطوي على سـاعِدَيَّ السماء
        وقمصانَها الأرجوان

       (2 )

لا بحــرَ بين هــواءِ مصـرَ وبحـرِها
لا بحر بين هواءِ جَـدّةَ في الجنوب وبـحرِها
إنّـا تَـوحّـدْنا ببازِلتِ البراكينِ
التي اندفعتْ لتفصلَ قارتينِ
فـوحّـدَتنا
ثم دارتْ في مفاصلنا ، لننسـاها
.............
.............
.............
سـتُـحْـكِمُ شـوكةُ الصحـراء وخْـزتَـها
لتبتعدَ البراكينُ
التي بَـرأتْ من البازلتِ آلهةً
وماءً دافقاً
ومرارةً فيها تلوبُ الروحُ...
تُـحْـكمُ شـوكةُ الصحراءِ وَخْـزتَـها
وتدفعُ سُـمّـها فينا
فننسى كلَّ ما في الكون
كلَّ علامةٍ في الكونِ
إلاّها...

               *
 دهب/ شـرم الشيخ/ نويبع/ الغردقة/ الدرّة/ عيذاب/ الأسـماءُ تتخاطفُ مثل أسماكِ البحرِ الأحمر/
تتخاطفُ حتى تبلغ هَـرر ومُكلأّ حضرموت/ تتخاطفُ حتى تتمادى...إلى صَـحار ومضيقِ هُرمز
وبلادِ التاميل/تتخاطفُ حتى لَـتتركنا مدوَّخين/ أسماء وكواسجُ ودلافين/ وحوريّاتُ بحّارةٍ ثمليـنَ
بالخطرِ والعواصفِ/ سـيأتي حجيجُ مصرَ/ ومن هنا ستحملُ الجِـمالُ المُـرَفّـلةُ كسـوةَ الكعبةِ
التي كانت تُنسَـج بأناةٍ غيرِ مصريّـةٍ في متاهة القاهرةِ الـمُـعِـزِّيّـة/ " نحن مليئون بالسُّـمّ "
يقول رامبو الفتى/ مليئون بتاريخ الأسَـلِ والسيوفِ/ وهذه الجبالُ التي تُـرهق أكتافَنا منذ ملايين
السنينِ/ هذه الجبالُ السودُ / الجبالُ الوردُ / الجبالُ الرملُ / الجبالُ الجبالُ / من العقبة إلى عـدن/
أيّـانَ تهبطُ عليها، كما في المطر، قطرةُ ماءٍ؟ / ما نحن بسكارى/ نحن مدوَّخون بتاريخٍ لن يقرأه
أبناؤنا/ مدَوّخون ببحرٍ هو جحيمُ البحّـارةِ منذُ قرونٍ/ سِـكّـةُ الحديدِ اقتلعَـها البدو المُسيَّـسون
كما يقتلعون ضرسـاً مسـوّسـاً/ والجِـمالُ اشـتراها متعهدو العساكرِ/ نحن لا نركبُ البحرَ/

ماذا نفعل، إذاً ؟
ماذا تفعلين ، ايتها البدويةُ ، بجَـمالِكِ ؟ بالخِـمارِ المُقَـصَّـبِ ومِـشيةِ الهُـوَينى؟
وشفتاكِ الـمُـسوَدّتان المحمَّـرتانِ من لِـحاء الجوزِ؟
وثـيابكِ الـمُـضَـوَّعة ليلاً كاملاً بالبخور ؟
أنّى أذهبُ بكِ ؟
وأيّانَ الساعةُ التي سيدقُّ فيها قلبانا مثل مِهراسِ البُـنّ؟
سأرسُـمُكِ أيتها البدويةُ " المزركشة كشجرة الميلاد"...
سأرسمكِ ماثلةً على ناقةٍ أو كثيبٍ ،
سأرسمُ صورتَكِ الفريدةَ ألفَ مرةٍ...
لأبيعَها إلى ســوّاحٍ موهومين .

           منــظـــر

الفنــارُ القديـمْ
مُـطفأٌ
لم يَـعُـدْ في صخورِ المواضعِ بـحّــارةٌ
وحـدَه المـوجُ
يلمـسُ ، كالقطِّ ، كُـرسـيَّ مقهى.
دخانٌ من الضفةِ الثانيةْ
والسفينةُ تُـقْـلِـعُ.
من زورقٍ يتخطّـى الفنـارَ القديـمَ
شِــباكٌ تدلّـتْ ....

                ( 3 )

ســنُـوقِـرُ سـمعَـنا عمّـا يقولُ البحرُ
سـوف نُـشيحُ عن شمسِ الغروبِ
وملعبِ الأمواجِ ...
سوف نكون أتباعاً لهذا أو لهذا
نكتفي من كل قافلةٍ
بـخُـبزةِ مَـلّـةٍ
وبتمرتينِ...
وسوف ننسى كيف نرسمُ بالنجوم فُـجاءةَ الصحراءِ
والطــرقِ التي لا تنتهي...
لا بحرَ يغسلُ منتهى أحلامنا بالملحِ والمرجانِ والأسماكِ
لا صحراء تُـنبِـتُ وردةَ المجهول...
صِـرنا بين مُـصطَـفِـقَينِ ينطبقانِ
باعاً بعد باعٍ ،
كيف نُـفلتُ ؟
كيف نُـبعِـدُ أن تَـعُـدَّ عِـضادتانِ
دقائقَ الرملِ الذي سيكون مَـثوانا الأخيرَ
وعُـشّـةَ العشـشِ؟
............
............
............
اختفى المرجانُ
واندفعتْ ســراطينُ الشـواطيء نحوَ مأواها.

                 *
لا جملَ لدينا ولا سـفينة/ لا خيمةَ ولا منزل/ لكن لنا أن نسـألَ عن المأوى/
والعقبةُ خاويةٌ على عروشـها/ العشيرةُ أمستْ شيخاً/ والشيخُ في الحــاضرةِ
البعيدةِ/ كلُ شيء مؤجَّـلٌ مثل ديونِ الجنود/ العقبةُ مؤجلة/ الحروبُ في الكتب/
والسلامُ في الدفاتر/ونحن: لا رَكْـبٌ ولا بَـحّـارةٌ/ نحن في هذه العقبةِ حسبُ/
علينا ،إذاً ، أن نختلقَ المأوى/ ليكـنْ لَـبِـناً وصفيحاً/ليكن ألواحاً ممّـا ألقت
السفنُ/ليكنْ حبالاً وأنسجةً مموّهــةً/ ليكن العراء...
هكذا بنَينا ، نحن اليتامى ، العقبةَ الفقيرةَ ، مأوىً ذا دروبٍ متربةٍ ودكاكينِ فولٍ
وفلافل/ لنا أيضاً مقاهينا/ حيث الشايُ ذو القروش العشرة/ وورقُ اللعبِ المهتريء/
سـائقو الشاحناتِ والمهـرِّبون بين مرافيء البحرِ الأحمرِ يسكنون أفئدتَـنــا
وحجراتِـنا العارية/ أين سنذهبُ هذا المسـاء؟ بار روميرو مفتوحٌ عند البحر/
حانةُ إلكازار أيضاً/ وناصيةُ علي بابا/ ثمّـتَ مشاربُ سـريّـةٌ وفتيـــاتٌ
-         إنْ شئتَ- / أنت تفضِّـل الشايَ بالنعناع/ نادي الغوصِ الملكيّ (سـوف
يباع ) أغلقَ بوّابتَـه في الرابعة/ لماذا تنظرُ إليّ بالنظر الشّـزرِ ؟/ أتقول إني
لا أعرف كيف أقودك؟ / فـلْـنذهبْ إلى إيلات ...
الصباحُ في العقبةِ باكرٌ دائماً/ ثمّـت طراوةٌ وشـجرٌ مبتلٌّ بـرطوبةِ الليلِ /
والتلاميذُ في الشارع الضيّـق/ يحملون أرغفةً ساخنةً فيها حبّـاتُ فلافل/
المَـسْـمكةُ تُـعلِّـقُ ( مثل الخراف ) أسماكَ التونة/ والحلاّقون ينفضــون
عن كراسيّـهم ما تبَـقّـى من شَـعرِ البارحة/ فلاّحو العقبة (مصريون )
جاؤوا إلى السوقِ بالفجلِ الأحمرِ والنعناعِ والكزبرة/ شارعُ الحمّـامــات
لم تُـفتَـحْ مقاهيه بَـعدُ.
الحـيُّ القديم يضجّ الآنَ في حُـمّـى الهاجرة.
السلامُ عليك يا بن عبد الله ...

مــنظــر

الجبــالُ رماديّــةٌ
غير أنّ الرماديَّ ينكشفُ الآنَ
أبيضَ / أزرقَ مثلَ الضّــباب...
النُّــخَـيلاتُ مُزرقّــةٌ هي أيضاً
وفي البُــعدِ
في أوّلِ الكونِ
يبدو الســحاب ...

                               العقبة – عمّـان    12-16/ 1 / 2001

السّـــؤال الصّــريح
 
قُلْ لماذا يُـعَـذِّبـكَ الشوقُ لامرأةٍ ؟
أنتَ في منتهاكَ...
الحديقةُ مخضــرةٌ
والرفوفُ التي تتأملُ ملأى بما سوف تمضي بعيداً  بهِ
والســماءُ انجلتْ بغتةً
والقميصُ الذي ترتدي الآنَ ... سَــبْطٌ نظيفٌ
وبَـعدَ دقائقَ عشــرٍ سـتأتيكَ ســيّـارةٌ
لتغادرَ نحوَ المــطارِ ...
إذاً
قــلْ : لماذا يُعذبكَ الشوقُ لامرأةٍ ؟
...........
...........
...........
هل سَــئمتَ الحياةَ الرخِـيّـةَ ؟
أَمْ هل سَــئمتَ الحياةَ الرضِـيّـةَ ؟
أمْ هل سئمتَ الحياةْ ؟

                                                لندن – 10 / 7 / 2002

الشّـــايُ في الشـــرفةِ
 
يشربُ النبتُ في شُـــرفة البيتِ شــاياً من الياسـمينِ
الصباحُ تَدلّــى بسُــلِّـمهِ
وتســلِّـقَ أوراقَــهُ
وهو الآنَ يضْـفرُ لي تاجَــهُ في الجبينِ
الطريقُ الذي لا يؤَدِّي ، يُـلَـوِّحُ لي إذْ يَـلُــوح
لن تَـمُـرَّ هنا الحافلاتُ
اتَّــئِـدْ
واشــربِ الشــايَ في شُــرفةِ البيتِ
ولتتعلَّــمْ ، ولو مَـرّةً ، كيف تستقبلُ الطيرَ

                                                لندن – 30-6-2002

أميرٌ هاشميٌّ منفيٌّ في لندن
 
كلَّ صباحٍ أفتحُ عينيَّ على الغيمِ
الممطرِ دوماً
والأبيضِ أحياناً.
أنا لا أتصــوّرُ ما قالوا لي عن شمسٍ ثابتةٍ
فوقَ حِجازٍ...
قالوا أيضاً إنّ بلادي تلكَ ،
وإني سـأُتَـوَّجُ فيها ملكاً يوماً ما...
أنا لا أرغبُ في أن أُمســي ملكاً.
لكنّ الأجدادَ يُطـلّـون عليّ من الجدران
ومن غرفةِ مكتبتي
ينتظرونَ ،
وقد ســكنوا أُطُـراً ذهباً ، ودفاترَ يوميّـاتٍ
وفصولاً من كتبٍ لن أقرأها...
لُـغتي اختلفتْ
وثيابي
حتى عيناي هما زرقاوانِ ،
إذاً ، لن أمضي معهم:
يوماً في بغدادَ
ويوماً في مكّــةَ
يوماً في الشّــامِ
وآخــرَ في قصــرٍ مَلكيٍّ بالعقَبةْ
..................
لكني أســمعُ عن أنّ ملوكاً عادوا
عن أزهارٍ تسـتقبلُـهم بمطاراتٍ غامضةٍ
...................
ما شـأني؟                                            
ما معنى أن أُمــسي ملكاً ؟
................
................
................
سأُتابعُ منذُ اليوم ، دروسَ الموسيقى
وأطلبُ من أســتاذِ الرســمِ مُـرافَقتي
عبرَ متاحفِ روما
هذا الصيف... 

                                           لندن   12 –9 - 2001

إنطباعاتٌ مقطوعةٌ عن ســياق
 
دائماً في هذا الخريفِ الذي لا يشبهني
في هذا الخريفِ الذي يشبهني
في هذا الخريفِ الذي...
أسـألُ عن ورقةٍ واحدةٍ. ورقةٍ واحدةٍ ، حســبُ.

لكنْ ، ماذا نفعلُ بالأغاني؟
ورقُ الحائطِ مثقَـلٌ بالأناشيد
أناشيدِ الموتى
وأناشيدِ مَن يموتون...
مثقَـلٌ أيضاً بظلِّ بياضٍ خَفِـيّ.

فتاةٌ هنديةٌ
ربما كانت زعيمَ قبيلةٍ في البيرو
قبلَ ثلاثةِ آلافِ عامٍ
دخلتْ غرفتي ، لثلاثِ لحظاتٍ فقط
لكنها لم تخرجْ...
سـأبحثُ عنها حينَ تمرقُ المذَنّـباتُ
عندَ الوسادة.

البحارُ التي نعبــرُها
لن تكونَ بحاراً بَـعدُ
والأرَضـونَ التي ركزنا عليها الرماحَ
لن تُـنبتَ وردةً...
هكذا نختصـمُ والعالَـمَ
كأننا في التشـوّشِ الأول.

عــشرةُ آلافِ متشــردٍ
يلوذون بمُـلاءتي الصوفِ ـ
أنا النائمِ على الرصيف.
هكذا سـأظلُّ على الرصيف
حتى لو ابتنيتُ لي خيمةً من أدَمٍ

في سهوب " حُـلم آباد ".
لا تقولي : نحن اثنان ...
-        نحن الواحدُ المتشـظِّـي
قدرَ ما تحتملُ الشهبُ
قدرَ ما لانحتملُ...طبعاً .

                       كولومبيا ( ميدايين ) /   9- 6 - 2001

إرتيـــــاب
 
ثَــمَّ ، بين الغصونِ ، ســماءٌ طباشــيرُ
هل أكتبُ اليومَ فيها أغاني الســوادِ ؟
المروجُ التي تكنــزُ الخُـضرةَ اتّـسعتْ :
هل تكونُ السمــاءُ ، إذاً ، في الترابِ الخفيضِ ؟
لأحداقِنا أن تحارَ قليلاً
وأن تســألَ الآنَ عمّــا بدا ثابتاً ...
نحن لن نتثبّــتَ من صــورةٍ ،
فالمرايا حوائطُ
واللونُ محضُ اشتبـــاهْ
.............
.............
.............
لا تقُــلْ : ما أدقَّ الحياهْ !

                                        لندن   27-6-2002

إستيــحاش

تعالَـي
كي أمتنعَ الليلةَ عن تدخين القنَّـبِ
والتَّـبِـغِ الهولنديّ…

تعالَـي
كي أستمعَ الليلةَ للموسيقى
من فخِـذيـكِ المائستينِ ،

تعالَـي
كي أتنـقَّـعَ بالشفتينِ

تعالَـي
كي أسمعَ رِعشـةَ أعماقِ الدَّلتا
ضيِّــقةً
حولَ غُــصَـينِ…

الآنَ تعالَـي
كي أُضجِــعَ ، حتى الصحوِ ، العينينِ

تعالَــي
يا ضامرةَ النهدين…

                              لندن    18 – 6 - 2002

القهــوة تبرد في الشُّــرفة
 
الفانوسُ المتدلِّـي بين النبتِ المتسلِّـقِ لا يُرســلُ نوراً
لكنَّ عيوناً كانت تمنحُـه نورَ الشـرفةِ ...
كرسـيّـانِ وطاولةٌ ( الكلُّ بلاستيك )
وصينيّـةُ قهـوةْ .
لم تَـغِـبِ الشمسُ تماماً :
والسُّـرخُـسُ ما زالَ على الدوحةِ أخضــرَ
سـنجابٌ يقفزُ من أعلى ليغيبَ تماماً في الخُـضرةِ
آخرُ بيتٍ تبلغُـه عينايَ سيوقدُ مصباحَ حديقتهِ بعد قليلٍ ،
والقهوةُ تبردُ في الشــرفةِ
ثـمّـتَ أنفاسُ ربيعٍ تحتَ الطاولةِ ...
الشــرفةُ تبردُ في بُـطءٍ .
...............
...............
..............
لا تحُصي ، أيتـها المرأةُ ، أنفاسَـكِ
لا تَـتَّـخذي الفانوسَ رداءً ...
هل ألـمُـسُ كفَّـكِ ؟

                                  لندن   25 – 4 - 2002

الـــرِّحـــلة

آنَ أرضَعُ غصناً من التوتِ...
أمْتَـصُّ ذاكَ الحليبَ الـمُـفَــوَّهَ بالجَـنّـةِ :
الـضَّـوعِ
والعســلِ الأحمـرِ ؛
الشّــمـسُ في المــاءِ
والـماءُ في الخُـصُــلاتِ ،
ارتَـدى الزورقُ الصيفَ ، أوراقَ دالِـيةٍ
واصْطِـفاقَ شِـباكٍ ...
سـيأخذُني الـماءُ
تأخذنـي ، مثلَ ما أتَـمَـنّـى ، الســماءُ
ســأمضي إلى حيثُ لا أنتـهي ،
إلى حيثُ لا يـنـتهي التوتُ :
أمضي إلى حيثُ قد أبـتَـديءْ ...

                                                                لندن – 9 / 7 / 2002

أوكْـــتـافْـيـا
 
أوكتافيا ، لا تدخلُ من شُـبّـاكٍ...
أوكتافيا تقتحمُ السـلّـمَ ، وثْـباً ، حتى بابِ الشـقّـةِ
تقذفُ نحو الكرســيّ حقيبتَـها اليدويةَ
ثم تُــؤرجِـحُ ســاقَـيها
عابـثـةً بهواءِ الأوراقِ وما خَـلّـفَـهُ مطرُ الليلِ على الأحداقِ ؛
أقولُ لها :
" أوكتافيــا!انتظِــــــري!"
لكنّ لأوكتافيا شــأناً آخــــرَ...
...........
...........
...........
في عطلــتها الأسـبوعيةِ
( أوكتافيا تَـمْـلكُ مقهىً بَـلْـجيكيّـاً )
تأتي راقصـةً ، عبرَ البحــرِ ، لتـأكـلَـني متلذذةً
وتنــامَ عميقاً...
ثم تُـفارقـني في ثاني أيامِ الأســبوعِ؛
...........
أنا رجـلٌ ذو تَـبِـعاتٍ
لكنّ البلجيكيّـةَ لا تعرفُ هذا إذْ تعرفُ هذا ...
أوكتافيا تعرفُ أنْ لها عطلةَ أســبوعٍ ،
أنْ لها حقّــاً في أن تأكلَني ، مُتلذِّذةً
وتنـــامَ عميـقاً ؛
ثم تفارقني في ثاني أيــامِ الأسـبوعِ ...
............
إذاً ؟
هل أُدخِــلُ أوكتافـيا في تَـبِـعاتي ؟

                                                 لندن – 20 / 7 / 2002

لـم يتغيَّـرْ شـــيءٌ

لم يتغيّـرْ شــيءٌ
ما زالَ أبي يكــدحُ بين النخلِ وماءِ المدرســةِ،
الناسُ يقولونَ ...
ولكني أعرفُ نفسي خيراً حتى من نفســي؛
مثلاً:
أنا أعرفُ ما لا تعــرفُـهُ الصّـحُـفُ المأجورةُ ،
أو أني أعرفُ أنْ أتأمّـلَ في الشّــاطيءِ
أعني أني أعرفُ أن أتأمّـلَ في ذرّاتِ الرملِ
وفي ما يقذفُـه البحــرُ ، قواقعَ أو عُـشْـباً
أو أســماكاً ميِّـتةً ،
............
..........
..........
لم يتغيّــرْ شـــيءٌ :
مَــأوايَ هــوَ الغرفةُ، مُــفرَدةً ، في أحياءِ الفقراءِ
وقُــوْتي الـخُـبزةُ والعدَسُ ...
الأمــرُ ، إذاً ، أبســطُ من أن يخفَـى
أبسَــطُ من أن يُخـشــى ،
أرجوك...
...........
...........
...........
ســتقولُ ( لكَ الحقُّ تماماً ) إنّ العالَـمَ غيرُ العالَـمِ
إنّ منارةَ كارل ماركسَ مُـطْـفأةٌ ...
إنّ الشِّــركاتِ الـعُـظمى ، عابرةَ الأقوامِ ، مُـخَـيِّـمةٌ
حَــسَـناً !
ما شـأني أنا في هذا ؟
أنا ما زلتُ فقيــراً ،
ما زِلتُ فقيراً ، مثلَ أبي، أكدحُ، بين النخلةِ والمــاءِ...  

                                                                 لندن – 5 / 7 / 2002

قــتلَ فرهـــاد عــثمانوف ؟
Who killed Ferhad Usmanov?
www.war-against-terrorism.info

عند محطّــةْ
عند محطةِ مترو
عند محطةِ مترو آكْــتِـنْ تاوْن
أعني:Acton Town Tube Station
تحديداً…
أقرأُ : Who killed Ferhad Usmanov?
أنا لم أســمعْ باسمكَ يا فرهاد
لم أسمعْ ، من قبلُ، بفرهاد عثمان
( عثمانوف! )
لكني أسـمعُ في الليلِ الليلِ ، دويَّ الغاراتِ
بقاراتٍ تتراءى مائجةً في لُـججٍ وأعاصيرَ وأدخــنةٍ
أسـمعُ زخّــاتِ رصاصٍ
والصوتَ الســرِّيَّ لإطلاقةِ كاتمِ صوتٍ
أسـمعُ أبواباً تُـخلَـع في أحياء الغرباءِ
وأسمعُ أحياناً صرخةَ طفلٍ…
...........
...........
.........
أنا لا أعرفُ كيف أُناديكَ ،
وأيَّ رياحٍ سـأُحـمِّـلُـها صوتي كي تصلَ الرعشـةُ ...
هذا الليلُ طويلٌ ، يا فرهاد
سـأظلُّ ، إذاً ، أبحثُ عنكَ...
ومَـن يدري...، قد نبلغُ ، في مَســـرانا ، بغداد
أقولُ: القارةُ، أمستْ ، في هذا الليلِ، القريةَ
نعرفُـها درباً درباً
نعرفُ فيها الساكنَ والمسـكنَ
والمنبعَ والأشجار
ونعرفُ أيَّ فتاةٍ ترقصُ
أو أيَّ فتىً يرتجلُ الأشعار...
لكني ، مثلك، يا فرهاد
لا أعرفُ من أين تجيء رصاصاتُ السُّــمِ
ومـن أيّ كهوفٍ قبل التاريخِ يجيء الإنسـانُ- الذئبُ
ويندفعُ الإعصــار...
...........
..........
..........
فلْتـرقُـدْ يا فرهاد
ارقُــدْ
واتركْني في وحشةِ هذا المســعى
في وحشةِ هذي الأشــعــارْ

                                              لندن / 26-6-2002

ما أصعبَ الأغنيــة !
                                   ( قصيدة إشـارة )

مَـن تُــرى ، أرســلَ الأغـنيـة ؟
لا أقولُ الهـواءُ الذي يتبعــثرُ بين الشــجرْ
لا أقولُ القطاراتُ تهدرُ تحتَ الغيومِ الخفيضةْ
لا أقولُ انتهيتُ من الـحُـبِّ أمسِ ...
أقولُ : ليَ الصوتُ
تَـمتـمـةٌ
وتَـمائمُ
تَـرتيلُ تَـرْ ،تـَرْ ، و تَـرْ ،تَـرْ... تراتيلُ
تَـرتـدُّ
ترتادُ
ترتاحُ
تنداحُ
تَـرْفَـضُّ
تَـنْـهَـدُّ
تَـرتَـدُّ ...
..........
..........
..........
تَـنـويـمـةٌ، أن نغَـني ، وأن ننتهي
أن نتـمتـمَ من منتهى التمتمـاتِ
النســيمَ
النبيذَ الذي ظلَّ منتظِراً كلَّ تلك الســنينْ
والبســاطَ الذي لم يكــنْ
والنســيجَ
النسيجَ الذي لن يُـرى
والنـشــيجَ المباغِـتَ ،
.............
............
ما أجمـلَ الأغنــيـةْ !

                                                  لندن – 19 / 7 / 2002

قلعــةُ ألْسِــينور ( قلعة هامْـلِـت )
 
الخندقُ ذو الماءِ الأخضــرِ تعْـبُـرُه أغصــانٌ وعصــافيرُ
وتَـعبُـرُهُ أحذيةُ السـوّاحِ
وأشبــاحُ البحّــارةِ في سُـفُـنٍ غرقتْ...
أنا أعبُـرهُ أيضاً ،
لكني أتحَـسّـسُ ألواحَ الجســرِ
أُحِـسُّ  بها  لـيِّـنةً
ومُـباغِـتةً
ماءً في لونِ الخشــبِ...
القلعــةُ تسـكنُ في القلْـعةِ
كالــدّمِ في الـدَّمِ ،
أنتَ ، اللحظــةَ ، لن تتقــرّى ألواحاً أو حـَجَـراً
لن تدخلَ من بابِ التاريخِ
ولن تأنـسَ باللوحاتِ المعروضةِ في البهــوِ
ولن تســمعَ وشــوشــةَ البحـــرِ
الآنَ ســتدخلُ في نفسكَ
كالحَـلَـزونِ اللاّئــذِ بالقوقعـةِ ...
.............
.............
.............
الآنَ ، ســتهجِـسُ وقْـعَ خُـطىً في ليـــلٍ ناءٍ
وسـتُنـصِـتُ للأنفاسِ المكتومةِ
تُـنْـصِـتُ للدّرَجِ الصاعِـدِ نحــوَ الأســئلةِ ...
انتـبِـهِ الآن !

                                                    لندن – 9 / 7 / 2002

مُسَـــوّدةٌ أُولــــى

سـوف أمضي إلى المغربِ :
انفتحتْ بابُ " ســبتـةَ "...
لو أمهلَــتْـني قليلاً لخيّـمتُ خارجَ سـورِ المدينةِ
وابتعتُ كوزاً
وصحنــاً
وأعـلَيتُ من بُرنســي منزلاً
وأقمتُ الصلاة .
..........
..........
..........
غير أني دخلتُ ، فلم يكترثْ حجرٌ لي
ولم تلتفتْ ، في الغصون ِ ، المُــطـوَّقـةُ
الآنَ أمضي إلى منزلٍ بالضواحي
إلى منزلٍ بالضواحي القصـيّـةِ ،
فلْتتركيني وحيــداً
مع الكوزِ
والصحنِ
والبرنسِ الصوفِ :
إنّ ســبيـلي الفلاةْ ...

                                 لندن    27-6-2002

صــباحٌ مـا

قد تُتمتمُ : تَـمّـتْ تمارينُ هذا الصباحِ ...
احتسيتَ ، بلا سُـكّـرٍ ، قهوةً
واستمعتَ إلى نشــرةٍ
ولففتَ الســجارةَ معتنياً ، ثمّ دخّــنتَـها
هكذا ، في دقائقَ ، وانفلتَ اليومُ ...
في الحوضِ لم تكنِ الحنفيّـةُ مغلقةً جيِّـداً
كنتَ تسمعُ من غرفةالنومِ أرواحَــها تقطُـــرُ...
الشمسُ لن تُـجتلى
أمسِ كان المطرْ
وغداً لن يكونَ الســـفرْ
..............
..............
..............
غنِّ ، إنْ شــئتَ
غنِّ :
الســبيلُ إلى بيتها إســمُـهُ المســتحيلُ.

                                                       لندن   29-6-2002

مُـتَـغـايِــرات 1

لا فجْــرَ في عدَنٍ ...
كأنّ الصُّــبحَ سَــمْـتُ الشَّــمسِ
والبحرَ الـمُـحيطَ الفورةُ الأولى بـمُـبتَـدأِ الخـليقةِ ،
قُـلتُ يوماً : سـوفَ أُمْــضي الليلَ عندَ البحــــرِ
رُبّـتَــما اقتنصتُ الفجرَ
مثلَ الحُــــوتِ
أو مثلَ الحمامةِ ...
كان سِــيفُ البحرِ مرتخــياً ومُــؤتَـلِـقاً
طَــوالَ الليلِ ،
والأسـماكُ ، ناصعــةً ، تَـقافَــزُ ؛
لم أشــأْ أن أُغـمِـضَ العينينِ ،
كنتُ أريــدُ فجراً فــي يَــدَيَّ ...
فُـجاءةً
ونــدىً ؛
ومضـيتُ في حُــلمي ...
............
............
............
تُـرى ، هل أُغمِـضَتْ عينايَ ، لَــحظةَ طِــرْتُ ؟
أمْ هـل كانَ إيكاروسُ في وهَــجِ الحريقِ !
..............
..............
..............
صـديقتي:
لا فجْـــرَ في عدَنٍ ...
 
                                                       لندن – 10 / 7 / 2002

مُـتـغـايرات 2

هذه البلدةُ الـمُـطْـمئنة ُ تبدو من البحــرِ
قَــفراً
بلا ســاحلٍ
غيــر خَـطَّـينِ :
أخـضرَ : حيثُ امتدادُ الحــدائقِ
أبـيضَ : حيثُ امتدادُ الفنــادقِ
أمّـا المصــابيحُ فهي العيــونْ ...

هذه البلدةُ المـطْـمئنةُ تبدو من التـــلِّ
زهــراءَ
ورْديّــةً
تتدافَـعُ أمواجُـها في الشــوارعِ
حيثُ الـمَـماشي غـصـونْ ...

هذه البلدةُ المـطمـئـنّـةُ
لن يَـتَـرذْرذَ بالـماءِ فيها أحــدْ
لن يـغامرَ في البحرِ ، حتى ولو سـنتيمتراً ، أحــدْ
لن يـغادرَها الـمُـتـرَفونْ

زُمَّــجُ  المــاءِ
والنَّـورسُ الكَـهْـلُ
هُــمْ أهْـلُـها الأقــربون ...

                                                  لندن  -   10 / 7 / 2002
 ـــــــــــــ
* البلدة المعنيّـة هي " إيسْـتْ بورن " Eastbourne


مُـتَــغايِـــرات 3

هذه الشّـقّـةُ في باريسَ
( أعْنــي في الضّـواحي الـحُـمْـرِ ) ،
لم ألْـبَـثْ بها وقتــاً مـديـداً ...
( ربّــما عامَـينِ )
لكني ســقَـيتُ الوردةَ الـنّـضْـرةَ
واطـْـمَـأْنَـنْـتُ للأشــجارِ والـمَـخبزِ والـحـانةِ فيـها ؛
واســتَـعَـدتُ القلَـقَ الباردَ في الـهدأةِ
بل أرســلْـتُ ( هل تدري ؟ ) بريــداً
وتَـلَـقّـيتُ بـريداً ...
وتنسّـمتُ بها ، ضَـوعاً من الفردوسِ ، في آخِــرةِ الليلِ
وصُـبْـحاً ياســميناً ...
( خَــلِّـنا من حـســرةِ الـذكرى ! )
.............
.............
.............
أقولُ الآنَ :
إنّ الـمَـرءَ لا يَـأْلَـفُ إلاّ ما انتهى منهُ ...
ألَـسْـنا نتـركُ النــهرَ إلى النبعِ؟
ألَـسْـنا نتـركُ النــومَ إلى الحُلمِ ؟
ألـسـنا نتـركُ الـنَّـهدَ إلى الرَّسمِ ؟
...........
...........
...........
أقولُ الآنَ :
باريسُ أراها ، هكذا ... ، مَـنْـثورةً
بـيـنَ يَـدَيّ !

                                                لـندن – 11 / 7 / 2002

طـــبيعـة

مثلَ ما تنعقدُ الأبخرةُ البحريّـةُ ، الظُّـهرَ ،
على خِلْجانِ " بابِ المندِبِ "...
استلقَى على الأشــجارِ ، في غربيّ هذي البلدةِ، الغـــيمُ .
تُـرى، إنْ كان هذا الصيفُ ، صيفاً
فلماذا  يُـطْـبِـقُ الغيمُ على عينــيَّ
أو يَـبْـلُـغُ ما تحتَ القميصِ ؟
ارتَـعشــتْ في الدوحــةِ الـرَّطْــبةِ أوراقٌ ...
أ تأتي ، بَـغتةً ، فـاخِـتَـةٌ ؟
أنْـصِـتْ !
ســيهتَـزُّ، بِـما لا ينتهي، خَــيطُ الذّهـــول .

                                                 لندن -  6 / 7 / 2002

دعــوة عشــاء

هيّـأتُ مائدتي ( لقد حـلَّ المســاءُ )
وقُـلْـتُ : قد تأتــونَ...
فـكّــرتُ ؛
الحيــاةُ طــــــويلـةٌ
ولَـرُبّـما لا يســتحقُّ الأمرُ هذا الطّــــولَ ،
فـلْـنجلـسْ قليلاً حولَ مائدةٍ
لِـنَـنْسَ فَـداحةَ الأشــياءِ
والبابَ الـمُـواربَ عندَ منعطَـفِ الطريقِ السـاحلـيِّ
وبــاقةَ الزهرِ التي ذبُـلَـتْ ،
لِـنَـنْـسَ كلامَـنا
وتَـلَـكُّـؤَ الفَـتَـياتِ
والأوراقَ
والشــمسَ التي غـربَتْ ...
.........
.........
.........
لقد هيّـأتُ مائدتي
وقُـلتُ : لَـعَـلَّـكم تأتون ...

                                        لندن – 11 / 7 / 2002

إحساسٌ مضطــربٌ

أمسِ ،
قلتُ : انتهتْ ســنواتُ العذابْ
أنا ظَـهري إلى حائطٍ
والقبورُ أمامي بغَــربيِّ لندنَ
والفجـرُ ، دوماً ، ضَـبابْ .
............
............
............
أمسِ ، قلتُ...
ولكنّ تلكَ الصنوبرةَ المستقيمةَ في البُـعدِ ، لم تَـتَّـركْ لي ،
ولو لحظةً ، شـاطئاً للتأمُّـلِ. تلكَ الصنوبرةُ استقدمتْ ،منذُ
يومينِ كِـيزانَـها وثعالبَـها والسّـــناجيبَ والطيــرَ،
واستقدمتْ غيمةً تسـتقـرُّ على جبهتي ، ثم نَـسراً بأجنحةٍ
من هُـلامِ ، ومَـدّتْ على مَدخلِ البيتِ أغصـانَـــها
وهي مضفــورةٌ كالـشِّـباكِ الخرابْ.

انتظرتُ...

الصباحُ انقضى. واسـتراحتْ على الشُّـرُفاتِ الظهـيرةُ.
قَـلَّـتْ على الشارعِ الحافلاتُ.ولم يبقَ إلا المســـاءُ .
اقتنعتُ بأني سـجينٌ ، وأنيَ لا أكرهُ الســـــجـنَ
( فالمرءُ يألَـفُ ) قالَ لنا المتنبِّـيءُ. في بغتةٍ ألمـحُ الشيبَ
يَنبتُ في راحتَـيَّ. الكلامُ العجيبُ ، إذاً، قد تَـحــقّقَ.
ها أنذا ألمحُ الشيبَ، فعلاً، على راحَـتَـيَّ،بلونِ التـرابْ.

انتظرتُ...

الصنوبرةُ استجمعتْ ، كالرياضيِّ، أنفاسَــها. والصـنوبرةُ
اندفعتْ بثعالبِـها والسناجيبِ والغيمِ والطيرِ والنَّـسرِ ....
وال...وال...
وراحتْ تدقُّ على البابِ مجــنونةً ، تتــقاذَفُ كيزانُـها؛
والفــروعُ علـــى جبــهتي إبَـرٌ واضــطـرابْ.

أنا ظَــهري إلى حائطٍ...
والقبــورُ أمـامي بغــربيِّ لندنَ
والفجــرُ ، دوماً ، ضــبابْ .

                                                 لندن   17 – 4- 2002

حــــــوار

قال لي آنَ كانت رياحُ الخريف
تتناوحُ بين التلالِ المحيطةِ :
هل نحن ، ياصاحبي ، صخرتان ؟
كم تناوحتِ الريحُ
كم نابَـنا القَـرُّ
والضُّـرُّ
كم ضاعَ منّـا الرهان ...
ولكننا ، ههنا ، الواقفان .
.............
..............
..............
قلتُ : لا تبتئسْ
نحن عينُ الزمان...

                                             لندن   27-6-2002

شُـــرفةُ هامْـلِـتْ 1

" سِــجنٌ هي الدانيمارك " ...
مَـرْقاكَ الوحيدُ إلى الحياةِ ، الموتُ في مَـرأى أبيكَ ؛
القلعةُ الليليةُ انطبَـقـتْ
أقوقعةُ القيامةِ تلكَ ؟
أطبقتِ الظلالُ على السّلالــمِ ...
سـوف يقول هوراشـيو :
تَـمَـهَّـلْ ، يا أمــيرُ !
الليلُ أعــمقُ من مَـخاوفـِنا ،
وأخـطرُ من معاركِ أمسِ...
أنتَ عرفتَ ما لايعرفُ القدماءُ والبحّــارةُ الحُـكَماءُ
أنتَ عركْــتَ نفسـكَ
واســتعذْتَ بها
ولكنّ الدّجــى أبَــدٌ ...
ويـقول مارسيليوس مرتبكاً :
تَـمَـهّـلْ يا أميــرُ ...
ألــمْ تَـقُـلْ: سِــجنٌ هي الدانيمارك ؟
ماذا ســوف تلْـقَـى من مُتابعةِ الصّـعود ؟
ومَـن ، تُـرى، تَـلقى؟
أبــاكَ ؟
لقــد رأيناهُ ،
وكانَ مُـسَـلَّـحاً ...

           *
الليلُ منتصِـفٌ
وهذي القلعةُ البحريّــةُ ارتطَـمَـتْ بـشـاطئها
و هامْـلِـتُ
يصـــعدُ الـمَـرْقَـى ...

                                                       لندن – 3/ 7 / 2002

شـُــرفة هامْـلِـتْ 2

هنا ، كان رُوزِنْـكْـرانْتْـس واقفاً :
لم تكنْ شُــرفةً ( مثلَ ما ألِـفَ الناسُ ، أو مثلَ ما جاءَ في الكتُـبِ ):
البحــرُ هاويةٌ
وهيَ كانتْ مَـطَـلاًّ  على الهاويةْ
لكنّ روزنكرانتس يراها كما قد يرى البرزخَ
( النقطةَ الصِّـفْـرَ بين الحياةِ وأُقْـنُـومَــةِ الزاويةْ )
كان روزنكرانتس يراقبُ ما يقذفُ البحرُ
ما يتكسَّــرُ من سُـنَـنٍ أو سـفائنَ
يَـرقَـبُ بَـحّـارةً
وقَـباطِـنَـةً
يـنـزلـــونَ هنا
يرحلون ، مع الفجرِ ، أو في ليالي العواصفِ عاتيةً ، من هنا .
آهِ روزنكرانتس !
أنتَ تصنــعُ ، من كلِّ ما قد ترى فيهِ أسئلةً ، مسْــرحاً
( ولْـيَـكُـنْ مثلَ ما شـئتَ أن يتبـدّى، بســيطاً  )
غـيرَ أنـكَ ممتـحَـنٌ ، يا صديـقـيَ ، هذا الصَّـباحَ:
ســفينةُ هاملت ألقتْ مَـراسـيَـها
الآنَ...
والمســــرحيّـةُ لم تبتديءْ ، بَـعدُ
...........
...........
...........
ألمســـــرحيةُ لم تبتديءْ ، بعدُ
فَـلْـتَكشِـفِ السِّـرَّ ، روزنكرانتس :
أتكونُ انتهــتْ ؟

                                                   لندن – 3/ 7 / 2002

شُـــرفةُ هامْــلِـتْ 3

أنا الآنَ في الـمَـرْقَـبِ :
الريحُ تدخلُ في البحرِ
والبحــرُ يدخلُ في الــريحِ ،
مِـلْـحٌ هــو الأفْـقُ
حتى الســفائنُ ، في المـرفأِ الجَـهْـمِ ، تبدو مشـوَّشــةً ؛
والصَّــباحُ الذي أرتـجي
ليس في الدانيماركِ...
المســاءُ ســيأتي
وفي مهبِــطِ الليلِ ، ينعبُ ، أوحشَ من خندق القلعةِ ،الـبُـومُ
 والليلةَ : الحفــلةُ المـلـكيّـةُ ...
............
............
............
فَـْلأحتَـفِـلْ :
أنْ تكونَـكَ أو لا تكونْ
آنـَــها  سـيجيءُ الجنــونْ .

                                                  لندن – 4 / 7 / 2002

ذلك النهار المـمـطر

ليسَ لأنّ نهاراً ذا مطرٍ يطرقُ نافذتي مثلَ اللصِّ عجيــباً .
ليسَ لأني في هذي الصحــراءِ المائيّـةِ ، ليس لأنّ الشمسَ
أقامتْ في كتُبٍ للرحّـالةِ والشّـعراءِ ، وليس لأنّ ...
أقولُ : أنا مُـضنىً بملائكةٍ ينتظرونَ. الأشجارُ هي الأشجارُ
ولكني أبحثُ عن ظِـلٍّ. والمطرُ الـمُسّـاقِطُ ليس مياهاً .
عبرَ خرائطَ في النبضِ تَـمَـوَّجُ أنهارٌ وسفائنُ من لوحٍ ،
وزوارقُ من بُـرديٍّ... مطرٌ لا يبلغُـني. مطرٌ لا تبتلُّ
الشفتانِ بهِ. تلتمعُ القضبانُ الخُضرُ ( سياجُ المقبرةِ البولونيّةِ)
بالنورِ المائيّ. وأبعدَ ، أبعدَ ، تشربُ أزهارٌ وشــواهدُ.
لن ألمحَ سنجاباً أو طيراً. أُرهفُ أضلاعي للمــوسيقى.
 
كانتْ في الشُّـرفةِ. والشمسُ أقامتْ في رُكنِ حـديقتها
بيتاً لتلاوينِ العشبِ، وللورقِ اليابسِ. لم تكنِ المرأةُ تَنظرُ
أو تنتظرُ. المرأةُ كانتْ غائبةً. أنا وحدي كنتُ أُلَـملِـمُ
صورتَها ، والأعضاءَ ، وذكرى القُـبلةِ في زاويةِ المقـهى
يوماً ما... ما أنْـبَتَ هذا الأخضرَ في الأزرقِ؟ موسيقى.
شمسٌ من جُـزُرٍ ذاتِ براكينَ. المرأةُ توشـكُ أن تتحركَ،
أن تبدو، أن تتشـكّـلَ. هاأنذا ألمَـحُ خُصلةَ شَــعرٍ
سَـبْـطٍ...مُـكتَـنَـزاً من شـفـةٍ سُـــفلـى.
موسيقى. والشُّـرفةُ تغدو شُـرفةَ بيتٍ: طاولةٌ صُـغرى.
كرسيّـانِ. زجاجةُ خَـمرِ.قدَحانِ.وحبّـاتٌ مــن
مُـشمُـشٍ إسـبانيا. في زاويةِ الشّـرفةِ نبتةُ صُـبّارٍ .
تلتفتُ المرأةُ. ها نحنُ اثنانِ.سنسكنُ فــي الشّـرفةِ.
سوفَ تجيءُ الشمسُ إلى كأسَـينا.سوفَ نرى اللحظـةَ.
موســيقى...

المطرُ الـمُـسّـاقِـطُ يَـسّـاقَـطُ.
كنّـا خلفَ زُجاجِ الشّـرفةِ. والغُـرفةُ باردةٌ شيئاً ما.
غُـرفتُـها كانتْ تَـلْـتَـزُّ برائحةِ الأصباغِ، وضَوعِ
السـجّـادِ القرغيزيّ. كأنّ رطوبةَ هذا اليومِ التصقتْ
تـحتَ قميصي. تمنحُـني المرأةُ من شفتَـيها الجمرةَ.
هل غَلـغلتِ  الجمرةَ تحتَ قميصي؟ أحسـسـتُ بأني
طَـوّافٌ في أرضٍ ذاتِ عيونٍ ســاخنةٍ وتَضاريسَ .
أصابعيَ القدمانِ. وأنفاسي موسيقى وتَرٍ لا تتلاشـى.
موسيقى تَـصّـاعَـدُ أو تهبطُ . لستُ أرى مطراً .
عبرَ زجاجِ الشّـرفةِ كان الضـوءُ شـــــفيفاً.

لكنّ المطرَ الـمُـسّـاقِـطَ يَـسّـاقَـطُ
هذا المطرُ الـمُـسّـاقِـطُ يَـسّـاقَـطُ
يَـسّـاقَـطُ...
أشـعرُ بالمطرِ السّـاخنِ

بعدَ دقائقَ ، حسـبُ... سـأفعَـلُ حُـبَّـكِ
مثلَ ســريرٍ ضَـيِّـقْ.
..........
..........
..........
موســيقى.

                                          لندن – 6 / 9 / 2001

تقليبُ أوراق

            بِيـــر حَسَــن
كنا في وسَط الحــيّ
ولم يكنِ الطيرانُ الإســرائيليّ خفيضاً
أنت تظنُّ مُضادّاتِ" الآك آك " الأُضحوكةَ ؟
كنا بمدافعنا تلك نعرقلُـهم...
أنا لا أتحدثُ عن غيرِ الذكرى ( أرجوكَ ! )
ولكنّ السمتيّـاتِ الإســرائيليةَ ما كانت لتطاردنا
فرداً فرداً ...
كنا بمدافعنا تلك نذودُ عن الموقعِ
والمستودعِ
عن سـكّـانِ الحيّ
وعن شـبّـانٍ لبنانيينَ سـيأتون إلى موقعنا .

حَــــيُّ  السُّــلّــم
كنّـا في حيّ السـلّـمِ  في 82- -
تماماً في مثل معادلةِ اليوم ...
الإســرائيليون هناكَ
ونحن هنا ...
تفصلُـنا عنهم تلك الفُسحةُ
حيثُ الدبّـابةُ ، دبابتُـهم ، مَعطوبــةْ.

          مبــنى أبو إيــاد

لا أعرفُ مَن ســمّى المبنى باسمِ صلاح خلَـف
ولماذا...
هو ما كان ليســكنَـهُ
ما كان ليدخلَـهُ إلا يوماً في العامِ
وكان المبنى معروفاً في الشارعِ
كان المبنى مكشــوفاً للشارعِ
للناس
لسيارات الخدمة في " الفاكهاني "
ولطلابِ الجامعةِ ،
المبنى مفتوحٌ
............
............
............
في الغارات الأولى دخلَ المبنى في الشارع
مالَ من القصفِ
فأسنده الشارع.

                                          لندن – 16/ 11 / 2001...

اعتصامٌ في داوننغ ســتريت

كان مسـاءُ التاسع والعشرين
من تشـرين الثاني هذا ، طـلْـقـاً وجميلاً
لا أمطارَ
ولا ريحَ ،
وكنـّـا ، من أجل فلسطين ، نحاولُ...
لم يأتِ التجّــارُ ذوو الصفقاتِ الســرِّيّــةِ
لم يأتِ فلسطينيّـو أنظمةِ القتلِ العربيةِ
أو أهلُ الرفضِ
ولم يأتِ حُــماةُ العِـرضِ
.............
.............
.............
لقد كنا بضعةَ أنفارٍ في الشارعِ
بضعَ شــموعٍ
خمســةَ طلاّبٍ ضاقوا ، بعد قليلٍ ، بالعَـلَـمِ الضخمِ
وخمـسَ صبايا يتأففنَ ،
وعشــرينَ بريطانيّـاً ألهمهم ربِّـي صبراً
وأنا العربيّ المفرَد ؛
.............
.............
.............
لو كان لنا أن نعتصــمَ الليلةَ
في مكّــةَ ؛
لو كان لنا ...

                             لندن – 30 / 11 / 2001...

رأيتُ أبـــي

كنتُ أمشي ، وأبي ، في غابةِ النخلِ
وأحسستُ أبي يرفـعُـني بين ذراعَـيـهِ :
لقد كنتُ خفيفاً
ريشـــةً...
وأبي كان خفيفاً
غيمةً كانَ
وفي القطنِ الذي يفترشُ الغيمةَ
أغمضتُ ( كما في الحلمِ ) عينيّ...
أبي!

                                                    لندن/  2 – 7 - 2002

تقليد عبد السلام عيون السُّـود

لكـأنّ وجهَكِ ، يا صديقةُ ، في المتاهةِ ، وجهُ أختي
ألَـقٌ له ألقٌ ، ومعنىً غيرُ معنىً ، أو كــــلامِ
لا بُـدَّ أن أمضي ، وأن أجدَ التفرُّدَ في الزِّحــامِ
ولَئنْ تعثّـرتِ الخُـطَى ، ونسيتُ ما مَرمى سهامي
فلأنّ ما يعني الكلامُ الآنَ قــد يعنيهِ صمتــي
" أنا يا صديقةُ متعَـبٌ حتى العَياء فكيف أنتِ ؟

أمشي ، ولكني الـمُـسَـمّـرُ ، والسّـحابُ الجونُ بيتي
ماذا؟ أأهجسُ في الهجيرِ مَـتالعَ الثلجِ البعيـــدِ ؟
هل تُولَـدُ البيداءُ من كَـفّـيَّ، أم كفّايَ بِـيْدي؟
والنهرُ هل غنّى؟ ام الماءُ المتعتعُ بالنشـــــيدِ؟
إني انتظرتُكِ لم تجيئي، وارتجيتُكِ ...لم تَبتِّــي
" أنا يا صديقةُ متعبٌ حتى العَيــاء ، فكيف أنتِ؟

في الطائراتِ أحومُ ، أسألُ عن مَداركِ حيثُ حُـمتِ
زوّادتي بِـيَـدي، وملء مسدّسي الطلَقاتُ مـلأى
أيظلُّ هذا الكونُ أشيبَ؟ كيف لم أعرفْـه بـدءا ؟
ساُهاجمُ الـثُّـكناتِ ، أمنحُ جُندَها خبزاً ومنـأى
وأصيحُ بالمدنِ التي نامت: لأجلكِ كـان صـوتي
" أنا ياصديقةُ متعَـبٌ حتى العياء ، فكيف أنتِ؟

في لندنَ الخضراءِ تأخذني الشوارعُ نحــوَ نَـبْـتي
لي نخلةٌ في أولِ الدنيا ، ولي في النخلِ ســعــفةْ
والكأسُ ماءُ الطَّـلعِ...يا ما كانتِ الأيامُ رشفةْ!
يا ما ، و يا ما ...فلتَغِـمْ عيناكَ، ولْـتُـجْـفِلْـكَ رجفةْ
الليلُ يُضويني ...أنا المقطوعَ عن ولَدي وبنتـي
" أنا ياصديقةُ متعبٌ حتى العياء ، فكيف أنتِ ؟

هل يستقيمُ الخَـطُّ ، حتى عبرَ أنـمُـلةٍ ونَـحْـتِ؟
أم هل تدورُ دوائرُ الدنيا كما كنّـا نــريدُ ؟
بالأمس ِكنّـا أمسِ ، أمّـا اليوم فالأمسُ الجديدُ
أتقول لي عيناكِ إني في التســاؤلِ أسـتزيدُ ؟
قسَــماً بآلهةِ العراقِ لأختمَـنَّ عليكِ صـوتي
" أنا يا صديقةُ متعَبٌ حتى العَياء ، فكيف أنتِ ؟

                                                           لندن 18 – 2 - 2001
ــــــــــ
* اللازمة هي لعبد السلام عيون السود 

شُـــرفة فؤاد الطائي(رسّــام)

قد تظلُّ الحوانيتُ مفتوحةً ، متألِّــقةَ النورِ
حتى وإنْ هبطَ الثلجُ...
قد تترصَّـدُ قُـربَ محطّـتِكَ القرويةِ كيف يجيُْ القطارُ
وكيف يُـغادرُ ...
قد تتتبّـعُ ماءَ البحيرةِ ، تلكَ القريبةِ
حتى القرارِ الذي هو مأوى العرائـسِ ...
قد تتفتّــحُ شُـرفةُ هذا الشَّمالِ الســويديِّ
عن أنـجُـمٍ أو أيائلَ...
(في الصيفِ نحنُ)
ولكنّ عينيكَ – حتى وإنْ كنتَ في اللحظةِ/ الصيفِ –
سـوف تَرودانِ سَــطحاً
وقِشــرةَ بطِّـيخةٍ
وخِـيارةَ ماءٍ
وملْــحاً....
.............
.............
.............
آنَــها سوف يَغمـرُ لونُ الذّهبْ
كلَّ أوراقِنا
من نخيلِ السَّــماوةِ
حتى حَلــبْ !

                                       لندن   30 – 6 - 2002

شُــرفة المنزلِ الفقير

الطِّلاءْ
كان يَـنـزعُ في السقفِ أثوابَـه البِـيضَ
في دَعةٍ وهدوءٍ
ويُلقي بها كالنقودِ العتيقــةْ
مرةً في أصيصِ الزهورِ
وأخرى على رأسِ مَن يتأمّـلُ في الشّـرفةِ...
الصبحُ رطْـبٌ
وهذا الطلاءُ الذي ظلَّ يَـسَّـاقَطُ
امتــدَّ حتى الحديقةِ في أســفلِ المـنـزلِ
امتدَّ حتى حذاءِ الذي يتأمّـلُ في الشّـرفةِ ...
امتدَّ حتى الهواءِ الذي يتنفّـسـُهُ ،
...........
...........
...........
سـوف ينفضُ عن ثوبهِ ما تَســاقَطَ
ينفضُ عن رأســهِ ما تَســاقطَ ...
أو ربّـما امتدّتِ اليدُ حتى الحذاءِ ؛
ولكنّ أغنيــةَ الصبحِ
أغنيــةَ العُـمرِ
مُثقلــةٌ بِـنـثـيرِ الطِّلاء .

                                              لندن – 2/ 7 / 2002