الإثنين, 20 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 223 زائر على الخط
سعدي يوسف الشاعر الذي ابحر بالغربة دهرا طباعة البريد الإلكترونى

شاعر عراقي يقيم في النرويج
البصرة تلك المدينة التي انجبت السياب والبريكان في عشرينيات القرن العشرين ,هي ذاتها التي انجبت سعدي يوسف بعد عقد من الزمان , ومنذ القدم فالبصرة الحاضن الاول لكل اللغويين والادباء على مّر التاريخ ومازالت حتى يومنا هذا , فلاغرابة ان يخرج من احضانها شاعر كبير بحجم سعدي يوسف الذي كرس حياتة للشعر بطريقة مختلفه عن اقرانه من الشعراء الذين عاصروه في ايام الصبا والشباب الاولى وحتى يومنا هذا , حيث يتربع على عرش الشعر العراقي خاصة والعربي بعامة . ولعل الظروف السياسية المجحفة التي عصفت بالعراق

منذ عقود في ظل غياب الديمقراطية مكنت من الساسة والمتسلطين على رقاب الشعوب ان تحاول جلّ جهدها إذلال المثقف والاديب بكل طريقة ووسيلة, الامر الذي تصبو له في الحد من الكلمة الحرة والشريفة , فسلاح الشاعر كلمته التي يقذف بها حيث الطغاة والسياسيين الذين يفضلون مصالحهم الشخصية على مصالح شعوبهم , وبما ان قصيدة يوسف ذات طابع قتالي فريد من نوعه جعلت من الطغاة ان يشعروا بالخطر , وكان لزوماً عليهم اخماد وقمع تلك القصائد والافكار التي تجوب في دواخل الشاعر , فثمة اعتقالات عديدة تعرض لها سعدي يوسف كادت ان تنال من حياته لولا انه لم يقدّر له الموت , فمن معتقل البصرة الى معتقل بعقوبة ومن ثم سجن نقرة السلمان كان القطار يجوب به مرفقاً بشرطي يحرسه من الهرب , حتى حين مروره بمدينة السماوة كان هذا الشاعر قد ترك كل شيء كان يفكر فيه وانتبه الى النخل (المعشعش) والكثيف في تلك المدينة قائلاً في احدى قصائده آنذاك " توهمت ان نخل السماوة نخل السماوات " جملة شعرية لشاعر عبقري بحق , فقد ترك خلف ظهره كل آلام السجون والتنقلات والترهلات مابين تلك المعتقلات شمالا وجنوباً ليلقط ذلك النخل الذي يميز جنوب العراق تمييزاً صرفاً عن شماله , وبعد صفحة الاعتقالات والسجن والاذلال انتقل الشاعر الى مدينة الكويت حيث عمل مدرساً في احدى مدارسها ليعود بعد ذلك وينتقل من مدينته البصرة الى العاصمة بغداد للاقامة فيها وما لبث حتى سافرالى الجزائر ليعمل هنالك في التدريس لبضع من السنوات ثم يعود شتاءاً الى بغداد , في تلك السنوات كان سعدي يوسف قد امتزج دمه بالشعر والابداع بشكل كبير واضعاً بصمات في خارطة الشعر العراقي كما الجيل الذي سبقه بعقد من الزمان والذي هو جيل الرواد نازك والسياب والبياتي وبلند والبريكان . فقد اصدر سعدي يوسف مابين الاعوام 1955– 1965 اربع مجموعات شعرية هي على التوالي : اغنيات ليست للآخرين , 51 قصيدة , النجم والرماد , وقصائد مرئية ,. ومن خلال تلك المجاميع شكل سعدي حضوره المتميز داخل خارطة الشعر العراقي والعربي الامر الذي ادخله مرغماً في الساحة النقدية العراقية شأنه شأن الشعراء أصحاب النصوص المثير للجدل والتي تثير الانتباه , ومن ثم تناوله النقد العربي خاصة عندما اصدر مابين الاعوام 1970 – 1979 المجموعات التالية: بعيدا عن السماء الاولى , نهايات الشمال الافريقي , الاخضر ابن يوسف ومشاغله , تحت جدارية فائق حسن , الليالي كلها , وأقل صمتاً , . تلك المجموعات التي انبثقت الى النور في سبعينيات القرن الماضي جعلت من الشاعر سعدي يوسف ان يتربع على كرسي الشعر مع اقرانه من المبدعين الكبار . وكيف لا وقصائده نحفظها على ظهر قلب ويرددها الوسط الثقافي العراقي بأستمرار ويعتبرها النموذج الانضج فكراً والاجمل شعراً . وفي العام 1979 غادر الشاعر وطنه العراق مرغماً بعد ان انهارت الجبهة الوطنية التقدمية من قبل حزب البعث الفاشي ليستقر به المقام مابين دمشق وبيروت , فيما عاد الى الجزائر مرة أخرى ومن ثم عاد الى بيروت ومنها غادرها الى باريس ليمكث فيها ثلاث سنوات ويعود بعدها , وكانت هذه المرحلة الزمنية في حياة الشاعر لا تقل حزناً وألماً عما عاشه الشاعر في وطنه العراق , ففي بيروت شارك في نصرة الشعب الفلسطيني وعمل في صحافة الثورة الفلسطينية وازداد تألقاً في عدد من المجموعات الشعرية والتي جسدت تلك الرحلات خاصة / من يعرف الوردة 1981 , يوميات الجنوب – يوميات الجنون 1981 , مريم تأتي 1983 , وخذ وردة الثلج خذ القيروانية 1987 , . ليجسد بطريقة فنية قل نظيرها المأساة والغربة ولوعتها , كان عقد الثمانينيات المنصرم علامة بارزة في شعر سعدي يوسف على الدمار والخراب الذي حلّ في بيروت بشكل خاص ولبنان وفلسطين بشكل عام , فقد شهد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982 وكان سعدي يوسف يقاتل من خلال الكلمة والتي هي سلاح الشاعر الفعّال ويضرب بقوة , وفي عام 1993 اسقر به المطاف في العاصمة الاردنية عمّان لتشهد تلك العاصمة ولادات مجاميع شعرية جديدة تضاف الى الشاعر الغزير الانتاج دون كلل او ملل , واذكر من تلك المجاميع التي صدرت له اثناء اقامته بعّمان , قصائد ساذجة , وحانة القرد المفكر , وهذه الاخيرة كنت قد حصلت على نسخة منها حال وصولها عمّان عندما كان الشاعر حسب الشيخ جعفر وانا في زيارة سعدي يوسف بمنزله , واثناء استقباله لنا , وبعد جلسة طويلة اباح لنا عن تلك المجموعة ذات العنوان الغريب , حانة القرد المفكر .. سأله حسب الشيخ عن غرابة هذا العنوان , رد قائلاً : في احدى سفراته الى تركيا توقفت به السيارة لغرض الاستراحة وتناول الطعام والشراب , ولمّا خرج من الحانة شاهد صورة كبيرة فوق الحانة عبارة عن قرد يضع سبابته اليمنى فوق اذنه , ومن تلك الصورة ألتقط الشاعر عنواناً لمجموعته والتي كانت اجوائها غاية في التفكير بمستقبل مظلم ومجهول المعالم في العراق والشرق الاوسط , لقد تنبأ سعدي يوسف باخطار جمة نالت من العراق أرضاً وشعباً , ففي قصيدة رؤيا يقول يوسف : ( سوف يذهب هذا العراق الى آخر المقبرة , سوف يدفن ابناءه جيلاً فجيلا , ويمنح جلاده المغفرة ) . اذاً كيف يكلُ او يملُ من كتابة الشعر وهو الذي نذر كل شيء من اجل هذا الكائن الهلامي الذي يحاول تسيير العالم على طريقته الخاصة والتي تحاول نشر العدل والمساواة والقيم المثلى وكل ما يمت بصلة للأنسان وانسانيته التي سحقها الغزاة والطغاة والدكتاتوريين في هذه الارض ... وسعدي يوسف الذي قطن عمّان لأكثر من ثمان سنوات كان شبه معتكف في بيته , قليل النزول الى وسط البلد والاختلاط بالآخرين ولا يحبذ الجلوس في المقاهي كما هي عادة الادباء هناك وفي كل مكان , فوقته ثمين جداً , لم يمرق يوم الا ان يقرأ اربع او خمسة ساعات متتالية , ولم يمض يوم الا وكتب قصيدة او اكثر , وعدا عن ذلك فهو كاتب رواية وقصة ومسرح , فقد أصدر رواية مهمة جداً ومن الحجم الضخم بعنوان ( مثلث الدائرة ) كما وأصدر ايضاً مجموعة قصصية تحت عنوان ( نافذة على المنزل المغربي ) . وثمة رواية اخرى لم يحضرني عنوانها , وكذلك عدد من المسرحيات , لكن النقاد لم يلتفتوا لتلك الاعمال بشكل جيد , وهذا نابع من ان النقاد قد تعودوا على سعدي يوسف الشاعر وليس الروائي او القاص , وهو كذلك لم يطرح نفسه كروائي او قاص , كما قال يوماً في احدى الجلسات لأبن صديقه الدكتور خالد السلطاني في بيتهم بعمّان , انا لست بروائي ولكنها محاولة ليس الا , ومن يقرأ مثلث الدائرة سوف يكتشف سعدي يوسف الروائي من دون شك ادنى , ولا يخفى على احد من ان سعدي يوسف الشاعر الكبير , هو مترجم من الدرجة الاولى فهو أول من ترجم الروائي المعروف ديفيد معلوف الى العربية , وديفيد معلوف روائي استرالي من اصل لبناني حائز على جائزة " غونكور الفرنسية " , كان ذلك في العام 1997 وقبل ذلك كان يوسف قد ترجم لادباء معروفين منهم , والت ويتمان /اوراق العشب , يانيس رتسوس / ايماءات, كافافي /مختارات , كونار أكيلوف /مختارات , نكوكو واثين كو / تويجات الدم , وترجمات اخرى . وثمة العديد من الاصدارات الجديدة لسعدي يوسف ظهرت في منفاه الاخير بلندن تضاف بطبيعة الحال الى منجزه الكبير في الشعر والترجمة والرواية والقصة وما خفيّ لم ير النور الى النشر لحد الان ... وفي عمّان تلك العاصمة العربية التي احتضنت العديد من المبدعين العراقيين امثال سعدي والبياتي وحسب الشيخ جعفر والدكتور علي عباس علوان واللغوي سعيد جاسم الزبيدي وخالد السلطاني وجان دمو وعشرات الادباء الشباب في فترات قاسية وعصيبة كانت على الوطن الام العراق, استطاعوا هؤلاء الادباء ان يحيوا تلك المدينة ثقافياً وفكرياً بعد ان كانت خاوية من تلك الجوانب الا ما ندر , فنشاطهم بالكتابة المستمرة واقامة الامسيات المستمرة وحركة المعارض التشكيلية والفنون الاخرى جعل حافزا كبيراً لاخوتنا من الادباء الاردنيين ان يحركوا الساكن ويتفاعلوا مع المسميات والاشياء بقوة وعنفوان , . كان سعدي يوسف يستمتع في صباحاته العمّانية بحديقة بيته ذات الجمال الاخضر ولحكمة في قلب يعقوب أطلق عليها الحديقة "الجوراسية" التي تعتاش فيها ثلاث من القطط ( المدنفشة) التي لا تستغرب من أي ضيف كان يدخل الى تلك الحديقة من اصدقاء الشاعر,ويمتاز سعدي يوسف بطيبة قلب كبيرة هي من عطر البصرة الفيحاء , فلدينا في العراق يضرب المثل في مدينة البصرة بطيبتها المفرطة دون مدن العراق الاخرى , فتجده يحب ان يعمل الطعام بيده على الطريقة العراقية ويقدمه بنفسه لضيفه كذلك تجده كثير الحركة في كيفية اكرام الصديق او الضيف القادم اليه . ولطالما جلسنا في حديقة سعدي الجوراسية , حسب الشيخ جعفر ونصيف الناصري وكاتب هذه السطور , كان سعدي يوسف يتألم عندما نتحدث له عما كان يحصل في العراق من موت ودمار وحروب وعلعلات , اثقلت من كاهل الانسان العراقي وجعلت منه جسداً لا حولة له ولا قوة , جراء تسلط النظام الدكتاتوري البائد على مدى اكثر من ثلاثة عقود ونصف حتى انه أخذ يخرج في الصباح الباكر الى الساحة الهاشمية وسط العاصمة عمّان ليرى مشهد العراقيات الطاعنات في السن اللواتي يبعن السكائر على ارصفة وشوارع عمّان , مشهد مقرف بحد ذاته خاصة بالنسبة لشاعر كبير بحجم سعدي يوسف . .. وفي اواخر العام 1997 كان قد فجع الشاعر برحيل ولده البكر ( حيدر ) في احدى دول جنوب شرق اسيا حيث كان يقيم مع زوجته الاجنبية , والمرحوم حيدر ابن سعدي يوسف كان يعمل مهندسا هناك وفي احدى الليالي وبعد ان توجه الى فراش نومه كان طبيعياً وعند الصباح فزت زوجته من نومها ولم ينهض هو , وقد تبين انه قد وافته المنية على أثر سكتة قلبية مفاجئة , وما كان من زوجته الا ان ترفع سماعة الهاتف على الشاعر والد حيدر لتبلغه الامر , الامر الذي كان عبارة عن صاعقة وقعت على قلب شاعرنا الكبير , وفوق ذلك كله انها قالت له ان حيدر رحمه الله سوف يدفن بمدينتها وعلى طريقة غير الاسلامية , هنا أرتبك سعدي يوسف أشد أرتباك وما كان منه الا ان يركب أول طائرة كانت ذاهبة الى تلك الدولة الاسيوية ويمضي مسرعاً دون ان يفكر بشيء وعندما وصل العاصمة بقيّ عليه ان يصل المدينة التي يستغرق الوصول اليها ساعات عديدة بواسطة السيارة , وصل سعدي يوسف والدموع لا تفارق وجنتيه وحرقة قلبه على ولده حيدر , وصل قبل لحظات من دفنه , وصل وراى بام عينه مراسيم تشييع جثمانه , وصل سعدي يوسف بقلب محترق تماماً لا تنطفيء ناره ابداً , وصل وهو غير مصدق ما يرا بان ابنه الكبير حيدر فارق الحياة بعيداً عن اهله ووطنه , كارثة كبيرة اصابة الشاعر في هذا اليوم .. اوقف كل شيء وعاد بتابوت حيدر الى عمّان وعلى الفور من عمًان الى دمشق حيث مقبرة الغرباء بجوار السيدة زينب ( ع ) ... كانت ساعات مرعبة ووقعها بالغ الاثر على الشاعر , بعد يومين من دفن ابنه بدمشق عاد الى بيته بعّمان مكسور الجناح مرتدياً اهداماً سوداء وجهه شاحب من شدة الصدمة وما عاناه من رحلة متعبة وبعيدة ذهاباً واياباً , انها المأساة بعينها والله .. أقيم لحيدر رحمه الله عزاء في بيت والده الشاعر بعمّان , كانت صالة البيت تكتظ بالمعزين من العرب والعراقيين , وسعدي يوسف يجلس على كرسي قبالة باب الصالة حيث استقبال المعزين وبجنب منه يجلس صديقه الشاعر حسب الشيخ جعفر عله يحاول ان يجعل منه متماسكاً بعض الشيء , في تلك الاثناء كنت أنظر الى ابا حيدر تارة أجده في سبات عميق من الحزن المؤثر بدرجة شاقة ومؤلمة , وتارة أخرى يقف ليستقبل كل من جاءه معزياً , وبينما كنت انظر اليه مواسياً اياه وقعت عيني على صورة كبيرة كانت معلقة في صالة البيت , همست بأذن صديقي الناصري عن صاحب الصورة , اجابني انه المرحوم حيدر, الحقيقة ازداد في داخلي الحزن والالم أكثر فأكثر, كانت لحظات قد مرت بالشاعر ذات أثر بالغ في الحزن والمأساة بحق . . وبعد ان بدأ المعزون يغادرون الواحد تلو الاخر , بدأت الوحشة والحزن واضحة بقوة على وجه سعدي يوسف , الامر الذي جعل منه ان يرفض مغادرة حسب الشيخ ونصيف وانا عندما قال له حسب الشيخ نتركك الان كي تستريح قليلاً ,.. وبصوت خافت واضحة معالم الحزن فيه, قال ابا حيدر : انتظروا فالوحشة والوحدة في تلك الساعات سوف تنال مني ,أنتظروا ريثما أكون بحالة أفضل , لساعتين او اكثر جلسنا معه في حديقته الجوراسية , كان الليل قد شارف على منتصفه وطيلة جلوسنا معه كان يرا فينا اثناء الحديث بعض الشيء ليهدأ من روعه ولو قليلاً على الرغم من دموعه التي تنثال دون أرادته بين الفينة والاخرى , وما هي الا لحظات حتى غادرناه وكانت قلوبنا معه , وكنا نقول في طريقنا الى البيت أعانه الله على هذه المحنة الصعبة, بعدها بقينا على تواصل معه من حين الى آخر , وبرحيل حيدر ابن سعدي يوسف يكون الدهر قد نال من شاعرنا القسط الكبير , ذلك الذي يجعل من الانسان عرضة للانفعالات المأساوية خاصة عندما تفقده الدنيا اعز انسان على قلبه , فكيف بسعدي يوسف وهو يفقد فلذ كبده, كانت اياما صعبة حقاً . . وبعد شهور حاول سعدي ان يرحل من عمّان ومن البلاد العربية كلها وهو يفكر في ذلك فقد وصلت اليه دعوى للاقامة في مدينة البندقية " فينيسيا " بايطاليا ولمدة سنة , ومثل هكذا دعوات تمنح للأدباء العالميين فقط وباشراف من منظمة اليونسكو , وكان فرحاً بها بعض الشيء .. وذات يوم كنت قد سالت ابا حيدر عن سبب اختياره عمّان كمان لأقامته , اجاب بهدوء تام كل واحد منا عندما يبحر في الغربة لسنين طويلة ينظر دائما للعودة الى الوطن , وبما ان العودة مستحيلة مادام ثمة دكتاتور لم يقلع بعد , يكون لزاماً عليه ان يجد بديلاً عن وطنه , فمن المؤكد سوف يبحث عن بلد اخر تكون فيه الثقافة واحدة او متشابهة, كذلك العادات والتقاليد متقاربة , المناخ متشابه , الناس يتحدثون لغتك , كل تلك الاشياء تجعلك قريبا من وطنك العراق لا محال أضافة الى كثرة العراقيين في عمّان , وشيء اخر مهم بالنسبة للشاعر تحديدا هو عدم الانقطاع عن ثقافته العربية , وستعرف ذلك عندما تقلع بك الطائرة من عمّان الى دولة اوربية ويزداد ويكبر كلما اقضيت سنوات اكثر,عندها ستدرك جيدا لماذا استقرت بيّ الظروف هنا ,.. والحقيقة الواضحة انني قد استوعبت الدرس جيدا بعد ان اقضيت عقدا من الزمان في المنفى ... ويبقى السؤال فارغا فمه . حول كل الذي جرى ويجري لأدباء العراق الكبار أمثال سعدي يوسف , الذي أبى المساومة على المباديء والشعر ليختار المنفى ويكون بعيدا عن عيون الرقيب والمتسلط بدون حق , وسعدي يوسف الذي حاولوا تغييبه في الداخل بكل الطرق وبكل وسائلهم القمعية , ظل ومازال علماً من اعلام العراق الشامخة في المنفى فبدلا من تكريمه لانجازه الكبير في الادب العراقي والعربي , ظل طوال ربع قرن من الزمان يجوب المنافي بحثاً عن عشبة الانسان – الشعر.. ليؤسس مدرسة قائمة في ذاتها , مدرسة شعرية كاملة متكاملة في كل الجوانب والنواحي الفنية العالية اعقبت مدرسة الرواد المجددين في الشعر / نازك والسياب والبياتي . وهنا لابد من القول ان الايام التي مرت على اغلب ادباء العراق داخل العاصمة الاردنية عمّان كانت مشحونة بموجات كبيرة من الالم واللوعة والحرمان
 ...............
في حديقته الجوراسية
تراقبه عيون القطط
كيف يكتب القصيدة
ويحترق شوقاً لرؤيا العراق
وعندما كتب :
( سوف يذهب هذا العراق الى اخر المقبرة
سوف يدفن أبناءه جيلا فجيلا
ويمنح جلاده المغفرة )
أنتفضت روؤس القطط
معربة عن أسفها للخراب
الذي حل بوطن الشاعر ..

 
hafeed.jpg
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث