الخميس, 23 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 129 زائر على الخط
القصـــيدة الـمُـخالِــفـة * طباعة البريد الإلكترونى

ســعدي يوســف
طالَ ما وجد المرءُ نفسَــه في حيرةٍ من أمرهِ ، وهو يحاولُ مدخلاً مجْـدِياً إلى قصائد لقمان ديركي ؛ أقصدُ  أن المداخل قائمةٌ  ، متاحةٌ  ، لكنّ الجدوى متفاوتةٌ ، ومن هنا تأتي الحيرةُ في اتخاذ الخطوة الأولى ، الخطوةِ ذات العلاقة بالشخص قبل النصّ . ليس بمقدورك ( بمقدوري ) قراءة نصّ لقمان ديركي الشعري بمعزلٍ عن تمثُّـلِ شخصه .
والشخص ، هنا ، ذو مرجعيةٍ وراهنيّـةٍ  معيّـنتين ، والاثنتان منفصلتان عن عاديّة الواقع انفصالاً عجيباً .
ليس لدى لقمان مرجعية شعرية مقررة مقدّسة . لكنّ لديه اعتبارات : رياض صالح الحسين أولاً وربما أخيراً . لماذا يمضي

بعيداً إن كان رياض مضى أبعدَ مما يتحمّل ويُحتمَــل ؟ الدرسُ قائمٌ ، مستمرٌّ . المرجعية شخصيةٌ تماماً .
أمّــا الراهنية التي أنقذت لقمان من الذوبان في تفاهة النص السائد ، فهي متّصلةٌ بأنه خارج الاعتبارات والمنافع والوظائف . ليس موظفاً في صحيفة ، ولا ناشطاً في تنظيم سياسي ، بل ليس ذا شُغلٍ ثابتٍ على أي حالٍ . هكذا صار خارج التزوير والكذب ،  والضحكِ ( شعرياً ) على القاريء البريء عادةً . ثم أنه ليس مغرَماً بالقراءة ، أي أنه ليس دودة كتبٍ . مادّتــهُ الخامُ مباشِــرةٌ من الحياة ( ليست الحياة اليومية المألوفة ) ، واستعدادهُ للاستقبال مستنفَــرٌ على الدوام ، كأنه آدمُ في هبوطه الأول على أرضنا ذات الرتابة ، الرتابة التي لن يعرفها  .
لقمان ، الكائنُ اليومي ، في ديالوج دائمٍ دائبٍ : حديثٍ لا يتوقّف إلاّ مع الخمود الطبيعي لوظيفة الجسد . هذا الديالوج يتخذ هيأة السردِ في بهائه ، ويمتشق أيضاً أسلحةَ السردِ في مـضائه :
·     المباشــرة .
·     التقاط اللحظة .
·     الموقف النقدي .
ليس بإمكانك الفصلُ بين ديالوج الكائن اليومي ، والنصّ الشِــعريّ . إنهما متداخلانِ تداخلاً لا يتحمّل العبث أو محاولةَ التمايز .
يا لأدوارٍ أمنحُها أنا
يا لَشخوصٍ أرتِّــبُــهم أنا
يا لَلمشهدِ يبداُ بإشارةٍ مني
يا لَــلـمهزلة ‍‍‍!
قلتُ إن الشاعر مسلّحٌ بالسردِ ، عارفٌ بما هو فاعلٌ ، وملتقطُ لحظةٍ وزاويةٍ :
في يوم المسرح العالميّ
أهديتُكم ثماني قرنفلاتٍ
وكنتِ تعتذرين مني كلما مدحكِ شخصٌ .
في يوم المسرح العالميّ
أُسدلت الستارةُ
ولم تحجبْ من الممثلين ســواي .
لكأن هذا هو التماهي الحقُّ بين المهرِّج والفيلسوف ، بين اللاعبِ وما وراء اللعبة .
أليس الفن ، بإطلاقٍ ، هو هذا  ؟
آنَ استعملتُ تعبير " المباشَــرة "  ، كان استعمالي احتراماً للمصطلَح وتقديراً  ، وتأكيداً في الوقتِ ذاته على أن تجنُّبَ المباشــرةِ مرضٌ أصيبتْ به القصيدة لدينا ، مرضٌ ظلَّ يُعمِـلُ في الشِعرِ تشذيباً وتهذيباً حتى فقدَ جناحيهِ :
قوادمَ وخوافيَ  ، وحتى لم يعُدْ ذا مغزى أو جدوى … بَـعُـدَ فابتعدَ عنه الناسُ وتناسَــوه ، لأنه ابتعدَ عن الناس وتناساهم  ، موغلاً في اللامباشَــرةِ  ونفخِ الهواء في البالون المثقوب .
لكنّ المسافة التي يضعها الفنان ( الشاعر هنا ) بين الفن والحياة تظل قائمةً وضروريةً  ، فهذه المسافة هي ساحة الوصل والفصل في آن :
سـأغلق النوافذ جيداً
ولن أفتح الأبواب
سأرتق شقوق الجدران
لأنني أخاف
أن يدخل الهواءُ الذي تتنفسون منه إليّ !
هي ، إذاً ، القطيعة الموصولة ، أو الصلــة المقطوعة ، الجدل الدائم الذي يمنح الحياةَ حركيةً واختلافاً :
وفي نهاية الليل
مع صوت غربان الصباح
أنام دون أن أفكرَ بكِ
لأنني لم أجد الوقتَ الكافي !
لقد مضى زمن العاشق المولّــه ، الـمُدْنَف ( ما معنى المدنَف ؟ ) . نحن أمام مادّةٍ مسيطَـــرٍ عليها . في هذه الأبيات نتابع أسراراً من صنعة لقمان ديركي ، نتابع المباشَــرةَ  ، والتقاطَ اللحظةِ ، والموقفَ النقديّ ، ونتابع كذلك مهارة الاختزال والتكثيف .
القصيدة لدى لقمان معنيةٌ بقضايا كبرى ، حقاً ، لكن الشاعر ليس أسيرَ هذه القضايا . أريد القول إنه يمنح القضايا الكبرى ، في السياسة والوضع البشري ، ملموسيةَ الفنِ وملمسَــه ، فتعود شاخصةً مشخّصةً ، نائيةً بنفسها عن تجريديّـتها القاتلة   ، وهكذا سنقرأ في ديوانه الأخير " شخوص الممالك الزائلة "  شواظاً من ملحمة الأكراد  :
يا إله الميديين حدّقْ جيداً
يا إله الـفُرسِ اسمعني . يا إله المنصّــةِ تعذَّبٍْ قليلاً . تململْ واقرِض أظافرك فلم تبدأ الملهاةُ بعدُ ، ولم يأتِ
سيّـدُها . قاضي محمد… أحفادك ناموا على الهزيمة ، فلأكُنْ ومســرحي حذاءً لك تلبسنا وتتمشى في الجمهورية القتيلة بعد عامٍ ، فلأكن ومسرحي شخوصاً لك تحرِّكنا حتى المشانق … آااخ . أي جبلٍ كان ذلك الجبل ؟ أي شعبٍ كان ذلك المسوِّر حدودَك ؟ قاضي محمد … ماذا فعلتَ حين تقدَّمَ الجنودُ وتراجــعَ البرزانيون إلى جهتهم ؟
*
مياهٌ كثيرةٌ مرت تحت الجسور ، وهي تمــرُّ الآن أيضاً .
لكن من العسير على قصيدة النثر أن تجد تجلياً لها أبهى ممّــا أنجزه لقمان ديركي .
إن قصيدته تستحقّ  العميقَ من التأملِ
والكثيرَ من الاحترام .

                                                                        لندن 27/1/2006
ــــــــــــــــــــــ
* مقدمة أعمال لقمان ديركي الشعرية التي تصدر قريباً في دمشق .

 
amtanan.jpg
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث