الثلاثاء, 21 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 329 زائر على الخط
سعدي يوسف يفتح قلبه لـ " الأثر " طباعة البريد الإلكترونى

في جو حميمي فتح صاحب “الشيوعي الأخير” دفتر ذكرياته لـ “الأثر”، واستعاد شخوصه على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان.. عاش فيه تحت سماوات مختلفة، وخبر فيها صداقات متعددة.. في هذا اللقاء إعادة لتشكل ذاكرة مكانية عبر عديد الجغرافيات، وحكايات وجوه إبداعية قطعت تلك الجغرافيات بحثا عن سماء الفن والحرية.. 
الجزائر مرة أخرى..
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):

الشاعر الكبير سعدي يوسف، تعود إلى الجزائر بعد طول غياب، ما هو أول إحساس، وماهي الأشياء التي جاشت في صدرك وأنت داخل إلى مطار الجزائر؟
الشاعر سعدي يوسف:
تعرف أنني جئت إلى الجزائر بعد عامين من الاستقلال (1964)، لم تكن إطارات الدولة قد تأسست بعد، واللغة العربية كانت غريبة في الجزائر في ذلك الوقت، مثلا الشرطة والدرك الوطني... كلها كانت في طور التكوين، لذلك أول شيء لفت انتباهي في المطار هي شرطية تبادلت معها أطراف الحديث وعرفت أنها من مدينة جيجل، فسألتها:
هل تعرفين ضابطا في الدرك الوطني من جيجل اسمه الإبراهيمي؟
قالت: نعم، ابنته درّستني اللغة العربية..
في الواقع شعرت بسعادة غامرة، لأنه في ذلك الوقت كانت ثكنات الدرك الوطني هي الثكنات نفسها التي كانت للفرق الأجنبية بمدينة سيدي بلعباس، وجاء إليّ هذا الرجل (الإبراهيمي) بصفته ضابطا في الدرك.. وقال لي: نحن نريد أن نجعل من هذه الثكنات جزائرية وناطقة باللغة العربية (إشارات المرور، المناطق، المكاتب... الخ)، وأعطاني سلما ودلوا وفرشاة، واشتغلت ربما على مدار أسبوعين متواصلين، وبالفعل تحوّلت ثكنات الفرق الأجنبية تلك إلى ثكنات للدرك الوطني الجزائري، لذلك عندما التقيت بتلك الشرطية بالمطار وتحدثت معها شعرت بفرح كبير، وقلت في نفسي الجزائر بخير واللغة العربية بخير، وهذا كان الانطباع الأول بالمطار.
(يستحيل أن تتحوّل سيدي بلعباس إلى مدينة أصولية)
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
الآن، وفي أجواء ما يحدث على الساحة السياسية (الربيع العربي) وأنت كان لديك حميمية كبيرة بباتنة وسيدي بلعباس.. كيف عشت الجزائر من خلال ما كان يردك من أخبار حول ما نسميه في الجزائر بـ “العشرية السوداء”، ماهي الصور، هل لفت انتباهك ما كان يحدث في الجزائر؟
الشاعر سعدي يوسف:
لفت انتباهي أولا ما كان يشاع ويذاع من أخبار حول أن سيدي بلعباس تحوّلت إلى بلدة أصولية، والحقيقة شعرت بالرعب من هذا، لأنني اعتدت في سيدي بلعباس على حياة طليقة، مدنية، مفتوحة... المقاهي، المشارب، طبائع الناس، والمسرح الوطني ببلعباس الذي كنت أرتاده باستمرار... الخ، فقلت في نفسي يستحيل أن تتحوّل سيدي بلعباس إلى مدينة أصولية.. ولا أخفي عليكم أنني كنت بالغ القلق على هذه المدينة التي كانت تمثل بالنسبة لي الجزائر الناهضة والمتحضرة.
إدريس علوش (صحفي وشاعر مغربي):
بالنسبة إلى علاقتك بالأمكنة بسيدي بلعباس، ما هي الفضاءات التي كانت لديك علاقة تماس يومي بها، ومازالت حاضرة في وجدانك؟
الشاعر سعدي يوسف:
في سيدي بلعباس كانت عندي علاقات واسعة مع الناس، أولا بدأت في ثانوية “الجلاء” وبعدها ثانوية “الحواس”، وكنت أيضا أقوم بأعمال تطوعية أخرى.. كانت طبيعتي مع الناس شعبية وذات طابع خاص، فكنت أدعى إلى البيوت وإلى مزارع قدماء المجاهدين..
إدريس علوش (صحفي وشاعر مغربي):
على مستوى الأمكنة مثلا، ماهي المقاهي التي كنت ترتادها بشكل يومي..
الشاعر سعدي يوسف:
أنا أولا سكنت في فندق “ميتروبول” قبل الانتقال إلى السكن في بيت مستقل، وسألت احميدة عن هذا الفندق فقال لي إنه ما يزال في مكانه وبذات الاسم.. هنالك الحديقة العامة، ومشرب تقريبا بمدخل تلك الحديقة، وهنالك أيضا نادي سباق الخيل مع بولينغ.. سيدي بلعباس كانت مدينة ذات طابع متقدم.. وكان هناك نوع من النبيذ الروزي ينتج من كروم سيدي بلعباس اسمه “كينوري” (أتذكر الآن اسمه).. سألت عليه قبل أعوام فقيل لي إن هذا النبيذ الروزي لم يعد ينتج، فشعرت بالأسى (يضحك).
 
فاطمة بارودي (صحفية ألجيري نيوز):
سمعتك تقول إن سيدي بلعباس مسقط رأسك، هل يمكن أن تصف لنا لحظة الميلاد هذه؟
الشاعر سعدي يوسف:
هناك أسباب كثيرة، وأنا مقيم بسيدي بلعباس كنت أرسل جواز سفري إلى السفارة العراقية بالعاصمة عبر البريد، فيجدد وأدفع الرسوم ويعيدونه لي، وفي إحدى المرات كنت أهِمّ بتجديد الجواز، أرسلته مثل العادة بالبريد، فجاءتني رسالة من السفارة العراقية قالوا فيها “نحن تلقينا أمرا بمصادرة جواز سفرك وأية وثيقة تبرزها إلينا سنصادرها أيضا” وشعرت بحالة من الحيرة التامة والقلق.. كان عندي أصدقاء بالعاصمة اتصلوا بوزارة الخارجية الجزائرية فوردتني رسالة منها مفادها أنه عليّ التنقل إلى العاصمة وإلى مكتب معين، وهناك لقيت معاملة ممتازة وزوّدت بوثيقة للاجئين والذين بلا وطن، بفضلها بقي وجودي بالجزائر قانوني، وباعتبارها صادرة عن السلطة الجزائرية فهي هوية جديدة ومن هنا أقول إن سيدي بلعباس مسقط رأسي.
زهور شنوف (سكرتيرة تحرير الأثر):
يعني أن المسألة ليست معنوية وإنما مرتبطة بموقف “مادي”..
الشاعر سعدي يوسف:
لا، الوثيقة كانت تعبّر عن موقف من جانب الجزائر إزائي، لذلك كان لها قيمة معنوية كبيرة.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
رزقت بأبناء بسيدي بلعباس؟
الشاعر سعدي يوسف:
إبنتاي، مريم وشراز ولدتا بمستشفى بوهران، كنت وقتها أقيم بسيدي بلعباس، وهما الآن تقيمان في ألمانيا، وعندما أرادتا الحصول على الجنسية الألمانية طالبتهما السلطات بشهادات ميلاد أصلية، فجاءت إحداهما إلى وهران لاستخراج هذين الوثيقتين اللتين بموجبهما حصلتا على الجنسية الألمانية.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
وكيف عاش سعدي عندما كان مشهورا وينشر بالمشرق، وفي الوقت نفسه يعيش حياة شبه خفية كمبدع وسط البسطاء في سيدي بلعباس؟


الشاعر سعدي يوسف:
تماما، كنت أُعرف باسم شهاب، ولهذا حتى الآن لا يعرف الكثيرون أنني عشت في سيدي بلعباس، لأن الشخص الذي كان هناك اسمه “شهاب”، لكن مع مرور الزمن عدد من تلامذتي السابقين بثانوية الحواس اتصلوا بي وقالوا: “أنت فلان ما كنا نعرف ذلك..”، على العموم تعلمت من حياة التنقل أن بلد الإقامة لا أنشط فيه، وهذا أفادني كثيرا، جنبني حساسيات معينة، فلكل بلد ثقافته الوطنية وتفاصيله الخاصة، ولهذا لم أنشر في الجزائر حرفا واحدا لا في الصحافة ولا في غيرها..
إدريس علوش (صحفي وشاعر مغربي):
لم تنشر في الجزائر في تلك الفترة، لكن كنت تنجز أعمالا إبداعية، ماهي العناوين التي ولدت بالجزائر؟
الشاعر سعدي يوسف:
«بعيدا عن سمائي الأولى” الديوان كامل أنتج بسيدي بلعباس، كنت أرسل نصوصا للنشر في ذلك الوقت لكل عدد من مجلة الآداب.. حتى أن الدكتور أحمد أبو السعد عمل أنطولوجيا للشعر الجزائري وضعني ضمن الشعراء الجزائريين.. وهناك قصص قصيرة وأعتقد مجموعة أخرى تحتوي قصائد كتبت بنفس المدينة.
مرحبا أيتها السماء الأولى
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
وعندما غادرت الجزائر سنة 1972 إلى أين انتقلت؟
الشاعر سعدي يوسف:
رجعت إلى العراق، لأنه بعد التغيير الذي حدث جاء وزير الثقافة المرحوم شفيق الكمالي، فبعث برسالة ساخنة إلى السفارة العراقية بالجزائر، مفادها أن الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف يجب أن يعاد له جواز سفره.. وغيرها من التفاصيل، وصدر أمر بتعييني في وزارة الثقافة ببغداد وهكذا ذهبت.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
كم بقيت بالعراق بعد ذلك؟
الشاعر سعدي يوسف:
(يضحك) لم يطل بي المقام كثيرا، حيث خرجت سنة 1978 وإلى الأبد.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
يمكن أن تحكي لنا عن الظروف التي جعلتك تترك العراق، لاحقا؟
الشاعر سعدي يوسف:
في تلك الفترة كان صدام حسين يمهّد لأن يكون هو الحاكم الفعلي في البلد، وارتبطت عملية تدرج صعوده بعملية منسقة لاضطهاد اليسار في العراق، وما حدث وقتها أنني نقلت بأمر من الوزير من مدير بوزارة الثقافة إلى مساعد أمين مكتبة الري ببغداد، وهي مكتبة قديمة جدا أسسها الإنجليز، كلها تقارير عن السدود وتراكم الطين وحركة الأنهار.. وبالمصادفة عثرت على كتاب زينوفون المتعلق باحتلال اليونانيين للعراق وقضايا الأنهار.. وبقيت أقرأ في هذا الكتاب لفترة طويلة وترجمت قسم منه.. باختصار وجدت في تلك المكتبة زاوية للسعادة. كان يمكن أن أصبر طويلا لكن بدأت أتعرّض لضغط كبير للانضمام إلى حزب البعث، وهذا كان السبب الرئيسي لمغادرتي.. في البداية أرسلوا إليّ شعراء بعثيين أصدقائي وبطريقة ودية أفهمتهم أنني غير مستعد للدخول في حزب بعثي بالرغم من أنني لست عضوا في حزب شيوعي.. بعد ذلك جاءت منظمة الحزب بالمنطقة التي أسكنها (بغداد الجديدة) ومررت بالأمر نفسه، بعدها جاءني مسؤول منظمة حزب البعث وقال لي: “صبرنا عليك طويلا والآن الأمن هو من سيتولى أمرك”، بعد هذا الحديث ذهبت إلى عبد الرحمان منيف الذي كان مناضلا قديما بحزب البعث ومقربا من القيادة القومية، لكنه للأمانة كان رجلا مستقلا وشهما وشجاعا، ولأنه كان صديقي أخبرته بالأمر، فقال لي: “سأذهب إلى ميشال عفلق وأحكي له قصتك”، بعدها بأسبوع التقينا وقال لي: “قال ميشال عفلق ليأخذ حقيبته ويترك البلد، أرض العرب ستكون أأمن له”، وفعلا تركت العراق. في ذلك الوقت كان هناك وحدة شكلية بين العراق وسوريا فلا تحتاج إلى تأشيرة للسفر للدخول، فذهبت إلى سوريا.
بيروت.. أحلام وكوابيس
احميدة عياشي (مدير الجزائر نيوز):
أقمت في سوريا طويلا بعد ذلك؟
الشاعر سعدي يوسف:
لا، لم أمكث طويلا، ربما يومين أو ثلاثة ثم سفرت بعدها إلى بيروت، لأن حركة المعارضة العراقية كانت بها، وبقيت هناك واشتغلت مع الفلسطينيين.
احميدة عياشي (مدير الجزائر نيوز):
هل يمكن أن تحدثنا بتفاصيل أكثر عن تجربتك ببيروت؟
الشاعر سعدي يوسف:
تجربتي في بيروت غنية جدا، هناك المثقفون اللبنانيون وبخاصة اليساريون منهم كانوا أصدقائي، وكنت في الوكالة الفلسطينية للأنباء، في ذلك الوقت تم إنشاء رابطة الكتاب والفنانين الديمقراطيين العراقيين وانعقد أول مؤتمر لها ببيروت وانتخبت رئيسا لها، وكانت تضم حوالي 500 فنان وكاتب، ولها فروع في أوروبا واستراليا.. وأصدرنا مجلة /البديل/.. أيضا نشطت في بيروت في الكتابة، فكنت أكتب أسبوعيا في /الحرية/ وأحيانا في /الهدف/، وكذلك كنت أتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات التي كان يرأسها عبد الوهاب الكيالي (كان أيضا عضوا في اللجنة القومية وتم اغتياله لاحقا من طرف الأمن العراقي)، الذي أرسل إلي عندما ذهبت إلى بيروت (يبدو بإيعاز من ميشال عفلق)، فقال لي: /يمكن أن تعتبر هذه المؤسسة مؤسستك/، وبالفعل نشرت بها عدة كتب منها /رامبو وزمن القتلة/.. وكانت فترة غنية جدا.
ادريس علوش (صحفي وشاعر مغربي):
أثناء الاجتياح الإسرائيلي إلى بيروت (1982) كيف كنت تتفاعل مع المشهد اليومي والحياتي هناك؟
الشاعر سعدي يوسف:
كانت هناك حالة حصار، والمدفعية الإسرائلية تتقدم إلى بيروت، وكنت أساهم يوميا في صحيفة /المعركة/، التي توزع على المقاتلين في الخطوط الأمامية، وكنت مع اثنين أو ثلاثة من الرفاق العراقيين نساعد في إصدار صحيفة النداء (صحيفة الحزب الشيوعي) لأن المحررون اللبنانيون بدأوا يغادرون بيروت، خصوصا وأن هدير المدفعية كان يتقدم كل يوم عن سابقه إلى أن صار الوصول إلى تلك المنطقة متعذرا، وكنت أساهم في /النداء/ يوميا وأسكن بمنطقة /رأس بيروت/ فكان المرحوم نزار مروة يأتي إلي وأرمي له ما كتبته في ثقل معين من الشباك ليوصله إلى الجريدة.. فترة غنية ومن أهم فترات حياتي، تعلمت منها كيف يكون الفنان مكافحا بدون بطولة ولا مبالغة.. كنت بين آخر من غادروا بيروت، فآخر سفينة غادرت في شهر سبتمبر.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
كيف كانت علاقتك مع القيادات الفلسطينية؟
الشاعر سعدي يوسف:
لا أعرف، لا أقترب من القيادات، لكن كانت لي علاقة مع الوسط الفلسطيني بشكل عام، أبو إياد عرفته عن قرب في تونس.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
قبل أن ننتقل إلى مرحلة تونس، أود سؤالك هل التقيت بمحمود درويش؟
الشاعر سعدي يوسف:
اه نعم، محمود كان في ذلك الوقت يخطط لإصدار /الكرمل/ كان ما زال في مركز الدراسات بعدما ترك القاهرة، كانت بيننا علاقة حميمة واستمرت وطيدة وجميلة ومخلصة إلى غاية رحيله، آخر لقاء بيننا كان قبيل رحيله في باريس، كان عندي أمسية شعرية وعندما أنهيت وخرجت وجدت محمود درويش، قال لي: /لم أشأ أن أقول لك أنني حاضر في الأمسية الشعرية/، كان في باريس للقيام بفحوصات ونصحه الأطباء الفرنسيون بعدم إجراء العملية، لكنه بعد أسبوعين من لقائنا ذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية ورحل.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
وعلى مستوى الدلالات السياسية الرمزية للعالم العربي، الاجتياح وخروجك والفلسطينيين من بيروت، ماذا شكل بالنسبة إليك كنقطة تأمل وتفكير وإعادة تفكير في ما كان يسمى بالمقاومة الوطنية؟
الشاعر سعدي يوسف:
في ذلك الوقت شعرت أن خروجنا من بيروت كان يعني بداية لهجوم منسق يتعلق بكل حركة التحرر العربي، وحاولت مع محمود درويش والمرحوم حسين مروة ومحمود أمين العالم.. اجتمعنا في عدن وأصدرنا بيان عدن لإنشاء جبهة مثقفين، وأحبطت هذه المبادرة من قبل جبهة الرفض العربية، حيث قال السوري علي عقلة عرسان رئيس اتحاد الكتاب العرب آنذاك أن هذه المبادرة تهدد الاتحاد، وكانت وزارة الخارجية في اليمن الديمقراطي بدأت بإرسال الدعوات لعقد اللقاء، فأرسل عقلة شخصا لإحدى القيادات في اليمن وقال /إننا لا نرغب في هذه المبادرة لأنها تهدد اتحاد الكتاب العرب ونحن حريصون على الأمر/، فلم ينفذ هذا المسعى، للأسف كانت خطوة ضرورية جدا.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
في أي سنة صدر بيان عدن؟
الشاعر سعدي يوسف:
أعتقد سنة 1983، وكنا جميعا هناك، أتذكر المرحوم حسين مروة وبّخه الحزب الشيوعي اللبناني.
الرفيق “بدر” وسنوات اليسار الأولى
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
كيف عشت الانتماء إلى اليسار فكريا وثقافيا وعدم الانتماء إليه عضويا؟
الشاعر سعدي يوسف:
قضيت فترة معينة في الحزب الشيوعي، فترة مبكرة جدا، كان عمري حوالي 16 سنة، عندما دخلت الحزب الشيوعي العراقي وأصبحت عضوا فيه، وكانت فترة حرجة جدا بين 1949 / 1950 بعد إعدام قادة شيوعيين، وكانت تجري محاولات إعادة التنظيم، وقالوا لي إن رفيقا سيأتي ليعيد اتصالك بالحزب، وذهبت إلى الموعد ولم يكن هذا الرفيق إلا بدر شاكر السياب. هذه المعلومة عن بدر، الكثير من الأوساط، تريد كتمانها أو طمس العلاقة الفعلية لبدر باليسار، لكن بدر كان مناضلا شجاعا وحتى أنه اضطر إلى الهرب إلى إيران والاتجاه إلى بيت من بيوت الحزب الشيوعي الإيراني، وبعد فترة اختفاء عاد بشكل سري إلى العراق.. لا يمكن التعامل مع كل هذا وكأنه لم يحدث.
إدريس علوش (صحفي وشاعر مغربي):
عشت أنواعا متعددة من المنافي والجغرافيات من المغرب إلى المشرق، هل وجدت ذاتك في واحد من هذه المنافي؟
الشاعر سعدي يوسف:
أولا، البلاد العربية لا أعتبرها منفى على الإطلاق، هذه لغتي وأرضي وأهلي، أوروبا أعتبرها منفى، الآن نعم أعيش في منفى.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
نعود إلى علاقتك ببدر شاكر السياب..
 
الشاعر سعدي يوسف:
علاقة استمرت ليس في صعود أو هبوط، استمرت دائما جيدة بل ممتازة، حتى في أقسى الظروف، حتى عندما بدل بدر وجهة نظره في هذا الأمر أو ذاك استمرت علاقتنا سليمة ونقية، أنا سجنت وخرجت من السجن في العام 1964 كان هو وقتها في المستشفى بالبصرة وكنت أمر عليه بشكل يومي، وفي أحد الأيام قلت له “أنا راحل” وقتها جئت إلى الجزائر وهو بعدها رحل إلى الكويت بلا عودة.
إدريس علوش (صحفي وشاعر مغربي):
في تلك الفترة من هم الشعراء الذين كان لك بهم علاقة تماس مباشرة ويومية في العراق؟
محمود البريكان، رشدي العامل أيضا كانت لي علاقة فتية معه، واستمرت علاقتنا جيدة، العراق مليان وأسماء الشعراء الأصدقاء كثيرة.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
وبالنسبة إلى علاقتك بمظفر النواب، كانت أساسا بالعراق؟
الشاعر سعدي يوسف:
نعم، كانت أساسا بالعراق، كان هو بكلية الآداب وأنا كنت في دار المعلمين العالية، بدأت علاقتنا مبكرة جدا في مرسم كلية الآداب، لأن مظفر كان رساما، وبعد ذلك بدأ يكتب قصائد الفصيح، شعر حر، لكن شهرته جاءت مع “الريل وحمد”.
إدريس علوش (صحفي وشاعر مغربي):
كان يكتب بالعامية العراقية أيضا..
الشاعر سعدي يوسف:
لا، لم يكن يكتب بالعامية، أول قصيدة كتبها هي “الريل وحمد”، هذه القصيدة اعتبرت في الدارجة العراقية فاصلة ما بين مرحلتين، وفعلا أثرت فنيا في طبيعة القصيدة الدارجة في العراق.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
بعد بيروت انتقلت مباشرة إلى تونس؟
الشاعر سعدي يوسف:
لا، ذهبت إلى عدن، وبعدها تونس التي أقمت فيها 5 سنوات.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
كيف يمكن أن تصف تجربة تونس، هل أضافت شيئا إلى تجربتك الشعرية؟
الشاعر سعدي يوسف:
في تونس كتبت كثيرا، وكنت على علاقة معقولة مع الوسط الثقافي التونسي، لكنها علاقة حذرة، أيضا لم أكن أكتب في الصحافة التونسية.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
هذه العلاقة الحذرة ألم يكن لها تأثير على وجودك وعلاقاتك في تونس؟
الشاعر سعدي يوسف:
كما قلت، لم أكن أنشر في تونس، وليس بيننا منافسة، كتاباتي عمل فردي خالص، لا توجد تعقيدات، وفي المغرب الشيء نفسه، لا أنشر في الداخل، أكتب عن المغرب صحيح، لكن أنشر خارج البلد الذي أكون فيه، أبو إياد كان عنده رأي يعجبني، إذا كان هناك شخص مشاغب أو يتوقع منه شيء يبعث به إلى مكان آخر ويقول “هذا خليه يفجر قنبلته برا”.
فلسطين.. من اللحظة المجيدة إلى الفخ
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
وبالنسبة إلى مفكرين مثل ادورد السعيد، هل جاءت فرصة جمعتك به؟
الشاعر سعدي يوسف:
مرة واحدة، التقيته عندما تم إعلان الدولة الفلسطينية بالجزائر. أتذكر في تلك المناسبة، نحن الضيوف أدخلونا في فنادق غريبة عجيبة، خفية، سميناها فنادق المافيا، لا أحد يعرف أين نحن، في الليل البهيم يأخذوننا إلى فنادق في الجبال والغابات.. إلى أن عقد الاجتماع الكبير الذي أعلن فيه عن الدولة الفلسطينية، وكنت حاضرا.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
وكيف كانت تلك اللحظة بالنسبة إليك؟
الشاعر سعدي يوسف:
لحظة مجيدة.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
وفيما بعد عندما وصلت إلى محطة أوسلو، كيف رأيت الأمر؟
الشاعر سعدي يوسف:
والله كانت مشكلة، أعتقد أن أوسلو كانت الفخ الكبير، التقيت ممدوح نوفل قائد قوات الثورة الفلسطينية ببيروت، بعد أوسلو في عمان وكان قادما من رام الله ومعه مخطوط كتاب، أعتقد بعنوان “دهاليز أوسلو” أو شيء من هذا النوع، فقرأته قبل أن يطبع وقلت له: “يا ممدوح أرجوك، أرجوك لا تنشر هذا الكتاب، أنت مضيت بعيدا في الأمر، أنت قائد قوات الثورة كيف تقول هذا الشيء - نحن الدولة الفلسطينية والدولة الإسرائيلية سوف تشكل قاعدة للتقدم في المنطقة-..” فحذفه وحذف أشياء مفرطة في التفاؤل، والحق أنا أحترم هذا الرجل، وهو اهتم بوجهة نظري، ولكن كانت تلك بداية التصفية، والنتائج نعرفها جميعا الآن، وفلسطين تقضم الآن قضما ألا يتبقى شيء منها.
بغداد... الصدمة
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
نقفز الآن إلى محطة أخرى، كيف عشت لحظة احتلال بغداد وكيف انعكست على علاقتك بالمثقفين العرب؟
الشاعر سعدي يوسف:
كنت في امستردام بمناسبة مهرجان سينما، وبدأت الغارات الأولى وأنا في الغرفة بالفندق أشاهد التلفزيون ثم أصبت بشلل رأسا، كانت صدمة لدرجة أن رجلاي لم تكن تحملاني، أحاول أن أخرج من الغرفة لم أستطع. لا أنسى هذه اللحظة، كانت صدمة عصبية، ولكن منذ اللحظة الأولى ظل موقفي واحد حتى الآن، مناهضة الاحتلال، لأنه حتى في حركة الأحزاب العراقية كان هناك نوع من الرضى على التدخل من أجل إزاحة النظام، ولكن المسألة واضحة أن تستعين بجيش أجنبي انتهى أمرك، ستكون بلدا مستعمرا.. وأمريكا ليست امبراطورية قديمة، إنها امبراطورية متجددة، قوة صناعية واقتصادية كبرى وجيش يتطور باستمرار، ليست معرّضة للانهيار السريع وعندما تستعمر بلدا لن تخرج منه، لم يخرج جندي أمريكي من بلد احتله.
إدريس علوش (صحفي وشاعر مغربي):
يقال إن للشاعر تلك الحاسة السادسة أو السابعة، ولديه القدرة المتجددة لاستشراف المستقبل، كيف تنظر إلى مستقبل العراق؟
الشاعر سعدي يوسف:
خلال نصف القرن المقبل لا أرى أي ضوء، ظلااااااااااااااام.
زمن الثورة المضادة.. حل الظلام بالتصويت
إدريس علوش (صحفي وشاعر مغربي):
أعتقد أنها السوداوية نفسها التي تعتريك بالنسبة لثورات الربيع العربي؟
الشاعر سعدي يوسف:
أتردد حتى في استعمال هذا المصطلح، أعتقد أنها الثورة المضادة.
(كل الحضور):
المضادة لماذا!
الشاعر سعدي يوسف:
ليس شرطا أن تكون مضادة لثورة، لكنها هي الثورة المضادة حتى على الوضع السائد، بكل أبعاد السوء الذي يحمله تعبير الثورة المضادة. الأمر واضح، بدل استخدام جيش لاحتلال دولة ما استخدم الثورة المضادة، هذا ما حدث، لأنك عندما تحتاج تأتي القنابل، هدموا طرابلس على رؤوس أهلها وعندما لم تنجح الثورة المضادة جاءوا بطائراتهم. والآن في سوريا لأن الثورة المضادة لم تنجح سيأتون بطائراتهم، أتمنى أن ألا يحدث هذا الشيء. الغنوشي درسوه 20 عاما في لندن ثم أحضروه وكذلك المرزوقي الشيء نفسه، الأمر مخطط له بدقة ويوجد متعهد للثورة المضادة له مكتب ملحق بالبيت البيض الأمريكي.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
لكن هناك بعض المثقفين يطرحون الأمر بشكل مختلف، الأنظمة البوليسية والدكتاتورية في العالم العربي أوصلت إلى هذا الوضع، والآن يعتقدون أنه لا يمكن إنكار حق جيل الشباب الذي أراد التغيير في العالم العربي، وربما الربيع العربي تم اختطافه أو على الأقل بعضه..
الشاعر سعدي يوسف:
هؤلاء الشباب مساكين، لم تترك لهم حتى فرصة واحدة ليأخذوا الأمور بأيديهم. في مصر المسألة واضحة، هؤلاء نُحوا جميعا حتى “الغرافيتي” والفن التشكيلي أزيحت بالكامل عن المشهد، وحتى ذكرها لم يعد يرد، حل الظلام وبالتصويت أيضا.
محمود أبوبكر (صحفي الجزائر نيوز):
كيف تكون الثورة الحقيقية في رأيك؟
الشاعر سعدي يوسف:
تحتاج إلى نواة ثورية قابلة للاتساع لجذب الناس إلى نقطة ضوء قادمة، قادرة على أن تحظى بنوع من الإجماع، وهذا الشيء الذي حدث في الهند، وفي مصر زمن سعد زغلول.. تحدث الأشياء هكذا وليس بحركة تأمريه.
زهور شنوف (سكرتيرة تحرير الأثر):
في رأيك من سيقود هذه النواة الثورية في العالم العربي اليوم؟
الشاعر سعدي يوسف:


الآن لا توجد ملموسية في أية نواة من هذا النوع، يمكن تعقيدات ما يحدث تنتج هذه النواة، في مصر أنا أهتم بالحزب الاشتراكي المصري، سمير أمين.. قد ينجح الحزب الاشتراكي المصري في قراءة المجتمع بشكل أدق، لجلب جماهير أوسع من الشعب المصري، لكنها حركة بطيئة تأخذ زمنا وتاريخا معينا، لأن هؤلاء الظلاميين الذين استلموا مصر سوف يفككون المجتمع المصري ويعيدون بناءه حسب الصورة التي يريدونها وبدأوا بالصحافة والجامعات ودوائر البحث، وتحجيب المرأة أولا مثل ما حدث في أفغانستان.
محمود أبوبكر (صحفي بجريدة الجزائر نيوز):
تتوقع أنهم سيغيرون المجتمع؟
الشاعر سعدي يوسف:
المجتمع صوّت لهم، جاءوا بالتصويت، يعني بتأييد شعبي لأن نداءهم كان يستند إلى شيء حقيقي، من بؤس الناس والإيمان بالمطلق، وهذه مسألة خطيرة، ثم لأنهم كانوا الأكثر تنظيما، يقدمون مساعدات عينية، مادية، لهم شبكة أطباء، شبكة صيدليات، يبيعون ملابس بنصف السعر..
زهور شنوف (سكرتيرة تحرير الأثر):
ألا تعتقد أن غياب غيرهم هو ما عزز حضورهم وجعلهم ينجحون أكثر؟
الشاعر سعدي يوسف:
هذا صحيح تماما، لكن لا يعني أن الخيار جيد.
زهور شنوف (سكرتيرة تحرير الأثر):
لكنهم سيتحمّلون نتيجة خيارهم في الأخير.
الشاعر سعدي يوسف:
(يضحك)، طبعا.
محمود أبوبكر (صحفي بجريدة الجزائر نيوز):
أنا أرى نوعا من التناقض بين قولك أن الذين وصلوا للحكام بعد الثورة هم خيار الشعب، وبين أن الثورات مصنوعة في الخارج..
الشاعر سعدي يوسف:
صنع الخارج يعتمد على عناصر الداخل، يستخدم عناصر محلية، هو لن يأتي بجنود أمريكيين إلى مصر للتصويت.
محمود أبوبكر (صحفي بجريدة الجزائر نيوز):
لكن في وجود الأغلبية هناك شرعية.
الشاعر سعدي يوسف:
شرعية لا ثورية (يضحك).
محمود أبوبكر (صحفي بجريدة الجزائر نيوز):
لو اختلفنا في موضوع الثورة، لو اعتبرناها فعل تغيير هي في النهاية تحاول تغيير الوضع القائم لإرساء نظام جديد يختار فيه الشعب من يريد..
الشاعر سعدي يوسف:
والله شوف، كان الرفيق التولياتي يقول: “أنا كلمة الجماهير هذه لا أؤمن بها، لأن الجماهير سهل تضليلها، كلها سارت وراء موسوليني”. أية جماهير، كما قال لي صديق فنان إيطالي “70 بالمائة من المجتمع فاشيون، وإذا لم يكونوا كذلك كيف اختاروا رجلا كبرلوسكوني ليحكمهم كل هذه السنوات”؟
محمود أبوبكر (صحفي بجريدة الجزائر نيوز):
ماذا نفعل نغيّر الشعب؟
الشاعر سعدي يوسف:
(يضحك)، لا نغيّره، لكن هذا واقع ويجب على الأقل أن نعترف به، وتبقى المسألة وجهات نظر.
احميدة العياشي (مدير الجزائر نيوز):
سؤال أخير نختتم به اللقاء، من خلال احتكاكاتك وقراءتك، كيف ترى المشهد الشعري في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة؟
الشاعر سعدي يوسف:
والله، لست متفائلا كثيرا، ففي السنوات الأربعين الأخيرة لم يحدث اختراق فعلي في طبيعة النص الشعري العربي، توجد صبوات هنا وهناك، عند هذا وذاك، ولكن اختراق حقيقي بحيث نقول هناك مرحلة، شيء غير وارد.

 

اخر تحديث الثلاثاء, 16 أكتوبر/تشرين أول 2012 15:59
 
without.jpg
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث