الثلاثاء, 21 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 241 زائر على الخط
المهرجان الثقافي الخامس لنادي الرافدين في برلين ! طباعة البريد الإلكترونى

خُطى تترسخ في طريق الثقافة الديمقراطية الأصيلة !
داود أمين

Image للسنة  الثانية على التوالي، أتشرف بالمساهمة في فعاليات ( المهرجان الثقافي لنادي الرافدين في برلين ) وفي هذه السنة، كما في السنة الماضية، تترسخ قناعتي أكثر بجدية العاملين في هذا النادي، وبحرصهم وموضوعيتهم في تجميع المثقفين الديمقراطيين العراقيين، وفي تقديم نشاطات ثقافية متنوعة، تعكس غنى الثقافة العراقية وعمقها وتنوعها، فهذه الكوكبة المقدامة من ناكري الذات والذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، يتصدون بشجاعة وإقدام لتخطيط وتنفيذ مهمة غاية في الصعوبة، فمن إختيار المساهمين، الى تحديد فقرات برنامج المهرجان، الى حجز أمكنة السكن وأمكنة تقديم الفعاليات، الى أدق التفاصيل التي تتعلق بالإستقبال والنقل وتوفيرالأجهزة والطعام، إنهم بإختصار يتصدون وينجحون في إنجاز مهمة تعجز عنها مؤسسات تضم عشرات العاملين، وتقف وراءها ميزانيات مالية ضخمة، وأعتقد أن السر في هذا النجاح يتلخص في إستقلالية النادي عن أية جهة حز بية أو حكومية، وفي وضوح هويته الوطنية الديمقراطية، ودفاعه الثابت عن الثقافة الديمقراطية التقدمية، وفي الشفافية والديمقراطية والإجماع الذي يسود قراراته، وأيضاً في الثقة التي تترسخ ، مع الأيام ، لدينا نحن أصدقاء ومؤازرو النادي من المثقفين العراقيين المنتشرين في البلدان الآوربية وأمريكا وكندا، الثقة بالنادي وبالعاملين فيه وبنبل أهدافهم وجديتهم.

لقد لفت إنتباهنا، نحن ضيوف المهرجان، أن الدعوات التي وُجهت لنا للمساهمة في نشاطاته، كانت موقعة من (اللجنة التحضيرية للمهرجان) وقد إعتقدنا أنها جزء من الهيئة الإدارية التي تقود النادي، كما هو شائع ومعروف في جميع النوادي والبيوت الثقافية العراقية في المنافي! ولكننا فوجئنا أن اللجنة التحضيرية للمهرجان هي هيئة خاصة، مهمتها المهرجان فقط، وهي غير الهيئة الإدارية التي تقود النادي! وقد لمسنا إن أحداً من الهيئة الإدارية لم يتدخل في شؤون ( هيئة المهرجان ) بحيث سار العمل بسلاسة ويسر وبنجاح يسجل للطرفين!

اليوم الآول للمهرجان : بعد وجبة الفطور التي تطوع لإعدادها نخبة من المتطوعين في مقر إقامتنا الرئيسي ، الواقع في ضواحي برلين، توجهنا على شكل مجاميع مستخدمين الباصات والمترو نحو قاعات الفعاليات، وهناك كانت ألأعداد تتزايد فاليوم هو العشرون من آب، أي أول أيام المهرجان، وفي القاعة الكبيرة في الطابق الثاني من المبنى الواسع وسط برلين، إحتل العشرات كراسيهم، وكان عود الفنان سيف عوني كرومي، وأصابعه التي لعبت على أوتاره، إعلاناً ذا دلالة على إفتتاح المهرجان !

الأستاذ ناصر السماوي ( رئيس الهيئة ألإدارية ) القى كلمته، ودعى في مقدمتها الحاضرين للوقوف دقيقة صمت، إحتراماً لشهداء الحركة الثقافية العراقية وبينهم المفكر ( كامل شياع ) والذين فقدناهم مؤخراً وبينهم الفنان عوني كرومي والشاعر أنور الغساني ، ثم أعلن عن إفتتاح المهرجان وترحيبه بضيوفه من الأسماء الثقافية العراقية المعروفة، كما أشار الى شخصية المهرجان المُكرمة هذا العام، وهو الفنان التشكيلي العراقي الكبير ( محمود صبري )، ثم تحدث عن النادي وتأريخه ومساهماته منذ التأسيس عام 1990 وحتى اللحظة .
ثم كانت كلمة ( اللجنة التحضيرية للمهرجان ) القاها عضو اللجنة الزميل ( لطيف الحبيب ) وفيها أشار للصعوبات التي رافقت اللجنة أثناء الإعداد والتهيؤ للمهرجان والجهود التي بُذلت من أجل تذليلها، ومن بينها توفير مكان السكن الذي تضاعف سعره مرتين عن الإعوام السابقة! كما أكد إن إختيار جميع المشاركين في المهرجان، قد تم بشفافية وبتصويت جماعي!

وكانت آخر الكلمات للسيدة ( بوول ) المتحدثة الإعلامية لدائرة الإندماج والهجرة في مجلس إدارة برلين، حيث أشادت بالنادي وبنشاطاته الثقافية والإجتماعية للجالية العراقية في برلين، بحيث تم إختياره من قبل مجلس إدارة برلين ليكون الشريك الرسمي لها في عملية إستقبال ورعاية وإرشاد العوائل العراقية اللاجئة الى ألمانيا والقادمة الى برلين.

بعد فترة الغداء التي كانت في المطعم التابع لنفس مبنى الفعاليات، كان موعدنا مع فلم ( حي بن يقظان ) من إخراج الفنان ثامر الزيدي، وهو فلم كارتون خاص بالأطفال، وبسبب ضيق الوقت وطول الفلم تم عرض حوالي ثلثه، وكان العرض كاف لإعطاء فكرة عن المستوى المتقدم للفلم وألأفكار الأنسانية التي تضمنته، بعده عقدت ندوة هامة حول ( ثقافة الطفل العراقي ) ساهم فيها الفنانون فيصل لعيبي وثامر الزيدي ومنصور البكري، وخلالها تم إستعراض تجربة مجلتي والمزمار اللتان كانتا تصدران أوائل السبعينات، كما تطرق المساهمون في الندوة للمسرح المدرسي ولبرامج الأطفال في الإذاعة العراقية ، ولكتاب ورسامي الأطفال، وقد إغتنت الندوة بمساهمات ومداخلات الحاضرين .
 Image مساء نفس اليوم كان علامة فارقة من علامات هذا المهرجان، فالأمسية هذه الليلة مخصصة للشاعر العراقي الكبير ( سعدي يوسف ) الذي إستقبل بحفاوة وترحيب من قبل جمهور الحاضرين، وقد بدأت الآمسية بعزف على ألة الجلو من قبل فنان ألماني، ثم قدم الشاعر حميد الخاقاني زميله وصديقه سعدي يوسف تقديماً يليق بقامة الإثنين، وقد بدأ سعدي قراءاته الشعرية معلناً عن فرحه أنه يلتقي في القاعة الأن ولإول مرة برفيقه، الذي كان أصغر سجين في سجن ( نقرة السلمان ) وسجن بعقوبة الفنان إبراهيم الجزائري، فهما لم يلتقيا منذ أيام السجن تلك! وكانت قصائد سعدي تتوالي عاكسة تجاربه الجديدة في تطوير شكل ومحتوى ما يقدمه، وقد أعقب الأمسية حوار مع الشاعر حول غياب دور المثقفين العراقيين عن المشهد العراقي داخل الوطن، بسبب تشتتهم وعدم وجود رابطة أو تجمع أو أي إطار يوحد كلمتهم وموقفهم من الثقافة السائدة في الوطن.

هامش الليلة الأولى : يبدو أن مساهمة المثقفين العراقيين في مهرجان برلين، وفي أي مهرجان ثقافي يشبهه، تتعدى المساهمة في الفعاليات الثقافية المب اشرة، فهي حاجة روحية أيضاً للقاء وإستعادة الذكريات مع الأصدقاء وتجديد للعلاقات المقطوعة، لذلك فإن مكان السكن الجماعي للمساهمين في المهرجان، تحول ليس منذ الليلة الأولى، بل منذ الليلة التي قبلها حيث وصلنا برلين، الى ميدان للمودة والصداقة، حيث غصت الطاولات في الحديقة التابعة للمبنى وقاعته الرئيسية بالجالسين والساهرين حتى ساعات الليل المتأخرة، وفي ليلة المهرجان الأولى، إنتقل الجميع لمكان السكن الجماعي، وتجمعت الطاولات، كما في الليلة السابقة، حسب علاقات جالسيها، وصمد الجالسون في الحديقة أمام لسعة البرد الخفيفة مستعينين بما يدفأ أجسادهم، أما أمثالي، الخارجون تواً من عمليات جراحية كبرى، فقد إحتمينا بالقاعة التي بدأت مع الوقت تجتذب الأخرين، فعود الفنان طالب غالي وصوته، وأصوات الكورس المتطوع الذي رافقه، كان لهم قوة مغناطيسية في جذب الأخرين! وفي هذه الليلة قرأت الشاعرة بلقيس والشاعر أشتي قصائدهما، ورقص طه رشيد وعلي ولي وغيرهم ، وتواصلت السهرة حتى ساعة متأخرة من الليل!

اليوم الثاني من المهرجان : أول فعاليات هذا اليوم كانت إفتتاح المعرض التشكيلي، الذي شارك فيه أكثر من 15 فنانة وفناناً تشكيلياً عراقياً من مختلف بلدان اوربا، بينهم صلاح جياد وأحمد الأمير وإبراهيم الجزائري وأحمد الشرع وحسين الشنون وإيمان علي ونسرين شابا ومنصور البكري وحسين هاتف وفهمي بالاي وغيرهم، وقد عكست اللوحات المعروضة غنى وتنوع التجارب التشكيلية للفنانين العراقيين المشاركين في المعرض، الفنان فيصل لعيبي إفتتح المعرض بحديث موجز عن الفن التشكيلي العراقي ومدارسه وميزاته، وخلص الى أنه فن متقدم كثيراً على الفنون المماثلة في المنطقة العربية والأسلامية، وإن له مكانة واضحة في الفن التشكيلي العالمي.

الفعالية الثانية في هذا اليوم كانت محاضرة هامة للدكتورة ( سالمة صالح ) تحت عنوان ( الأدب في المنفى ) وقد قدمتها الشاعرة بلقيس حسن تقديماً أضاء سيرتها الثقافية والعلمية ومساهماتها الأدبية المتنوعة، وقد حفز مضمون المحاضرة الحاضرين على المناقشة والحوار الذي ساهم فيه عدد غير قليل من المشاركين.

بعد الغداء كانت الفعالية الثالثة لهذا اليوم ، وهي نافذة على الثقافة العربية، من خلال محاضرة هامة للدكتور صلاح نيازي عن الروائي السوداني الراحل ( الطيب صالح ) وقد قدمه الدكتور السوداني حامد فضل الله، وقد أثارت المحاضرة الكثير من الحوار الأدبي الممتع عن أدب الطيب صالح.

وفي المساء كانت آخر فعاليات هذا اليوم ، وكانت ندوة هامة تحت عنوان ( الثقافة العراقية بين نعيم التنوع أو جحيم النظرة الأحادية ) وقد أدارها الدكتور كاظم حبيب وشارك فيها الدكتور حميد الخاقاني والدكتور صادق إطيمش، وقد أثار مضمون الندوة الكثير من الحوارات المختلفة والمتفقة التي ساهم فيها عدد غير قليل من الحاضرين.

هامش الليلة الثانية : يبدو أن تجربة الليلتين السابقتين حفزت البعض لتنظيم سهرة هذه الليلة بشكل أفضل، وبالرغم من أن الحديقة ظلت مكتظة بالجالسين، إلا أن القاعة صُفت بكراسي وطاولات بدأ شاغلوها يتكاثرون، وكانت المفاجئة السارة هي في الإعلان عن بلوغ الأديب العراقي (مؤيد الراوي) سنه السبعين، وقد هنأ الجميع الراوي بهذه المناسبة الهامة ، وتحدث الشاعر حميد الخاقاني عن علاقته بمؤيد وعن مواقف ومحطات هامة من تلك العلاقة القديمة، كما تحدث الفنان فيصل لعيبي عن تلك العلاقة مع مؤيد، والتي تمتد لإكثر من أربعة عقود، ثم تحدثت زوجة الراوي ال كاتبة (فخرية صالح) عن اللقاء الآول لهما ومحطات من سيرتهما المشتركة الصعبة ، وقد تمنى الجميع عمراً مديداً ومفعماً بالأبداع والعطاء للأديب الراوي، الذي بدا حزيناً وهو يتحدث عن السبعين ، التي لم يصدق أنه وصلها ( كما قال ! ) ثم تواصلت السهرة بين الأغاني العراقية القديمة، وألحان الفنان طالب غالي، وكما في كل ليلة لم يصمد طه رشيد عن هز نفسه وقد شاركه ماجد الخطيب هذه المرة رقصة الهيوة، وقد إستمرت الحفلة لساعة متأخرة من الليل.

اليوم الثالث من المهرجان : أول فعاليات هذا اليوم كان محاضرة للدكتورة الألمانية ( ماركريت فان أس ) وكانت بعنوان ( حضارة وادي الرافدين بين الماضي والحاضر ) وباللغة الألمانية وقد قام بالترجمة الفورية الدكتور بارق شبر وساعده الدكتور صادق البلادي، وقد إستخدمت المُحاضِرة السلايدات والصور التي أغنت مادتها المعتمدة بالأساس على العمل المباشر في متحف برلين وفي قسم حضارة وادي الرافدين تحديداً، وعلى سفراتها المتكررة للعراق.

بعد الغداء كانت الفعالية الثانية لهذا اليوم وهي محاضرة ممتعة عنوانها ( هاينريش هاينه شاعر الرومانسية ال ساخرة ورائد القصيدة السياسية الألمانية ) للكاتب العراقي ماجد الخطيب، وقد قدمه الدكتور ممتاز كريدي، وفي هذه المحاضرة التي تتناول شاعراً ألمانياً هاماً، ومحاضرة الدكتور صلاح نيازي عن الطيب صالح، يخطو نادي الرافدين في برلين خطوة هامة للخروج من المحلية وتوسيع أفق الأدب العراقي نحو أفاق الأدب العربي والأدب العالمي.

في المساء كانت الفعالية الثالثة لهذا اليوم ، وكانت أمسية شعرية شارك فيها ستة شعراء هم بلقيس حسن وطالب غالي وعدنان محسن ومحمد الجاسم وشعلان شريف وعبد الباقي فرج، وقدمهم الناقد كفاح الحبيب، وقد قرأ الشعراء الستة الجديد والمميز من أشعارهم التي شدت جمهور الحاضرين، وعكست صورة مشرقة للشعر العراقي الذي لا يزال متقدماً وطليعياً.

الفعالية الرابعة إمتزجت بسابقتها ولم تختلف عنها في الشكل والمضمون فالشعر بالمحكية العراقية هذه المرة، وقد قدم الشاعر الفنان طه رشيد زملائه الشعراء كامل الركابي وسامي عبد المنعم وآشتي بمقدمة تناولت أراء خاصة بمصطلح الشعر الشعبي، ثم قرأ الشعراء الثلاثة بعضاً من قصائدهم التي تعكس تجارب خاصة ومضامين إنسانية راقية، كان لها صداها الواضح على جمه ور الحاضرين.

هامش الليلة الثالثة : القاعة هذه الليلة أعدت كما ينبغي، فهناك أمر جاد يراد له أن يقال، رئيس الهيئة الإدارية للنادي حمل كأساً وملعقة، وبدأ بالنقر على الكأس طلباً للهدوء الذي ساد بعد لحظات، الموضوع بإختصار ووضوح كما بين الزميل رئيس النادي يتعلق بمقترح السنة الماضية والمتعلق بتكريم مادي لمبدع عراقي، إذ إتخذ قرار بذلك ولكن لم تجرِ خطوات عملية لتنفيذه، وعلينا الأن أن نباشر بالتنفيذ، وبعد إبداء ملاحظات قليلة من قبل بعض الحاضرين، بين موافق ومعترض ومُعدل على المقترح ، بدأ المتبرعون بتسجيل أسمائهم بل ودفعوا ما سجلوه على أنفسهم منذ الأن، وتم الأمر خلال فترة وجيزة، وسيحظى مُكرَم السنة القادمة من المبدعين العراقيين ( أو ربما أكثر من واحد ) بهدية مالية رمزية، ولكنها هامة.

بعدها صفت الكراسي بشكل يليق بسهرة إستمرت كالعادة لساعة متأخرة من الليل، وكان الفنان طالب غالي وكورسه، الذي يتجدد ويتنامى ويغتني كل ليلة، هم الفرسان المبرزون! وكنت عندما أتعب من السهر، وهو ما يحدث كل ليلة ، أتسلل نحو غرفة نومي دون أن أُشعرَ الأخرين، خصوصاً شريك ي في الغرفة العزيز طالب غالي!

اليوم الرابع والأخير من المهرجان : بدأت فعاليات هذا اليوم بمحاضرة لي عن ( الحزن في الأغنية العراقية ) وقد شاركني التقديم الفنان طالب غالي، الذي قدم العديد من الأغاني العراقية التي لحنها في فترات مختلفة من حياته الفنية، وبسبب ضيق الوقت والأستعدادات للنشاط المسرحي القادم، لم يتسن للحاضرين الحوار والمناقشة التي كان الكثير راغباً فيها !

بعد الغداء كان النشاط الثقافي الثاني لهذا اليوم، عرض مسرحي مميز لكاتب النص وممثله الفنان ( صالح حسن فارس ) وكان عنوان العمل ( إشتعال - إنطفاء ) وهي المرة الثانية التي أشهد فيها عرضاً مسرحياً لهذا الممثل المبدع والمُجدد، بعد عرضه السابق في كوبنهاكن في العام الماضي، وكانت مسرحيته تلك ( أين الهناك ).

يتميز الممثل صالح في العرضين الذين شهدتهما له في كوبنهاكن وبرلين، بتجديد غير مسبوق في المسرح العراقي، فأعماله لا تعتمد على الحوار كثيراً، بل ولا على اللغة أصلاً، كما إنها تختصر الشخصيات الى أقصى الحدود، ففي المرتين كان هو الممثل الوحيد، كما يعتمد الفنان صالح على جسده وص وته وتعابير وجهه بطريقة مدهشة، وبإحتراف واضح، وهو أيضاً يستفيد من التكنلوجيا الحديثة ويوظفها لخدمة العرض.

يبدأ العرض في مسرحية ( إشتعال - إنطفاء ) مع دخول الجمهور للقاعة، وأثناء جلوس المشاهدين على كراسيهم، ثلاث كرات كبيرة تتدلى من السقف، وخلفها شاشة عرض سينمائي، عود يعزف لبضعة دقائق، الممثل يجلس في الوسط ، يتوقف العزف، فتتسلط بقعة ضوئية على الممثل الذي يتحرك حركات ميكانيكية وكأنه ألة وليس كائناً بشرياً ، على الآرض كومة من الكرات الصغيرة التي يستخدمها المهرجون،( حلمت بالأمس إنني فراشة ! ) هذه كانت أول عباراته، يحاول أن يروي حكايته ولكنه لا يستطيع، فأشباح الحرب التي غادرها في وطنه تطارده، ويتجسد خوفه بل رعبه منها حين يرتجف ولا يستطيع الكلام عندما ينطق مفردة الحرب! الشاشة في الخلف تعرض صور نساء محجبات وحزينات ، إنهن نساء الوطن الذي غادره هذا المنفي والذي يعمل أو يتحول لمهرج في الغربة!

لماذا أنا باق هنا في الجهة الباردة؟ سؤال هام يطرحه المهرج على نفسه وعلينا ، وفي مفردتي ( جهة باردة ) إيحاءات كثيرة حيث يفتقد هو ونحن الذين نعيش في الغربة لدفء الوطن ودفء حضن الأم ودف ء المناخ أيضاً! فلماذا نحن هنا؟ المنفي ( المهرج ) يحلم بالحب لكنه حب مستحيل، مقطوع وغير مكتمل ( غداً لن تراني، غداً لن تنتظرني ) هذا ما يردده صوت فتاته من جهاز مسجل، فهو صوت غير حي، ومضمونه يائس وميت! يتبادل المهرج الأدوار مع نفسه، فيكون في وطنه هادئاً متزناً، والفلم يعرض صور نساء عراقيات حزينات، ربما هن أخواته وأمه وقريباته، يظل الممثل ينتقل بين الشخصيتين مقدماً حيرة مفهومة له ولنا بين خياري العودة للوطن أو البقاء في المنفى ( كمهرج ) وتنتهي المسرحية دون حسم هذا الموضوع، فالشاشة في العمق تعرض نهراً وشموعاً تطفو على سطحه، في حين يتساءل الممثل : هل إشتعل الضوء؟ أم إنطفأ الحب ؟ وأنا أعتقد أن الحب لم ينطفأ، والحنين للوطن يظل خالداً في نفوس المنفيين رغم صعوبة العودة وربما إستحالتها لدى البعض!

 Image النشاط الثقافي الثالث هذا اليوم كان حفل تكريم الفنان التشكيلي العراقي (محمود صبري) وقد بدأ بعرض فلم (عكس الضوء) للفنان قتيبة الجنابي، والفلم يتحدث عن الفنان محمود صبري، وبعد العرض تحدث الف نان فيصل لعيبي عن تجربة محمود صبري الفنية التشكيلية وإكتشافه لواقعية الكم كأسلوب جديد في الفن التشكيلي يلائم عصر التكنلوجيا والتقدم العلمي من وجهة نظر الفنان محمود صبري، كما تحدث الناقد كفاح الحبيب عن واقعية الكم وتجربة محمود صبري وعدم شيوعها وإتساعها حتى الأن بسبب صعوبتها،رغم جمالية الكثير من لوحات صبري المرسومة وفق هذه النظرية.، ثم منح نادي الرافدين الفنان المحتفى به هدية رمزية هي عبارة عن منحوتة إستلمها الفنان فيصل لعيبي نيابة عن الفنان محمود صبري.

وفي المساء كان الحفل الختامي للمهرجان ، حيث غصت القاعة بحشود العراقيين والعرب والألمان، وبعد كلمة إدارة المهرجان التي ألقاها الزميل ناصر خزعل، أعطيت الكلمة للسيد فوزي الأتروشي وكيل وزارة الثقافة العراقي، والذي كان حاضراً ومشاركاً في جميع فعاليات المهرجان، ثم بدأ الفنان سيف كرومي عزفه المتميز على العود، تلته فرقة جزائرية قدمت أجمل الألحان الشرقية، ثم جاء دور الفنان السوري مروان كرجوسلي، الذي قدم الممتع والرائق من الطرب الشامي الأصيل، وأخيراً جاء دور الفنان المبدع طالب غالي، الذي قدم مختلف الأغاني العراقية من ألحانه والحان زملائه، فأرقص الحاضرين الذين بدأوا يتنافسون على المشاركة وحتى ساعة متأخرة من الليل!

هامش خاص : يمكن القول إن جلسات الفطور الممتدة من الساعة الثامنة صباحاً حتى الساعة العاشرة من كل يوم تعتبر من أجمل الساعات وأمتعها، خصوصاً إذا جمعتنا الطاولة بالصديق العزيز الدكتور صلاح نيازي، فهذا الرجل الموسوعي لايكف عن مزج المعلومة الدقيقة وبيت الشعر النادر مع النكتة والطرفة والمرح، وإذا صادف جلوس الصديق آشتي على نفس الطاولة ( وهو ما يحدث دوماً ! ) فإن مرحنا يتضاعف، بإعتبار أشتي ( سجينة خاصرة بإمتياز! ) وهو لا ينفك عن إختلافه وإعتراضه على كل ما يطرحه الدكتور وغير الدكتور! ولكنه، ولسوء حظه، يتحول، ومع كل صبحية، لسجينة عميّة مع الدكتور صلاح !

لقاءات وأراء سريعة بالمهرجان : الشاعر والفنان طه رشيد مدمن الحضور، والقادم من باريس قال إن المهرجان جيد جداً قياساً بالإمكانيات المتاحة، فهو يقدم سنوياً فواصل مهمة في الثقافة العراقية من تشكيل الى مسرح الى سينما الى أدب الى دراسات وبحوث، كما إن قيمته تتجسد في مجموعة المثقف ين العراقيين الذين يتم إختيارهم كل عام، فهم من خيرة المبدعين متنوعي الإختصاص والإبداع، وعن سلبيات المهرجان قال الفنان طه، إنها تتجسد في كثافة النشاطات، بحيث يبدو البرنامج متعباً للمساهمين ولجمهورهم أيضاً، كما إن هناك ضعفاً في التغطية الإعلامية داخل المانيا بحيث لا نرى جمهوراً عراقياً أو عربياً خارج دائرة المساهمين ومعارفهم ! ويقترح أن يدرس النادي فكرة المهرجانات المتخصصة، كأن يكون مهرجان خاص بالمسرح فقط، وغيره خاص بثقافة المرأة أو الطفل وهكذا يكون أكثر من مهرجان في العام !

الشاعر سامي عبد المنعم، القادم من مدينة ألمانية بعيدة قال إن المهرجان جيد لمجموعة صغيرة من منظميه، لكنه يفتقر للرأي الآخر، فالجميع مثقفون ديمقراطيون! و( مركتنا على إزياكنه ! ) ويرى أن النشاطات يجب أن تكون عصر كل يوم، وليس طوال اليوم، وهو لا يرى ضرورة لإعطاء مبلغ مادي للذي يُكرم، رغم إنه كان من المتبرعين ، ويعتقد أن المبلغ يجب أن يظل لدعم النادي ونشاطاته!

هشام عبد الواحد من هولندا يحضر المهرجان لأول مرة كمشاهد قال إن الفعالية جيدة من ناحية التنظيم ومحتوى البرنامج الذي تضمن معظم أوجه الأداب وال فنون المعروفة، فهناك مسرح وسينما وتشكيل وشعر ومحاضرات، وكنت أتمنى حضوراً أوسع لجمهور من غير الوسط الثقافي، وأن لا يقتصر المهرجان على النخبة، كما تمنى أن تستعين لجنة إعداد المهرجان بمثقفين ونوادي وبيوت عراقية موجودة في أوربا ولها تجاربها وأرائها في المساعدة على إعداد مهرجان هام كهذا المهرجان.

اخر تحديث الجمعة, 04 شتنبر/أيلول 2009 19:48
 
kutwah.jpg
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث