الإثنين, 20 نونبر/تشرين ثان 2017
الرئيسية
سيرة ذاتية
الاعمال الشعرية الكاملة
قصص قصيره
ديوانُ الأنهار الثلاثة
جِـــــــرارٌ بِلونِ الذهب
الحياة في خريطةٍ
عَيشة بِنْت الباشا
قصائـدُ هَـيْـرْفِـيــلْـد التلّ
طـيَـرانُ الـحِـدْأَةِ
الخطوة السابعة
الشــيوعــيّ الأخير فقط ...
أنا بَرلــيـنيّ ؟ : بــانورامـــا
الديوانُ الإيطاليّ
في البراري حيثُ البرق
قصائد مختارة
ديــوانُ صلاة الوثني
ديــوانُ الخطوة الخامسة
ديــوانُ شرفة المنزل الفقير
ديــوانُ حفيد امرىء القيس
ديــوانُ الشــيوعــيّ الأخير
ديــوانُ أغنيةُ صيّــادِ السّمَك
ديوان قصــائدُ نـيـويـورك
مقالات في الادب والفن
مقالات في السياسة
قصائد الحديقة العامة
صــورة أنــدريــا
ديــوانُ طَــنْــجـــة
ديوان غرفة شيراز
أراء ومتابعات
البحث الموسع
English
French
المتواجدون الان
يوجد حالياً 186 زائر على الخط
تِينوس الأغارقة طباعة البريد الإلكترونى

سعدي يوسف

Image

في هذا اليوم ، السابع والعشرين من تمّوز ( يوليو . يوليوز. جْوِيّـيـة ... إلخ ) في العام الحادي عشر بعد الألفَين ، في هذا اليوم، ومنذ الرابعة فجراً آنَ استيقظتُ ، أُغِذُّ المسعى إلى جزيرة تينوس الإغريقيّة العائمة أبداً في بحر إيجة.
دعاني إلى مهرجانٍ شِعريّ هناك أناسٌ أغارقةٌ لا أعرفهم . سألوني أن أرسل لهم نصوصاً عيّنوها هم ، من بينها :
أميركا ، أميركا ...
وليل الحمرا
قالوا إنهم سينقلون النصوص إلى لسانهم الـمُـبِيـن ، وإني سأقرأ القصائد بلغتها الأصلِ : العربية.

  قلتُ في نفسي : لقد أحسَنوا الإختيار . القومُ ، إذاً ، أخيارٌ !
تذاكر السفر أُرسِلَتْ مبكِّــرةً .
تسلّمتُ إشعاراً بها ، وأنا في طنجــة.
الآن ، أنا في مطار هيثرو ، القاعة الأولى ، التي لم أنطلِقْ منها منذ حينٍ.
الشركة الناقلة : طيَران إيجــة .
لم يبقَ إلاّ إيكاروس !
*
الساعة الآن ، في المطار ، العاشرة والدقيقة الأربعون .
بوّابةُ المغادرة تُفتَح في الحادية عشرة وعشرِ دقائق .
المغادرة : في الحادية عشرة والدقيقة الخمسين.
أتلَبّثُ :
كأسُ بيرةٍ إيرلندية سوداء . شرائح بطاطا مقليّة طازجة .
نسوةُ الخليجِ يأتين مجلبَباتٍ بالسواد .
لا أدري لِمَ فُرِضَ على الخليجيّات السوادُ .
الرجالُ هناك بالأبيض.
النساء بالأسود.
الرجعيةُ صارخةٌ حدّ اللعنة !
لِمَ لا تنقلب الأمور؟
الخليجيّون يرتدون الأسود.
والخليجيّاتُ يرتدين الأبيض ... في غير ليلة الزفاف.
سيكون العالَمُ أجملَ !
الخليجيّاتُ رائعاتٌ . والخليجيّون مُرَوَّعون !
*
عليّ الآن أن أُطبِقَ النوتبوك .
أن ألتحقَ ببوّابة المغادرة !


بِتُّ ، البارحة ، في فندق آفرا بمنطقة رافينا ( منطقة الميناء ) وكان للاختيار سببٌ وجيهٌ جدّاً ، إذ بمقدورك أن ترى ، من شرفة الغرفة ، السفينةَ التي ستأخذك إلى الجزيرة.
هذا الصباحَ ، استيقظتُ مبكِّراً أيضاً ، في حوالَي الرابعة والدقيقةِ الثلاثين . أنا اكتب الآن ، وفي المرآةِ تنعكسُ أضواء المرفأ الإغريقيّ . هلالٌ رهيفٌ في السماء الصافية . هلالٌ افتقدتُهُ طويلاً في لندن الغائمة.
اليوم هو الثامن والعشرون من تمّوز.
مساء أمس ، كنتُ جائعاً.
بعد خطواتٍ خارج الفندق كان مقهى ومطعم وجباتٍ ســريعة.
طلبت ، مستخدِماً بضعَ كلماتٍ يونانيّةٍ  من بقايا الذاكرة القبرصية ، ومفرداتٍ إنجليزية ، هامبرغر دجاج  ، والأهمّ من الدجاج كان النبيذ الذي جاءني في دورق يسَعُ نصفَ لترٍ. سألتُ النادل عن أصل هذا النبيذ الأحمر الخفيف ذي الحلاوة المستسرّة ، قال : من أتيكــا .
اليونان تنهمر من جديد!
*
كان الرجل المكلّفُ استعلاماتِ الفندق زوّدني تذكرتَين للإبحارِ إلى تِينوس والعودة منها . التذكرتان باللغة اليونانية ، لكني أستطيع التمييز بين تذكرة الذهاب ، وتذكرة الإياب ، بتاريخ السفر وموعدِه.
كأنني في الصين!
وضعتُ تذكرة الذهاب في جيبي ، جاهزةً.
قال لي موظف الاستعلامات   إن فطور الصباح يبدأ في السادسة والنصف . وأضاف رحلتُك إلى تينوس ستكون في السابعة والنصف . لديك وقتٌ.
في سالف الأيام ، لم أكُنْ بهذا الحرص على المواعيد.
أتذكّرُ ، مرّةً ، أنني كنت مغادراً دمشق صباحاً ، بالطائرة ، أيّام مطار الـمَـــــزّة .
اقتربت السيارة من المطار ، لكن طائرتي كانت أقلعتْ للتوّ !
لكنْ في تلك الأيام كانت الأمورُ أيســرَ .
*
قد تكون السماءُ صافيةً
غير أني أنوءُ بالسُّحُبِ ...
*
الساعة الآن ، تقترب من السادســة .
في البُعدِ أرى الأفقَ ورديّاً .
عليّ  أن أرتِّب حقيبتي ، وأطْبِق النوتبوك..
الصباحُ ينجلي !

*
أدخل السفينة ( العبّارة – الـمُعَدِّية بفصاحة مصر ) في السابعة .
يبدو أن مجلسي في السفينة كان للأكابر .
جاء ثلاثة أشخاص وجلسوا  معي .
رجلان وامرأة .
حاولت المرأةُ بلطفٍ شديدٍ إقناعي بالانتقال إلى موضع آخر باعتبار أن صديقاً لهم كان يُفترَض أن يجلس معهم . اعتذراتُ بدعابةٍ قائلاً إنني  لا أفقفه الجواب إذا ما سألني أحدٌ من موظفي السفينة عن سبب تغيير مكاني . قلت لها إنني اطرشُ في الزفـّــــــــّة !
الشخصُ الذي كان يواجههُني ، يرتدي ملبساً أسودَ .
سألتُه بلا مقدّمات: هل أنت راقصٌ ؟
نظرَ إليّ غيرَ مستغرِبٍ  وقال : كيف عرفتَ ؟ نعم . كنتُ راقصاً . لكنّ ذلك  كان منذ زمنٍ بعيدٍ . كيف عرفتَ ؟
قلتُ : أنا كاتبٌ . مهنتيب أن أعرف الناس.
قال: أنا كاتبٌ أيضاً . شاعرٌ .
سألتُه : أأنت مدعوٌّ إلى المهرجان ؟
الهامّ أننا تعارَفْنا . وحين عادت المرأة قدّمني إليها . هي زوجةُ شاعرٍ يونانيّ معروف . جاء الشاعرُ اليونانيّ المعروفُ : أأنت سعدي يوسف؟
السفينة تواصلُ عبورَها .
بلغْنا الجزيرة حوالَي التاسعة والنصف مساءً .
Tinos Beach
هو فندقُنا .
بحرُ إيجة رائقٌ أزرقُ وهاديء .
والسابحون كثارٌ لكن الشواطيء غير مزدحمةٍ .
اليونانيّون يتصرّفون ، على طبيعتهم . ثمّتَ حكمةٌ بسيطةٌ ، ورضا نفسٍ ، وابتهاجٌ بالحياة .
ما أبعدَهم عن وجوم الإنجليز ، وتحفُّظهِم المنافق!
لا أدري كيف أصشفُ هذا اللقاء بين الشعراء المدعوّين ؟
بعد اللقاء الإلزامي عند استعلامات الفندق في التسجيل ، لم أعُدْ أرى أحداً . يا إلهي ... أين ذهبوا؟  هي جزيرةٌ صغيرةٌ. وقد جئنا من أطراف العالَم  ، كي نلتقي ...
والله ، لا ادري !
على أيّ حالٍ ...
غداً  ، أي في التاسع والعشرين من تمّوز ، ساشارك في الأمسية .
لكننا ، حتى الآن ، لم نرَ المكان الذي سنُلقي فيه قنابلَنا  ...
أهو عملٌ  ســرّيٌّ ؟
أعتقدُ أنّ عليّ أن أقول شيئاً  ...
لكنْ لِــمَــن؟
ظهيرةَ هذا اليوم ، شعرتُ بالجوع.
لا أدري إنْ كانت هناك ترتيباتٌ حول الأمر .
قلتُ :  أذهبُ كما اعتدْتُ  ...
سرتُ بمحاذاة الشاطيء والمطاعم المهتمّة بالسائحين .
أخيراً وصلتُ إلى مقهى ليس فيه أحدٌ .\قلت : هذا مكاني !
سيدةٌ وابنتها تديران المكان : ماريكا ويُوانا .
طلبتُ جبن غريّير وجبناً آخر محلّيّاً . طلبت زجاجة نصف لتنر الرتسينا ، النبيذ الإغريقيّ الأبيض الخفيف .
طلبتُ خبزاً .
كان أشهى طعامٍ لي منذ زمنٍ .
*
يبدو لي أن الأمور تأخذُ منحىً آخر.
جاء مَن يخبرُني أننا سنجتمع للتداول في شؤوننا . كنتُ استمتع بكأس أوزو مثلّج . قلتُ : لا بأس ! الاجتماعُ على الخير  خيرٌ من كاس أوزو حتى لو كان مثلّجاً .
وقد انعقدَ الشملُ .
وتوضّحتْ أمورٌ .
والآن نحن في مقر المؤسسة الثقافية  للجزيرة.
بيانو
ونساءٌ جميلاتٌ قلَّ ان يراهنّ المرءُ  في بلاد الإغريق  ، وبخاصّة المغاليات في الشُّقرة أو التشقير .
الموسيقى العذبة من البيانو تخفُتُ .
نحن سنسمعُ شِعراً !ً
*
يبدو أننا لن نسمع شعراً   الآن . كلمةٌ طويلة من رجلٍ متحمِّسٍ لأن تكون هذه الجزيرة عاصمةً ثقافيّةً لبحر إيجة . ثم جاء القسّيسُ اليونانيّ التقليدي  ، ذي الثياب السود والشَعرِ  الأسودِ . الشّعرُ لم يبدأ بَعْدُ . على الشِّعر أن ينتظر نهايةَ المكتبيين.
بدأ الشِّعرُ على التاسعة والنصف .
ثلاثة شعراء   وشاعرة واحدةٌ .
شاعران يونانيّان و شاعرٌ من كرواتيا كنتُ تحدثت إليه قبل الأمسية .
الشاعرة  أظنُّها إغريقيّةً .لم تكن شاعرةً . كانت قاصّةً . ألقتْ بياناً سياسيّاً من مقدمة آخر روايةٍ لها.
الشاعر الأول سبعينيَ عُمراً.إلقاؤه ممتازٌ.قصيدته الأولى كانت عن ماشٍ على الحبل . الكرواتيّ الفتيّ كان ناجحاً
في استمالة الحضور ، بقصائده العاطفيّة القصيرة.
وكان هناك شاعرٌ أميركيّ كثيف اللحية ألقى قصائد جيدة تهتمّ بالطبيعة. القصائد أُلقِيَتْ باللغة الإنجليزية.
ليس بمقدوري ، متابعة الشعراء الآخرين ، بسبب حاجـز اللغة  ، لأنّ الترجمة لم تكن متوافرةً ، كما يلزمُ . قد يستطيع الناسُ التغلّبَ على هذه المعضلة في الدورات القادمة لمهرجانٍ يريدون له أن يكون عالميّا .
*
صباح اليوم ، التاسع والعشرين من تمّوز ، أردتُ الذهابَ إلى المرفأ   ، لأشتري بطاقة ذاكرةٍ لآلة تصويري الجديدة الصغيرة ، أوليمبوس : كأنها يونانيّة النسَب!
قالت لي موظفة الاستعلامات إن حافلة الفندق تتأخّر ، لكن هناك حافلةً عامّةص تنقل الناس إلى المرفأ . الموقف على مبعدة أمتار. الأجرة أقل من 2 يورو.
وهذا ما حدث.
في المرفأ أسألُ : فوتوغرافيا !
يشيرون عليّ بأن أذهب يميناً ثم يساراً فيميناً ... إلخ.
بلغتُ المكان . اشتريت بطاقة الذاكرة بسِعر أكثرَ قليلاً من سِعر لندن . لا بأس . صاحب المحل يسأل . أقول له : من العراق . يقول : لا أفقَ  ...
الحربُ دمّرتْ كلَّ شــيء !

*
في الظُّهرِ أذهب إلى مقهى- مطعم  لا يرتاده السائحون . فعلتُ هذه اليومَ أيضاً . طلبت معكرونة نابوليتان وزجاجة نبيذ رتسينا الأبيض الخفيف . رأيت الشاعر الإيراني فريدون يغذّ خطاه . الشمس ساخنةٌ . والوقت ظُهرٌ . ناديتُه من مكاني : فريدون ، تعال هنا ! إلى أين أنت ذاهبٌ تحت شمس الهاجرةِ ؟
قال : إلى معبد بوسيدون ( إله البحر الإغريقيّ ) عنه قريبٌ . قلت له : نتغدّى ، ثم نذهب . دعوتُه إلى ما طلبت . طلبنا زجاجةً ثانيةً . قلت له : فريدون ... ننتهي من الزجاجةِ الثانية لنجد أن بوسيدون جاء إلينا ، بدلاً من أن نذهب إليه !
*
هذا المساء ستكون القراءة في قرية فولاكس بأعلى الجبل.
للمرة الأولى ألتقي جورج بلاناس مترجِمي إلى اليونانية . رجلٌ رائعٌ . زوجته لطيفةٌ جداً . لهما بنتٌ وولدٌ. متزوجان منذ أربعة عشر عاماً .
قرأتُ " ليل الحمرا " ، جورج بلاناس قرأ " أميركا أميركا " كاملةً .
قرأتُ أيضاً قصيدة كافافي الشهيرة " إيثاكا " باللغة العربية ، ومن ترجمتي .
صفّقَ الحضورُ طويلاً حين أريتُهم  كتاب كافافي  " وداعاً للإسكندريّة التي تفقدُها " .
قلت لهم : إنها الطبعة الخامسة :
بغداد – بيروت – ثلاث طبعات في دمشق.
اليونانيون يقدِّسون شعراءهم.
وهم مُحِقّون تماماً : شعراء اليونان من أفضل شعراء العالَم .
*
في المطعم ، بعد الأمسية التي بدأتْ متأخرةً على طريقة القوم هنا ، سهرنا حتى مطلع الفجر !
فولاكس ، قريةٌ شيّدها الخيال.

رافينا  31.07.2011

اخر تحديث الثلاثاء, 16 غشت/آب 2011 13:33
 
Bristol-sketch.jpg
سعدي يوسف على الفيسبوك

اضغط هنا

فيلم " الأخضر بن يوسف "
لمشاهدة فيلم الأخضر بن يوسف اضغط هنا
المواضيع الاكثر قراءه
البحث