الجمعة, 24 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 910 زائر على الخط
الإمساك بنبض القصيدة في فيلم "الأخضر بن يوسف"* طباعة البريد الإلكترونى

طه حسين رهك
 Image

ارتبط الشعر منذ القدم ارتباطاً عضويّاً بالموسيقى، حيث كان أغلب الشعراء هم أنفسهم العازفين والمغنين لشعرهم ليقينهم بأنّ الكلمة تكتسب قدرة على التعبير أقوى أضعاف المرات لدى اقترانها باللحن، والشعر يماثل الموسيقى في الأوزان وتركيب الأصوات، فالموسيقى عند الفارابي " صناعة في تأليف النغم والأصوات ومناسباتها وإيقاعاتها وما يدخل منها في الجنس الموزون والمؤتلف بالكمية والكيفية وهنا تكمن مقاربة الموسيقى بالشعر كصناعة، ولكنّ التباين بينهما من حيث الجوهر يكمن في أنّ الشعر ومن خلال أدواته الإبداعيّة المتجسّدة بالكلام وبالصورة الشعريّة هو " أكثر الفنون إهابة بالعقل"، كما يقول عنه الفيلسوف ( كانت ) وكذلك يعرّفه الجاحظ " الشعر شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا" ، أما الموسيقى فهي فنّ مجرّد إن لم يكن أكثر الفنون تجريداً، وهذا ما أكده شوبنهاور بقوله: " الموسيقى هي تمرين في الميتافيزياء اللاواعية لا يعرف فيه الفكر أنّه ".

يعمل فلسفة"، وهو ما تبنته مدرسة لايبزغ كشوبان وبرامز، ولكنّ ... كم التقى الشعر بالموسيقى في تزاوج بات مألوفاً لحواسنا؟ وكم أنجبا لنا من جمال ومتعة وبهجة وأسى؟ وقد أدرك الشعراء العرب أهميّة هذا التزاوج  حيث عبّر عنه الشاعر حسان بن ثابت بقوله:
تغنَّ بالشعر إما كنت قائله             إنّ الغناء لهذا الشعر مضمار
 
وتجربتي مع النصوص الشعريّة كموسيقي فتحت لي آفاقاً رحبة،  وحريّة في التأليف  وكسر القوالب المتعارف عليها بالألحان والتوافقات الهارمونيّة،  وخاصّة مع الشعر الحرّ، فلا أقيم وزناً لما هو مألوف ومحليّ، وقراءتي الموسيقيّة للنصّ لا تتقيد بأوزانه الشكليّة، بل بالموسيقى الداخليّة للقصيدة، وبالتوافق والتنافر للصورة عند الشاعر، وبدفق الأحاسيس الكامنة في النصّ. وأعتقد انّ تجربتي مع قصائد الشاعر الكبير سعدي يوسف كان لها طعمٌ مميزٌ، وذلك لما تبلغه القصيدة عنده  من مستويات عالية في التجسيد الفنيّ والإبداع اللغويّ الراقي، والتوحد الإلهامي وقوّة الموضوع .
 وكانت بدايتي مع شعر سعدي يوسف في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، عندما كلـّفت بوضع موسيقى وألحان مسرحيّة ( زهرة البغداديّة ) لمخرجها الفنّان العراقيّ المبدع جواد الأسدي في دمشق ومع قصيدة:
 
 
               في هذا العصر المختار  .. قد يحيا خمسة أشخاص في خمسة أمتار                            
    ولقد يتربع شخص، أو لصّ واحد  ... في دار ملايين خمسة                               
 
بعدها تابعت قراءتي المستفيضة لشعره، ووجدتني مسكوناً بعالمه، وتتابعت الألحان لقصائد عديدة، بحيث أني لحنت كلّ قصائد مجموعته التي كتبها بعد حصار بيروت ( مريم تأتي )، وفي برلين لحنت له: (سلاماً أيها القتلى)، وهي صرخة مدويّة ضدّ الحروب والدمار، وقد فازت الأغنية بالمرتبة الأولى ضمن ( أغنيات ضدّ الحرب ) التي نظـّمتها إذاعة برلين في دار الثقافات بمطلع التسعينيات من القرن المنصرم، وقد ألفت من وحي أشعاره بعض المقطوعات الموسيقيّة التي كتبتها  لثنائي ( بساتين ) للعود والبيانو. كانت تجربتي الأخيرة مع شعر سعدي يوسف في فيلم ( الأخضر بن يوسف ) حيث اختارني الشاعر بالاتفاق مع مخرجي الفيلم،  الفنانين جودي الكناني وباسل علي عمران لوضع الموسيقى وألحان الأغاني، وكان عليّ بعد هذه الثقة التي منحني إياها شاعرنا الكبير أن أعمل بشكل استثنائيّ للغور في أعماق عالمه واقتناص النبض الداخليّ لكلّ قصيدة على حدة. جاءني المخرج جودي الكناني إلى برلين قادماً من كوبنهاجن، وعرض عليّ بعض اللقطات التي أنجزها من الفيلم لتوضيح تصوراته ورؤاه، ثمّ اصطحبني للقاء شاعرنا في شقة ابنته "شيراز" في ضواحي برلين، استقبلني "أبو حيدر" بحنو وبمشاعر فياضة، وأوضح لي تصوّراته عن الموسيقى وأكـّد لي على استعمال آلة التشلو في القطع الموسيقيّة لتأثيرها الدراميّ الكبير، ولقدرتها على استنطاق عالمه، كان اللقاء بالنسبة لي محفـّزاً كبيراً للعمل على رسم الصورة التي تمنّاها  شاعرنا، والتي تتواءم مع رؤيّة المخرج، فاخترت لمقدمة الفيلم أغنية على آلة العود وبصوت الفنان سمير منصور مطلعها:
ياما أخذت الهوى بالحلم والأحضان
  أغفو على نعمة  .. أطفو على ريحان
والتبر في راحتي .. والورد في البستان
ياليت شمس الضحى حنت على الولهان.
 
 وفي مشهد ( ولدي حيدر ) الذي يفيض بالأسى وبلوعة الفراق، تحاشيت الوقوع بالمطب الذي تعوّدنا عليه في الأفلام والمسلسلات العربيّة باستعمال المقامات الحزينة، وتعمّدت أن أستعمل شكلاً موسيقيّاً يعتمد على ثيمة شفافة تتناول الموت كحقيقة وجود كما الميلاد، وتتصاعد لتكون نشيداً للموتى في مشهد المقبرة.
 
حفلت مشاهد عديدة بإلقاء قصائد بصوت الشاعر، فكان على الموسيقى أن تصمت حيناً، وأن تتدخل باستحياء في أحيان أخرى، ضمن معادلة سطوة النصّ مقابل سطوة الموسيقى، فعلاقة الموسيقى بالصورة أكثر وقعاً على المشاهد في الشريط السينمائيّ من علاقتها بالنصّ المقروء، ففي المشهد الذي يصوّر الشاعر ماشياً منفرداً في الغابة وضعت له مقطوعة للتشلو والفلوت بوليفونياً، أي أن لكلّ آلة لحن يختلف عن الآخر، فاللحن الذي تؤديه آلة الفلوت كان يعبّر عن قوّة انسجام الطبيعة في الغابة وآلة التشلو كانت تشجو بلحن معبر عن هواجس الشاعر قبل أن يتخيـّل ولده حيدر قادماً من بين الأشجار. وهكذا في مشهد جلوسه أمام المرآة الذي يلي مشهد تساقط الأشجار في الغابة، فالمقطوعة التي وضعتها كانت حوارًا نغميّاً بين آلتي التشلو والفلوت، حاملة شحنات إيقاعيّة منسجمة مع جماليّة المشهد. واختتمنا الفيلم بأغنية:
ياجار آمنت بالنجم الغريب الدار
  ياجار نادت ليالي العمر : أنت الدار
 ياما ارتحلنا وظلّ القلب صوب الدار
 ياجار لا  تبتعد ... دربي على بغداد .
 
طيلة الأسابيع التي بها كتبتُ وسجـّلتُ موسيقى الفيلم كنت على اتصال دائم بأبي حيدر، لأضعه في صورة العمل، ومن الطرائف أنّني عندما شرعت بتلحين قصيدة :( حين صافحتني .. صار كلّ اغترابي هاجساً للجذور)، غيّرت في المقطع الأوّل فأصبح ( حين صافحتني صار اغترابي كلـّه هاجساً للجذور )، وعندما أخبرت سعدي يوسف بذلك كان رده :إذا كان اللحن يستوجب ذلك فلا بأس برغم أن الوزن الشعريّ قد تخلخل، هذا التسامح الجميل، بل قل هذا الانحياز لفنّ الموسيقى يجعل العمل مع هذه القامة الشعريّة ذا نكهة مميّزة.
اذن الشعر والموسيقى وجهان لعملة الجمال، وكم أمتعني العمل على شعر سعدي يوسف الذي ملأ قلبي جمالاً افتقدته منذ فترة ليست بالقصيرة.
 
تنصيصات :
،،  تجربتي مع النصوص الشعريّة كموسيقي فتحت لي آفاقاً رحبة،  وحريّة في التأليف  وكسر القوالب المتعارف عليها بالألحان والتوافقات الهارمونيّة، وخاصّة مع الشعر الحرّ، فلا أقيم وزناً لما هو مألوف ومحليّ، وقراءتي الموسيقيّة للنصّ لا تتقيد بأوزانه الشكليّة، بل بالموسيقى الداخليّة للقصيدة ،،
 
،،  حفلت مشاهد عديدة من فيلم (الأخضر بن يوسف) بإلقاء قصائد بصوت الشاعر سعدي يوسف، فكان على الموسيقى أن تصمت حيناً، وأن تتدخل باستحياء في أحيان أخرى، ضمن معادلة سطوة النصّ مقابل سطوة الموسيقى، فعلاقة الموسيقى بالصورة أكثر وقعاً على المشاهد في الشريط السينمائيّ من علاقتها بالنصّ المقروء ،،

اخر تحديث الثلاثاء, 13 دجنبر/كانون أول 2011 18:20
 
three_revier.jpg
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث