|
بَعُدنا عن النخلِ ...
ها هيّ شمسُ القرى تمنحُ النخلَ غابا من الريشِ أحمرَ
ها هيّ اكواخُنا:
سعفةٌ نستظل بها أ وقودٌ لبغضائنا.
كُّلها تهبطُ الأرضَ، كوخا فكوخا، و تلقي بها الأرضُ
للماءِ ...
كنا نمدَّ لها شعَر أطفالنا:
سروةٌ شعَرُ أطفالنا
أمسكيها
أمسكينا بها ...
غير ان المنازلَ مثل الطباشير تُمحى
من الأرض تُمحى
و في الماء تُمحى
و ها نحن بين المُدى و السماءِ وحيدينَ
يا ارضَنا المشتراةَ المباعةَ، و المشتراةَ المباعةَ ثانيةً
أنتِ يا وجهَ من يتذكّر منها شهادةَ ميلادهِ:
بَعُدنا عن النخلِ
ها هي شمسُ القرى تمنح النخلَ غابا من الريش أحمرَ
ها هي شمسُ القرى تمنحُ النخل غابًا
و ها هي شمسُ القرى
ها هي ..
ها هي ..
ها ...
هي ...
كواكبُ مائيةٌ في السماءِ التي تعرفُ الصيفَ و السفنَ
الأمريكيةَ الصنعِ
* في المتوسط لا تستحم الكواسجُ
* هل تذكرين المنازلَ؟
* تلك التي غادرتْها السفينةُ؟
* لا.
*حانةَ البحر في أورَ؟
* لا.
* دارتي في سمرقندَ!
** لا.
ان كلَّ المنازلِ مغلقةٌ فأمامَ الوجوهِ
الشريدةِ لا تقتحُ الناسُ أبوابَهمْ
قد نسينا بقرطبةَ، الشرفة الأمويةَ
و الطفلَ .. حينَ نسافرُ ننسى الحقائبَ،
أو نتناسى متاعبَنا و كتابَ القصائدِ
يا أيها الفارسُ المستحيلُ: تظل المسافاتُ
تنأىُ و في مقلتيكَ تغورُ الشواطئُ،
لا تكتئب فالحوافزُ فيها الشرارُ، وهذا
السبيلُ الحجارُ ..
* و لكننا قد بَعُدنا عن النخلِ ...
* آخرُ رايات كولمبسَ المستدقةِ تُبحر من برشلونة
* وآخرُ أبراجِ غرناطةَ اقتحمتهُ خيولُ الشمال.
تصيرُ المسافاتُ لي رايةَ.. أن أهلي بعيدونَ
لا تحملُ الطيرُ أخبارَهم لي، و لا تحملُ الطيرُ
أخبارنا
لهمو.. يا جناحَ الليالي الطويلة، كُن موطني
و الكتاب الذي ليس يُطبع... كن في مقاهي
المحبين
دورةَ شايٍ , وفي شفتيَي من اُحبُّ: الشقائقَ
و الرجفةَ المستمرة .. كن يا جناحَ الليالي
الطويلةِ نجمي .. لقد ضيَّع القطبُ
نجمَ الهداةِ.. ولكن أهلي البعيدينَ ما برحوا
بأنتظاري ...
* إلى اين تذهبُ يا فارس الليلِ؟
* أهلي بعيدونَ سيدتي ...
* إنني بأنتظارِكَ منذُ ليالٍ ثلاثٍ... علمتُ بأنك آتٍ ..
أتنزلُ؟
* سيدتي .. حين أنزِلُ أُقتلُ
* تُقتَلُ في منزلي؟
آهِ سيدتي... انني متعبٌ ... غير أني ..
وداعَا
وداعَا
***
و غادرتُ منزلَها .. كان في بابه القرطبيّ صنوبرةٌ
كنتُ أسمع نبض العصافيرِ إذ تتنفسُ نائمةَ
بين أفنانها و النجومِ الخفيضةِ، أحسستُ
أن العصافيرَ تموتُ صباحَا.
***
حين ناديته: فارس الليل ! شد العنان
قليلا. كثيرونَ مَروا ببابي و لكنني
لم أجد مثلهُ... شاحبا كان ظمآن،
لكنه رفضَ الماءَ من جرتي... لم يقف
مثلَ فرسانِ قرطبةَ الآخرينَ يغازلني ...
قال شيئَا، و سارْ ...
***
على باب جَيانَ في قرطبةْ
رآه الندى يدخلُ المسجدَ المتوحدَ، في آخرِ الليلِ
كان الندى خُصَلاَ في جبينِ المسسافرِ و الليلُ
إغماضةَ في عيونِ الجوادِ، و كانت نوافذُ
قرطبةَ المشرئبةُ بالوردِ تنتظرُ الخطوةَ الملكيةَ،
ألقت نوافذُ قرطبةَ الوردَ.. غطت الوردَ.. غّطّتْ به غبرةَ السفر
المستديمةَ فوق قِباءِالمسافرِ، و التعبَ المر
في لفتاتِ الجواد.
و في لحظتينِ رأيناهُ يخرجُ من بابِ مسجِدنا
أغلقَ البابَ. سمرها، دوننا،تحتَ إغضاءِ عينيهِ،
ثم أعتلى صهوةَ الفرسِ المتمايلِ بين غصونِ الصباحِ
المبكرةِ الطيرِ، والنسوةِ المسرعات ..
و كانت ورودُ المسافرِ تهطلُ ... و النسوةُ المسرعاتُ
يخبئنها في صدورِ الصبايا.
ذهبتُ إلى السوق، كنتُ غريباً به، متعبَا، و التّجار
يدورون حولي...
يقولون لي: نشتري منكَ هذا القميص
و كانوا يمدون أيديَهم نحوهُ:
نشتري منكَ هذا القميصَ الملطّخ
ولكنه راية لبستني غَداةَ الهزيمة
جوادي على الوادي الكبير، ورايتي
بغرناطةِ الأبراجِ ، يكنُزها الصخرُ
فلا تسألوا عني و عنها فإننا
لها آخرُ العشاقِ، و الهاتفُ السرُّ
لقد كان لي فيها أنيسٌ، وإن لي
أنيسا بها، حتى لو اجتاحَها العصرُ
و غُيّبَ ما بين القلاعِ و سهلِها
كتائبُها العشرونَ و السامرُ البدرُ
" إذا عَلَمٌ خلّفتُهُ يُهتدى به
بدا عَلَمٌ في الآلِ" أشقرُ مفترُّ
فشدَّ على كفّي، و أطلَعَ زهرةً
من الصدرِ
عندَ القلبِ ...
و انهمر الزهرُ
قميصي .. لكل المشترين أبيعهُ
و سيفي
و عينا جوادي الجميلْ.
أنا الآنَ منجردٌ بينكمْ
فاحملوا كلَّ ما يُشترى
هل خسرتُ سوى عبءِ أغلالِكم؟.
علقوا فوقَ جدرانِ قاعاتِكم غِمدَ سيفي
و عينيَ جوادي الجميلْ
اجعلوا من قميصي حديثَ اجتماعاتِكم
هل خسرتُ سوى عبءِ أغلالِكم؟
و اتركوني وحيداً
دعوني أقلْ ما أشاء
دعوني أكنْ من أشاء
دعوني أمتْ، أو أعشْ نجمةً
فغرناطةُ العشقِ عريانةً، وحدَها
إن غرناطةَ العشقِ عريانةُ وحدَها
13 / 03/197بغداد ، 2
|