البناء الفني

في شعر سعدي يوسف

 

 

 

رسالة تقدم بها

عبد القادر جبار طه

إلى مجلس كلية الآداب بجامعة بغداد

وهي جزء من متطلبات نيل درجة ماجستير آداب في اللغة العربية

 

 

 

بأشراف

الأستاذ الدكتور فليح كريم الركابي

 

 

 

 

ربيع الأول 1428 هــ                                        نيسان2007 م

 

 

 

 

 

 أشهد بأن إعداد هذه الرسالة جرى تحت أشرافي في جامعة بغداد وهي جزء من متطلبات نيل درجة ماجستير آداب في اللغة العربية .

 

 

 

التـوقيـع :

المشرف : الأستاذ الدكتور فليح كريم الركابي

التـاريـخ :     /     /  2007                   

 

بناءا على التوصيات المتوفرة  أرشح هذه الرسالة للمناقشة

 

التوقيع :                        

الدكتور نهاد حسوبي         

رئيـس قسـم اللغـة العربيـة  

التاريخ :     /        /  2007

 

نشهد أننا أعضاء لجنة المناقشة اطلعنا على هذه الرسالة , وقد ناقشنا الطالب في محتوياتها , وفيما له علاقة بها ونعتقد إنها جديرة بالقبول بتقدير  (                                       ) لنيل درجة الماجستير في آداب اللغة العربية .

 

  التوقيع :                                                               التوقيع :

  الاســم : د. عبد اللطيف حمودي                                  الاســم : د. عربية توفيق لازم

          (عضواً )                                                               (رئيس اللجنة)

         /      / 2007                                                        /    / 2007 

 

التوقيع :                                                                التوقيع :

الاســم : د. جمال جليل إسماعيل                                  الاســم : د. فليح كريم الركابي

        (عضواً )                                                                  (عضواً و مشرفاً )

      /     / 2007                                                                    /    / 2007  

 

 

                                                                    التوقيع :

                                                                    الاســم : د. فليح كريم الركابي

                                                                             عميد كلية الآداب

                                                                              /      /  2007  

 

محتويات الرسالة

الموضوع

الصفحة

المقدمة

1

التمهيد

6

الفصل الأول (البنية الظاهرة)

34

المبحث الأول (التشكيلة البصرية)

37

المبحث الثاني (الوزن)

54

المبحث الثالث (القافية)

76

الفصل الثاني (البنية الشاركة)

97

المبحث الاول (الايقاع الداخلي)

100

المبحث الثاني (التوازي)

116

المبحث الثالث (التنغيم)

138

الفصل الثالث (البنية المضمرة)

150

المبحث الاول (البناء التوافقي)

153

المبحث الثاني (البناء التعارضي)

169

المبحث الثالث (البناء التوالدي)

183

الخاتمة

203

المصادر والمراجع

208

 

 

المقــدمـــة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين، النبي الامين محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم..

وبعد

فقد أصبحت قضية البناء الفني في القصيدة العربية واحدة من القضايا الرئيسة التي تناولها النقاد والباحثون في دراساتهم، لما تنطوي عليه من تنوع جمالي تتكشف أسراره مع كل محاولة لسبر غور الشعر، والغوص في عوالمه الفسيحة، وكان الباحث منذ سنوات خلت منشغلا بالشاعر العراقي سعدي يوسف، ومنشغلا بالدهشة التي تحدثها قصيدته لحظة القراءة، لهذا قرر منذ دخوله في دروب اللغة العربية ان يحاول اكتشاف هذا السر العجيب في عالم شعر سعدي يوسف، وبعد التوكل على الله اجتاز السنة التحضيرية وكان معه عنوان الرسالة (البناء الفني في شعر سعدي يوسف)، فبدأ البحث والرحلة بين الكتب الموروثة عن أغلى تراث أدبي، لأشرف لغة عرفتها الدنيا، لغة القرآن العظيم، وهذه الرحلة دفعته لان يبحث بين طيات الكتب الحديثة وما أنتجه الفكر فيها من عربي وغربي، في محاولة لاعتماد المفهومات والمصطلحات التي تفتح مغاليق القصيدة أمامه، وبعد حوار مع أساتذته الافاضل والاستاذ المشرف خاصة، قرر الباحث ولوج الدرب الصعب الذي اختاره في اول الامر ، وهو (البناء الفني للقصيدة).

وكان ذلك الاختيار يفرض عليه الاطلاع على الرسائل العلمية التي تناولها زملاؤه وأساتذته قبله واغنوا المكتبة العربية بطروحاتهم فيها، وان يطلع على الكتب الصادرة بهذا الشأن.

وتجول الباحث بين المفهومات والمصطلحات والبحوث والكتب، وكان البدء أمامه صعبا بسبب ضبابية الرؤيا عنده، لكن البحث المخلص والجاد فتح مغاليق الافكار لدى الباحث وأجاب عن بعض من اسئلته ، لكن الاسئلة الاخرى ظلت عنده مدار بحث وتقص حتى اهتدى بعد توفيق من الله الى الاطار العام للبحث، فقسمه على تمهيد وفصول ثلاثة.

ولكي يحاول الباحث الاحاطة بالموضوع، قسم التمهيد على قسمين: الاول درس فيه (البناء الفني لغة واصطلاحا وتطورا تاريخيا)، في محاولة منه لتحديد هذا المصطلح، اما القسم الثاني فدرس فيه (السمات العامة للبناء الفني في قصيدة سعدي يوسف)، من اجل ان يعطي فكرة عامة عن الدراسات السابقة التي تناولت هذا الشاعر، معتمدا على الكتب الصادرة في العراق وفي الوطن العربي، وحاول الباحث في هذا القسم من التمهيد ان يعطي فكرة عامة لآراء النقاد والباحثين بشأن شعر سعدي يوسف.

وفي الفصل الاول درس الباحث (البنية الظاهرة) في قصيدة الشاعر موضوع البحث، وحاول تسويغ هذا المفهوم على وفق اسس علمية ومنطقية، وذلك من خلال مباحث ثلاثة (البنية التشكيلية البصرية)، و(الوزن)، و(القافية).

وكانت امام الباحث مناهج مختلفة، الامر الذي زاد المهمة صعوبة، فلكل منهج مزاياه وعيوبه، وبعد حوار مع استاذه المشرف توصل الباحث الى ان المنهج التحليلي هو الاصلح لدراسة موضوع مثل الذي يخوض فيه.

اما الفصل الثاني فدرس فيه (البنية الشاركة)، وهي ايضاً كانت بحاجة الى تحديد مفهومي، وحاول الباحث ذلك، وتضمنت هذه البنية مباحث ثلاثة وهي: (الايقاع الداخلي)، و(التوازي)، و(التنغيم).

وفي هذا الفصل لاحظ الباحث ان الحدود بين المباحث شفافة جدا الى درجة التنافذ لانها تشكل بنية ايقاعية اخرى غير الوزن في القصيدة، كما تتداخل هذه المباحث مع مباحث الفصل الاول، فالقافية عند بعض النقاد والدارسين للايقاع بنية (تواز) ايضا، لكن الذي يفصلهما بعد تدقيق الباحث في خاصية كل مفهوم ان القافية تحدد بعض أنماط بناء القصيدة، في حين لاتحدد بنى التوازي الاخرى انماط البناء وهذه المسألة ساعدت الباحث على فصل القافية عن (التوازي) في الدراسة.

وفي الفصل الثالث درس الباحث (البنية المضمرة)، وهي اعمق بنية في النص بوصفها البنية الحاملة للمعنى او الرسالة، ولاحظ الباحث ان هذه البنية تمتاز بجدلية خاصة فهي منتجة (بكسر التاء)، ومنتجة (بفتح التاء) في آن واحد ، منتجة للصورة الشعرية التي ترتسم من خلال علاقات الأنساق داخل القصيدة، وهي منتجة (بفتح التاء) عن مجمل عناصر البناء الفني الاخرى، ولهذا قسم الباحث الفصل الثالث على ثلاثة مباحث ايضا، وهي: البناء التوافقي والبناء التعارضي والبناء التوالدي، ولكل بنية من هذه البنى ما يسوغ وجودها في النص كما حاول الباحث اثبات ذلك وطبيعة انتاجها للصورة الشعرية.

ولاحظ الباحث ان البنى الرئيسة التي درسها، وما تتضمنه من بنى فرعية تمتاز باشتراك بعض عناصرها مع عناصر اخرى في بنى اخرى، ولهذا فان بحثه قسم على وفق العناصر الاكثر تأثيرا في البنية ، او العناصر التي تطبع البنية بطابعها، كما لاحظ الباحث ان معظم البنى تحمل قيمتين الاولى ايقاعية والثانية دلالية، لذلك حاول الباحث الاعتماد في تصنيف البنى على القيمة الاكثر بروزا فيها.

ويجد الباحث لزاما عليه بعد هذا العرض السريع ان يعبر عن امتنانه وتقديره وشكره لكل اصحاب الأيدي البيض الذين اسعفوا اسئلته بالاجابة العلمية وساعدوا على انجاز هذه الرسالة بروح نبيلة لاتكف عن العطاء وفي مقدمتهم، الدكتور محمود الجادر والدكتور فائز طه عمر، والدكتورة عربية توفيق لازم والدكتور نهاد حسوبي والدكتور عبداللطيف الطائي، والدكتور عبدالرزاق خليفة والدكتور محمد حسين آل ياسين والدكتورة نصيرة احمد، واذا كان لابد من الاشادة بالاصدقاء الذين قدموا العون والنصيحة للباحث، وكانوا حاتميين في كرمهم فلا بد من الاشادة بالدكتور مرشد الزبيدي والدكتور عبدالمطلب محمود، والدكتور خالد علي مصطفى.

وبعد

يرى الباحث في هذه المناسبة ان الشكر وحده لايفي حق الاستاذ الدكتور فليح كريم الركابي، المشرف على هذه الرسالة، لانه بذل من الجهد الكبير، والوقت الكثير على الرغم من مشاغله من اجل ان ينير زوايا العتمة فيها وتظهر الى الوجود بهذه الصورة، فقد كان الدكتور فليح الركابي مع الباحث موجها مذ كانت الرسالة فكرة تجوس في الذهن، لذا اتقدم بتحية وتقدير وامتنان له، داعيا الله ان يحفظه ويوفقه في عمله لما جاد به من علم غزير ملأ سطور هذه الرسالة فهو نعم الاستاذ ، والاخ، والصديق، بصفاته الرائعة النبيلة المبنية على التواضع الجم والمحبة والاخلاق العربية الاصيلة في العلم والتعامل مع الاخرين.

واخيرا فان على الباحث ان يعترف ان هذه الرسالة لاتدعي لنفسها الكمال لان كل الذي انجزه ربما لا يشكل نقطة في بحر العلم الغزير، وانه لم يكن ليصل الى ما وصل اليه لو لا جهود الاساتذة الاجلاء الافاضل الذين سبقوه في هذا الطريق، وأسأل الله ان يوفقهم جميعا ويوفق كل جهد طيب شريف  لخدمة ثقافتنا العربية العظيمة.

 

 

والله الموفق

الباحث

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Text Box: التمهيـــــــــد

 

 

1ـ البناء الفني لغة واصطلاحا وتطورا تاريخيا

 

2ـ السمات العامة لبنية القصيدة في شعر سعدي يوسف

 

 

يفرض موضوع الرسالة تحديد مقتربين رئيسين، الاول، البناء الفني، لغة واصطلاحا وتطورا تاريخيا والثاني، السمات العامة لبنية القصيدة في شعر (سعدي يوسف)، من اجل تحديد الاتجاهات التي ستتناولها الرسالة والاسس التي سيتم بموجبها اختيار عناصر البناء.

 

 

1ـ البناء الفني لغة واصطلاحا وتطورا تاريخيا

 

في اللغة تحدد المعجمات العربية معنى البناء على انه نقيض الهدم، والبنية بكسر الباء وضمها ما بنيته، واستعملت هذه المفردة للدلالة على انشاء القصور والسفن(1).

 

والبُنى بالضم مقصور، مثل البُنىِ ، يقال بُنية وبنى، وبنيته ومفردة بنى بكسر الباء مقصورة، مثل جزية وجزى، وفلان صحيح البنية أي الفطرة(2).

 

وفي اللغات الاوربية يعود اصل كلمة بنية بحسب ما يذكر الدكتور صلاح فضل الى اللغة اللاتينية (stuere) ، الذي يعني البناء اوالطريقة التي يقام بها مبنى ما، ثم امتد مفهوم الكلمة ليشمل وضع الاجزاء في مبنى ما من وجهة النظر الفنية المعمارية وبما يؤدي اليه من جمال تشكيلي(3).

اما مصطلح (البناء الفني) فمر بأطوار مختلفة تواءمت مع الاطوار التي مر بها الادب ذاته، ففي عصر الاغريق نظر الفلاسفة الى البناء على انه الوحدة العضوية التي تتآزر فيها اجزاء العمل الفني لجعله متماسكا ((بحيث اذا نقل او بتر جزء انفرط عقد الكل وتزعزع ، لان ما يمكن ان يضاف، اولا يضاف دون نتيجة ملموسة لايكون جزءاً من الكل))(4).

ويذهب الدكتور عزالدين اسماعيل الى ان اهتمام الفلاسفة الاغريق بالوحدة العضوية عائد الى خاصية بناء الملحمة التي تمتاز بالطول من جهة، وتعدد موضوعاتها من جهة اخرى(5).

 

 

 وصفتا الطول وتعدد الموضوعات فرضتا وجود وظيفة ذات تأثير فعال لكل جزء من اجزائها، وذلك لاحداث تماسك داخلي في بنيتها بما يجعل المتلقي منشدّا الى احداثها المتعددة.

وفي النقد العربي القديم اتخذ مصطلح البناء اطوارا اخرى، امتازت بتعدد زوايا النظر الى طبيعته وتشكّله، فالبناء عند ابن قتيبة (ت ـ 276هـ) يتحدد في ضوء عاملين: الاول غرض القصيدة، لان ((المديح بناء، والهجاء بناء، وليس كل بان بضرب بانيا بغيره))(1)، والثاني الخصائص الداخلية المشكّلة لموضوعات القصيدة وعلاقتها بالواقع ثم تأثيرها بالمتلقي، فمقصد القصيد ((انما ابتدأ بذكر الديار والدمن والاثار ، فبكى وشكا، وخاطب الربع واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر اهلها الظاعنين (عنها) .. ثم وصل ذلك بالنسيب ، فشكا شدة الوجد، وألم الفراق ، وفرط الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب، ويصرف اليه الوجوه، وليستدعي (به) اصغاء الاسماع (اليه)، لان التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب))(2).

 

ونظر ابن طباطبا (ت ـ322هـ) الى البناء الفني من زاوية الوحدة العضوية للقصيدة، وهي الزاوية نفسها التي سبق للفلاسفة الاغريق النظر من خلالها الى بناء الملحمة الشعرية، فأحسن الشعر عنده ((ما ينتظم القول فيه انتظاما يتسق به اوله مع آخره على ما ينسقه قائله، فان قدم بيت على بيت دخله الخلل.. فأن الشعر اذ أسس تأسيس فصول الرسائل القائمة بأنفسها، وكلمات الحكمة المستقلة بذاتها، والامثلة السائرة الموسومة باختصارها لم يحسن نظمه، بل يجب ان تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه اولها بآخرها نسجا وحسنا وفصاحة، وجزالة ألفاظ، ودقة معان وصواب تأليف ويكون خروج الشاعر من كل معنى يصنعه الى غيره من المعاني خروجا لطيفا، حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة افراغا.. لاتناقض في معانيها ولا هي في مبانيها))(3) .

وجعل ابن طباطبا الوعي عاملا حاسما في بناء القصيدة ، فالشاعر اذا اراد بناء قصيدة ((مخّض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره))(4).

 

اما قدامه بن جعفر (ت ـ 337هـ) فانه اكد في رؤيته لبناء القصيدة وجود مكونين رئيسين: الاول الايقاع ، واشار في هذا الصدد الى ان(( بنية الشعر ، انما هو التسجيع والتقفية ، فكلما كان الشعر اكثر اشتمالا عليه ، كان أدخل له في باب الشعر وأخرج عن مذهب النثر ))(1).

 

والمكوّن الثاني، المعنى ،اذ رأى ((ان بنية الشعر على ان ألفاظه مع قصرها قد اشير بها الى معان طوال))(2).

 

وأكد ابن رشيق القيرواني (ت ـ456هـ) موقف ابن طباطبا بشأن الوحدة العضوية في بناء القصيدة مشبها اجزاءها بأعضاء جسم الانسان ، فهي مثلها (( مثل خلق الانسان في اتصال بعض اعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الاخر وباينه في صحة التركيب ، غادر الجسم عاهة تتخوّن محاسنه . وتعفي معالم جماله ، ووجدت حذّاق الشعراء ، وارباب الصناعة من المحدثين يحترسون من مثل هذه الحال ، احتراسا يحميهم من شوائب النقصان ويقف بهم على محجة الاحسان ))(3).

وطرح عبد القاهر الجرجاني (ت ـ471هـ) قضية البناء للقصيدة العربية بوصفها علاقات تحققها المعاني في أنساقها، مؤكدا انه ((لانظم في الكلم ولاترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض))(4).

من جهته عالج حازم القرطاجني(ت ـ684هـ) بناء القصيدة من زاويتين الاولى تقليدية بالنسبة لعصره وهي الوحدة العضوية التي سبق للنقاد العرب القدامى وقبلهم الاغريق معالجتها بقوله، انه ينبغي ((ان تكون متناسبة المسموعات والمفهومات حسنة الاطراد ، غير متخاذلة النسج))(5).

اما الثانية فنظر اليها من خلال علاقة الخيال ببناء القصيدة ، فالشاعر عنده اذا اراد نظم قصيدة ، عليه ان يتخيل مقاصده الكلية ، وان يتخيل المقاصد طريقة واسلوبا، او اساليب متجانسة او متخالفة(6).

 

وعلى هذا الاساس فان الطبقة الاولى من الشعراء عنده ، هم الذين ((يقوون على تصور المقولات ومقاصدها بالقوة قبل حصولها بالفعل ))(1).

 

وفي ضوء ماتقدم ، يمكن تلخيص آراء النقاد العرب القدامى في قضية بناء القصيدة على النحو الاتي:

 

أـ النظر الى بنية القصيدة من زاوية وحدتها العضوية .

ب ـ اشتمال بنية القصيدة على موضوعات متعددة .

ت ـ ان المتلقي جزء من البناء.

ث ـ بنية القصيدة تتشكل من علاقات المعاني التي تحققها الانساق في المنظومة اللغوية.

ج ـ ان بناء الشعر يتحقق في علاقة المعنى بالايقاع وتآلفهما في منظومة واحدة.

ح ـ بناء القصيدة عملية ذهنية واعية ترتبط بالخيال .

خ ـ غرض القصيدة اساس بنائها.

 

 ولم تشمل آراء النقاد العرب القدامى بشان بناء القصيدة موقفهم من الموشح الذي ظهر في اواخر القرن الثالث الهجري في الاندلس(2).

 

وتعد بنية الموشح في نظر النقاد العرب القدامى خروجا او انزياحا عن البنية التقليدية للقصيدة العربية، ولخص ابن خلدون (ت ـ808هـ)  هذا الانزياح في الموشح بقوله: ((واما اهل الاندلس فلما كثر الشعر في قطرهم ،  وتهذبت مناحيه وفنونه ،وبلغ التنميق فيه الغاية ، استحدث المتأخرون منهم فنا سموه بالموشح ، ينظمونه اسماطا اسماطا ، واغصانا اغصانا ، يكثرون من اعاريضها المختلفة ، ويسمون المتعدد منها بيتاً واحدا ، ويلتزمون عدد قوافي تلك الاغصان واوزانها متتاليا فيما بعد الى آخر القطعة ، واكثر ما تنتهي عندهم الى سبعة ابيات ، ويشتمل كل بيت على اغصان عددها بحسب الاغراض والمذاهب ، وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد ، وتجاروا في ذلك الى الغاية ، واستظرفه الناس جملة الخاصة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه))(1) .

 

وفي هذا التقويم حدد ابن خلدون اختلاف الموشح عن البناء التقليدي للقصيدة العربية ، في ثلاثة جوانب: الاول، التشكيل البصري ، والثاني، استخدامه للاوزان المختلفة في النص الواحد ، والثالث، طبيعة النسق المولد للمعنى.

 

ودرس عدد من النقاد القدامى سمات البناء الفني للموشح  فذهب ابن رشد (ت ـ595هـ) الى ان النغم والوزن والتشبيه قد تجتمع ثلاثتها في الموشحات في وقت لايوجد في اشعار العرب اللحن ، اذ هي اما الوزن فقط ، واما الوزن والمحاكاة معا(2). اما ابن سناء الملك (ت-608هـ)، فرأى ان الموشحات لم تعتمد على اوزان العرب التقليدية(3)، بل خلقت اوزانا خاصة بها، وكان ابن بسام (ت-542هـ) قد اكد هذه الحقيقة بقوله حتى وان اعتمدت الموشحات على اوزان الشعر فأنها غالبا ما تعتمد على الاعاريض المهملة غير المستعملة(4).

ولاحظ عدد من النقاد المحدثين هذه التطورات المهمة في بنية الموشح، فرأى الناقد طراد الكبيسي: ((ان ظهور الموشح يعد اولى المحاولات الجادة للخروج عن البنية التقليدية للقصيدة العربية))(5)، اما الباحثة نبيلة الرزاز فقررت اختلاف بنية الموشحات عن القصيدة العربية التقليدية في الشكل والايقاع والمضمون واللغة ، معللة ذلك الاختلاف ((بمحاولة الانسجام مع البيئة التي نمت وترعرت فيها، وهي بيئة الاندلس المختلفة عن بيئة الصحراء))(6). متجهة في هذا التقويم الى الجانب التكويني في بناء الموشح.

ويرى الباحث ان تحليل النقاد العرب القدامى والمحدثين لبنية الموشح أدخل على البنية الشعرية التقليدية عناصر جديدة وهي على النحو الاتي:

 

أ ـ التشكيل البصري للموشح وعلاقته بالمعنى.

ب ـ النغم الذي تولد عن الاوزان المتعددة التي استخدمها الموشح واسلوب استخدامه لها.

وهذان العنصران يعدان تطورا فنيا مهما في بنية القصيدة العربية، اسهم فيما بعد بإحداث تطور جدي في دراسة القصيدة العربية قديمها وحديثها، اذ أدخل عدد من النقاد العرب القدامى والمحدثين، (التشكيل البصري) للقصيدة في دراسة بنائها الفني(1)، مثلما ادخلوا الانشاد والتنغيم عنصرا ثانيا في البناء الفني للقصيدة(2).

 

ولم تذكر المصادر التاريخية حدوث تطور جوهري في بنية القصيدة العربية في مرحلة تدهور الحضارة العربية الاسلامية، بعد سقوط بغداد سنة (656هـ)، ولهذا عمدت الدراسات النقدية الى وصفها، بانها مرحلة انحطاط وظلام في تطور الشعر(3)، وترى الدكتورة عربية توفيق لازم، ان مادة الشعر في تلك المرحلة كانت (( صورة وفكرا وعاطفة وخيالا تتحول في شكلها النهائي الى حياة ميتة، هي صدى لحياة مضت، واذا انتقلنا الى عملية البناء التي تتشكل فيها هذه المادة وجدنا الشعراء يتبعون المنهج القديم نفسه الذي رسمه اسلافهم للقصيدة العربية))(4). اذ غلبت على قصائد تلك المرحلة المفردات المعجمية، واستخدام الغريب النادر منها وولعا بالصناعة واستعمال المحسنات اللفظية(5)، وحلل الدكتور احمد مطلوب الاسباب الكامنة وراء هذا الاستخدام المفرط للمحسنات والمفردات المعجمية بقوله: ((ان الشعراء مثلوا هذه الفترة اصدق تمثيل فجاءت مقاييسهم مختلفة وقيمهم مضطربة ، وخلت قصائدهم من الجودة والخيال المبتكر، لانهم كانوا ينظمون بلا عواطف واحاسيس))(6)، ولما كان
 الشعر ربطا معنويا بين الايقاع والحالة النفسية كما يقرر ذلك الدكتور محمد
 

التوتنجي، فان انفصال الاثنين بعضهما عن بعض أدى الى ضعف الشعر وعقمه(1).

ومع هذا الاطار العام للانحدار كانت هناك بعض المحاولات البسيطة التي لم ترق الى مستوى الثورة لتجديد بناء القصيدة، بسبب شدة عناية الشعراء بالصنعة والتكلف والزخرف كما في محاولات (صفي الدين الحلي) (2).

وفي عصر النهضة العربية الحديثة التي يحددها الدكتور علي المحجوبي في النصف الاول من القرن التاسع عشر عرفت مصر ((تغييرا سريعا في كل من الميادين العسكرية والاقتصادية والادارية والتربوية والثقافية))(3).

وكانت قضية بناء القصيدة العربية وضرورة ملاءمتها لتطور الحياة واحدة من القضايا الثقافية الادبية التي طرحها النقاد والشعراء العرب على حد سواء ، ويعد الشيخ حسين المرصفي من اوائل النقاد العرب الذين عنوا بمفهوم الوحدة العضوية للقصيدة في عصر النهضة ، اذ رأى ((ان القصيدة وحدة ينبغي ان تترابط اجزاؤها ، وتتصل ابياتها حتى لايمكن تقديم بيت او تأخيره من دون ان يؤثر هذا التقديم والتأخير في سياق القصيدة))(4).

وبذلك حاول النقد العربي الحديث ان يحاكي التراث النقدي العربي في مراحل تطور الشعر وازدهاره، في محاولة منه لبعث القصيدة العربية من جديد بما يلائم تطور الحياة.

ومع تلك المحاولات دخل عنصر ثان الى عوامل التجديد ويتلخص في اطلاع بعض المثقفين العرب على الاداب الاوربية والعمل على الافادة من التطورات التي اصابت تلك الاداب عامة والشعر بصفة خاصة، وكان الشيخ نجيب الحداد واحدا منهم، فكتب في عام (1897م) مقالا في مجلة البيان المصرية قال فيه: ((ان الاوربيين يصلون بين البيت الاول والثاني في المعنى واللفظ جميعا، بان يجعلوا الفاعل قافية للبيت ويضعوا مفعوله في اول البيت الثاني ، بحيث يضطر القارىء له الا يقف عند القافية بل يصلها بما بعدها في الإلقاء))(5).

ويذهب الدكتور محمد حسين الاعرجي الى ان المثقفين العرب في عصر النهضة بدأوا ((يسمعون عن اقسام الشعر الاوربي، ويفهمون ان منها ما يسمى بالغنائي، ومنها ما يسمى بالملاحم، ومنها ما يسمى بالتمثيلي، ومنها ما يسمى بالقصصي ، ومنها ما يسمى

بالتعليمي))(1)، كما ظهر تأثير الادب الغربي على الشعراء المهجريين(2)، اذ وقع أمين الريحاني تحت تأثير الشاعر الامريكي والت ويتمان، فحاول كتابة الشعر المنثور باللغة العربية لما وجد فيه من فلسفة وخيال وجدة(3) كما يذكر، وكان هذا الانموذج  الجديد غير قادر على مقاومة نمط البناء الذي ساد القصيدة التقليدية في عصر النهضة ، ويعلل الدكتور عبدالواحد لؤلؤة ذلك بقوله ((ان (اوراق العشب)* بخلوها من الوزن والقافية لايمكن ان تسمى شعرا حسب المفهوم العربي للشعر))(4).

 

وحاول شاعر مهجري اخر، هو خليل مطران كتابة ملحمة شعرية في نيرون(5).

وكانت تلك المحاولات مصحوبة بدعوات المهجريين لتبني قضية الوحدة العضوية في القصيدة العربية، وتخليصها مما لحقها من تفكك، لهذا كتب خليل مطران في مقدمة ديوانه الصادر سنة (1908م) عن قصائده قائلا: ((هذا شعر ليس ناظمه بعبده، ولاتحمله ضرورات الوزن او القافية على غير قصد، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولاينظر قائله الى جمال البيت المفرد، ولو انكره جاره، وشاتم اخاه، ودابر المطلع وقاطع المقطع، وخالف الختام، بل ينظر الى جمال البيت في ذاته، وفي موضعه ، والى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها وفي تناسق معانيها وتوافقها))(6).

 

بعدها تصدى عباس محمود العقاد لموضوع الوحدة العضوية في القصيدة ورأى ((ان القصيدة ينبغي ان تكون عملا فنيا تاما، يكمل فيه تصوير خاطرة، او لخواطر متجانسة، كما يكمل التمثال بأعضائه والصور بأجزائها ، واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث اذا اختلف الوضع او تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة القصيدة وافسدها))(1).

 

وعلى وفق هذا التصور تأسست جماعة الديوان في مصر في عشرينيات القرن الماضي، وضمت مع العقاد ، عبد الرحمن شكري وابراهيم المازني ،ونادت هذه الجماعة بضرورة ان يعبر الشعر عن ذات الشاعر وتجاربه وانه ليس عيبا ان تتحرر القصيدة من القافية الموحدة (2).

ويقرر الدكتور عناد غزوان ان خليل مطران والديوانيين وشعراء المهاجر تميزوا في معالجة موضوعاتهم بالميل الى الذات وتصوير المشاعر الانسانية، ورأى عبد الرحمن شكري ان اصول الشعر ثلاثة هي العاطفة والخيال والذوق(3).

 

وفي عام (1932م)، تأسست في مصر جماعة اخرى عرفت بـ(جماعة ابولو)، نادت هي ايضا بوحدة القصيدة وضرورة ان ((تنتظم القصيدة وحدة  فكرية وشعورية)) (4). كما دعت الى التحرر من القافية والتنويع في البحور الشعرية في القصيدة الواحدة والتجديد في بنيتها (5).

 

وكانت تلك الطروحات موضوع تقويم عند النقاد المحدثين ، خاصة فيما يتعلق بجدواها في احداث تطور في بنية القصيدة العربية ، فذهب الناقد والشاعر يوسف الصائغ الى ان ((تلك الطروحات لم توفق الى تقديم أنموذج متكامل للدعاوى الجديدة التي روجت لها في مجال تطوير القصيدة العربية ، ومن ذلك تطوير البناء الشعري للقصيدة)) (6).

وذهب الدكتور عبدالسلام المسدي الى اتجاه اخر في تقويم تلك الطروحات فرأى ان (( نتاجات جماعة الديوان ومدرسة ابولو وشعراء المهجر تدين بالدرجة الاولى الى الاتصال بالشعر الغربي مباشرة او عن طريق الترجمة ، لذلك ظهرت آثار التذبذب في نتاجاتهم ، اذ جمع بعض الشعراء اتجاهات غربية مختلفة في ديوان واحد او في قصيدة واحدة ، فقد يكون الموضوع رومانتيكيا ومعالجته الفنية رمزية وشكله الخارجي كلاسيكيا ،وقد يكون الترتيب مختلفا في قصيدة اخرى)) ( 1).

ومع هذا التذبذب في تقديم الانموذج الجديد في بناء القصيدة العربية كانت منعكسات الواقع الموضوعي في الذات العربية بعامة والذات الشعرية خاصة تتفاعل بسرعة لتأسيس بناء جديد للقصيدة ، وفي الوقت نفسه تكثف رغبة التمرد ضد  ماهو تقليدي في الشعر ، ويلخص الناقد فاضل ثامر هذه التطورات بقوله (( ان عملية تأسيس الشعرية العربية الحديثة في اواخر الاربعينيات ومطلع الخمسينيات،وبالذات جهود رواد حركة الشعر الحر في العراق ،لم تكن عملية فردية ، كما لم تكن خاضعة لفعل المصادفة ، بل كانت جزءا من عملية تاريخية وثقافية وجمالية معقدة ترتبط اوثق ارتباط بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية داخل بنية المجتمع العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام بعد الحرب العالمية الثانية)) (2).

ويفصل السياب تلك المتغيرات قائلا ((ان الحرب العالمية الثانية احدثت رجة كبرى في حياة العالم كله،وفي حياة الوطن العربي بصورة خاصة ،ففي العراق كانت ثورة 1941 الوطنية ، ثم اندحار الثورة واحتلال الانكليز للبلاد من جديد ، وكذلك الحال في سوريا ولبنان وفي كافة انحاء الوطن العربي)) ( 3).

ان هذه المتغيرات الموضوعية تلاقحت مع العوامل الذاتية المتمثلة برفض القوالب التقليدية للقصيدة العربية من جهة والاطلاع على نماذج الشعر العالمي من جهة اخرى الامر الذي اسهم بولادة (قصيدة التفعيلية او الشعر الحر) ،وتؤكد نازك الملائكة هذه الحقيقة بقولها ((لم يكن ديواني الاول عاشقة الليل قد ظهر الى الوجود او طبع،وكنت آنذاك اكثر من قراءة الشعر الانكليزي فأعجبت بالمطولات الشعرية التي نظمها الشعراء واحببت ان يكون لنا في الوطن العربي مطولات  مثلهم))(1).

ان توافر الظرفين الموضوعي والذاتي لم يسهم بولادة قصيدة التفعيلة فحسب ، بل يسهم بولادة اطار نظري يسوغ وجود هذا النمط من البناء ،فالمقدمة التي كتبتها نازك الملائكة لديوانها (شظايا ورماد) ، الصادر سنة (1949م) ترقى الى مستوى المانفستو او البيان الشعري(2).

وعلى الرغم من اهمية تلك المقدمة الا ان نازك الملائكة لم تتحدث صراحة عن بنية قصيدة التفعيلة ،لكنها كانت تقترب كثيرا من هذا المفهوم بسبب عدم شيوعه آنذاك ، ويؤكد الناقد فاضل ثامر هذه الحقيقة بالقول: ((يخيل لنا ان الشاعرة عندما تتحدث عن مفهوم (الهيكل) في الشعر،انما كانت تحوم في وقت مبكر حول مفهوم البنية))(3).

وفي نهاية الخمسينيات تبلور مصطلح البنية في النقد الادبي العربي الحديث بعد ان توسع النقاد الغربيون باستخدامه الامر الذي دفع السياب الى القول :(( ان الشعر الحر بناء فني جديد،واتجاه واقعي جديد جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية))(4).

وتحلل الناقدة الجزائرية خيرة خمر العين، طبيعة الثورة الشعرية في العراق بقولها: ((ولاشك في ان حركة الشعر الحر التي ظهرت بالعراق شكلت ارهاصا حقيقيا للبنات الحداثة الشعرية ،وذلك استجابة لتطور البنيات والعلائق وتغيير الانساق ،وقد كانت هذه الحركة بمثابة ثورة على انظمة التقاليد الموروثة ))(5).

وعلى وفق هذه التصورات فان بنية قصيدة التفعيلة تعد بنية ذات خصائص وسمات تختلف عن بنية القصيدة التقليدية، وهذه السمات والخصائص جعلت قضية دراستها تنطلق من جوهر البنى المشكلة لقصيدة الشعر الحر.

 

2ـ السمات العامة لبنية القصيدة في شعر سعدي يوسف

في بداية الخمسينيات بدأ الشاعر سعدي يوسف كتابة الشعر ، ولم يكن في حينها قد استوعب المنجزات التي حققتها قصيدة التفعيلة  وثورتها الجديدة، لذلك نظم قصائد على عمود الشعر التقليدي ، ففي سنة (1952م) كتب قصيدة (القرصان) ،وفي بدايات عام (1953م)،كتب قصيدتي(ارادوا ان اتحدث عن الفن) و(اغنية فارسية)(1)، وتشير الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر، الى انه كتب اولى قصائده من الشعر الحر، سنة(1953م) ، تحت عنوان (تخطيط اولي عن حصار غرناطة)(2)، وربما كانت هناك محاولات اخرى سبقت هذه القصيدة الا انها لم تنشر ، ويروي سعدي يوسف بدايته مع الشعر بقوله: ((افكر بالاعوام الاربعين التي اعقبت اول نص شعري نشرته،كنت لاازال في ايام الطلب ،استدنت من عم لي عشرة دنانير لاطبع قصيدة طويلة في كراس، اعدت المبلغ الى عمي، لا ورقة (واحدة) او ورقتين كما تسلمته بل كيسا من معادن مختلفة الشيات والاصوات ،ومن تلك القصيدة كسبت الكثير :حزاما جلدا ،وكرسيا في سينما))(3) .

وكانت تلك البدايات تشي بولادة شاعر ادخل النقد العربي عامة والعراقي بصفة خاصة في جدل المنزلة والتمييز في خريطة الشعر العربي الحديث، فمن النقاد من ذهب الى القول ان الشاعر سعدي يوسف لم يكن في عقد الخمسينيات شاعرا لافتا
 للانظار(4)، في حين ذهب اخر الى ان سعدي يوسف استطاع في عقد الخمسينيات تكوين شخصية شعرية خاصة ومتميزة شانه في ذلك شان رواد قصيدة التفعلية بقوله: ((ان السياب اعتمد التراث العراقي القديم ، والبياتي التراث العالمي ،ونازك الانكليزي،وسعدي اعتمد مايوحيه له الفلكور والمأثورات الشعبية اليومية ،وبلند بعض ماوصله من التراث الوجودي وفلسفته))(5). ويدل هذا التقويم ان الشاعر سعدي يوسف رسم لنفسه اسلوبا خاصا في الشعر شأنه في ذلك شأن الشعراء الرواد في قصيدة التفعيلة.

 

ودخل الشاعر يوسف الصائغ في الجدل النقدي لموقع سعدي يوسف في الخريطة الشعرية لعقد الخمسينيات مشيرا الى ان سعدي يوسف عد في تلك المرحلة من الشعراء الشباب الذين بدأوا كتابة الشعر متأثرين بقصيدة التفعيلة،(1) وكان هذا الموقف النقدي للشاعر يوسف الصائغ  من سعدي يوسف قد دفعه الى النظر الى بنية قصيدة سعدي يوسف على انها بنية مشتركة بمجموعة من الخصائص مع بنى اخرى ضمن قصيدة التفعيلة في حقبة الخمسينيات، ذاهبا الى انها اتصفت بالمواصفات نفسها التي سادت بنية الشعر الحر انذاك وهي على النحو الاتي (2).

1ـ البناء القصصي.

2ـبناء التكرار.

3ـ بناء بداية القصيدة المعتمدة على مغايرة البدايات السابقة للقصائد، مثل استخدام الجار والمجرور ، والضمائر، وحروف التشبيه.

4ـ بناء نهاية القصيدة الذي يتسق مع التدفق الشعوري للشاعر وتوقفه في اللحظة المناسبة.

درس الباحث قصائد الشاعر سعدي يوسف في عقد الخمسينيات فوجد انها تتصف بأنماط البناء ذاتها التي حددها الصائغ ،فبنية القصة واضحة في قصيدة (امر بالقاء القبض)(3)،وبنية التكرار واضحة في قصيدة (مرة اخرى ايها الفرنسيون)(4)، وبنية مغايرة التقليد في بداية القصيدة واضحة في قصيدة (محمد بن عبدالحسين)(5)، وبنية النهاية المتسقة مع التدفق الشعوري والتوقف في اللحظة المناسبة واضحة في قصيدة (الى بعيدة)(6)،

ويرى الباحث ان هذه السمات التي حددها الصائغ للقصيدة الخمسينية تتصف بالقابلية على التعميم ،اذ ان العقود التي تلت الخمسينيات تؤشر  وجود السمات ذاتها 

 

في بنية القصيدة خاصة في الستينيات والسبعينيات مع بعض التطورات الجديدة في الانماط الشعرية ،مثل ظهور القصيدة المدورة التي امتاز بها الشاعر حسب الشيخ جعفر(1).

وحلل النقاد بروز هذا النمط في مرحلة الستينيات بانه((موقف من الزمن وتصور لحركة الكون))(2)، وبغض النظر عن موقف النقاد من الانماط الجديدة في مرحلة مابعد الخمسينيات ،فان السمات العامة التي طرحها الصائغ ،لم تعاين جوهر التغيير الذي احدثته قصيدة التفعيلة وتطورها اللاحق من خلال انفتاحها على بنى جديدة محتملة ،كما بشر بذلك رواد الشعر الحر(3)، لهذا ظلت قضية البناء الفني للشعر الحر مدار بحث ونقاش بين الدارسين والنقاد، فهناك من يذهب الى انه تطور شكلي، في حين يذهب آخرون الى انه تطور في الاسلوب واللغة(4).

ولانّ قضية مصطلح البناء الفني لم تحسم حتى يومنا هذا ، يجد الباحث ان السمات العامة التي طرحها يوسف الصائغ للبناء الفني واستشهد في اثناء دراستها بنماذج من شعر سعدي يوسف(5) ، انسب مادة للدراسة وانها تبقى ذات اهمية خاصة بعد ان درسها الباحث واطلع على آراء النقاد بشأنها، فمنهم من ذهب الى القول ان قصيدة سعدي يوسف امتازت حتى بعد مرحلة الخمسينيات ببنائها القصصي ،ففي ((اشعاره منذ صدور (الاخضر بن يوسف ومشاغله)(*) ،..تتكرس موضوعات القصة وبنائها في القصيدة))(6)، ووجد الناقد الدكتور محسن اطيمش ان سمات البناء القصصي في شعر سعدي يوسف موجوده في ديوانه الاول (اه قصيدة)، وقصيدة، (القرصان)  التي كتبت في سنة (1952م) ، بقوله: ((وربما كان سعدي يوسف مهيأً

اكثر من حسب الشيخ جعفر وفاضل العزاوي لهذا النمط من الكتابة الشعرية ،

فممارسته الفنية الطويلة وعنايته منذ (القرصان) و(اه قصيدة)، ثم(النجم والرماد)، بالحدث والحكاية والاشخاص ستقوده الى تأكيد وترسيخ الاداء القصصي الذي صار نسيج شعره كله))(1).

ومقابل هذا الرأي يذهب الشاعر سامي مهدي الى ان البناء القصصي في القصيدة هو واحد من العناصر التي اعتمدها الشعراء الستينيون لتجاوز نمط البناء الخمسيني في الشعر بقوله: ((لقد استفاد اصحاب هذا المنحى(*) استفادة كبيرة من عناصر السرد في تنظيم نسيج القصيدة الداخلي، حتى لتغدو القصيدة احيانا اشبه بحكاية صغيرة))(2). ويرى الباحث ان البناء القصصي في قصيدة سعدي يوسف ناتج عن سببين رئيسين: الاول الموقف الايديولوجي المبكر للشاعر الذي مكنه من الاطلاع على تفاصيل يومية تخص حياة المناوئين للعهد الملكي ، اذ ان معظم قصائده في مرحلة الخمسينيات كانت تتحدث عن تجارب ومواقف شخصيات التقاها أو زاملها او سمع عنها، وتجارب ومواقف قوى سياسية واحزاب تعاطف معها الشاعر ، وكانت طبيعة هذه الموضوعات تفرض على قصيدته نمط البناء القصصي، ويمكن ان تدلنا عناوين قصائده الاولى على ذلك، (حادثة في الدواسر،لقاء مع رجل ما، اغتيال محمد عبد الحسين ، انطونيو بيريز من غواتيمالا، عبد السلام ، حسون الذي يعمل اشياء كثيرة )(3).

اما السبب الثاني فيعود الى شغف الشاعر بالتفاصيل اليومية للحياة الانسانية وكان هذا الاهتمام بالتفاصيل اليومية قد جعل قصيدة سعدي يوسف تتجه اتجاها واقعيا ولاحظ الدكتور محسن اطيمش هذا التوجه في تحليله قصيدة الاخضربن يوسف(4) ، التي يقول الشاعر فيها:

نبيٌّ يقاسمني شقتي

يسكن الغرفة المستطيلة

وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب

وسر الليالي الطويلة

وحين يجالسني وهو يتحدث عن موضع الكوب في المائدة

ـ وكانت فرنسية من زجاج ومعدن ـ

ارى حول عينيه دائرتين من الزرقة الكامدة.

وبشأن تحليل هذه القصيدة  يشير الدكتور اطميش الى ان القارئ سيلاحظ ((ان سعدي يوسف دلف الى موضوعه مباشرة ، دونما استطراد غير ضروري ، وكانت عنايته برصد جزئيات الحدث والمكان واضحة ))(1) .

امابنية التكرار ،فكانت واحدة من السمات التي طبعت بنية القصيدة الخمسينية وتتضح هذه البنية في قصائد كثيرة لسعدي يوسف في تلك المرحلة، اذ حفل ديوانه (اه قصيدة) بهذه البنية خاصة في قصائده التي تتحدث عن الثورة والوطن، ففي قصيدته الاولى (من اجل ان تعيش جمهورية العراق ) يكرر سعدي يوسف جملة (اننا ندعوك من اجل العراق ) مرتين،وفي قصيدته (الى شوقي بغدادي) يكرر مفردة (شوقي) اربع مرات وهكذا الحال في قصائده (مرة اخرى ايها الفرنسيون)، (وعبد السلام)(2).

 وفي دراسته لبنية التكرار في الخمسينيات وجد يوسف الصائغ ان التكرار افاد في دفع الحياة الداخلية والخارجية الى النمو والتغيير من خلال تغيير وتطوير الاجزاء الاساسية حين تكرارها بما ينفي عن التكرار صفة التماثل والسكون(3) ، واستخدم سعدي يوسف التكرار في قصائده الخمسينية بصيغ مختلفة ، منها الاسمية، وهذه الصيغة واضحة في قصيدته، (الى عبد الوهاب البياتي) ، التي يقول فيها:

الريح من منفاك تأتي نحو بصرتنا القديمة

  الريح تحمل كل شيء نحو بصرتنا القديمة (4)


وبصيغة النداء كما في قصيدته، (مرة اخرى ايها الفرنسيون) التي يقول فيها:

ايها الشعب الفرنسي

ايها العمال في الارصفة الليل: اسمعوني

ايها الطلاب:...(1)

وبصيغة الحروف المشبهة بالفعل كما في قصيدة (شعار ):

اني سمعتك ياصديقي

اني سمعتك هائج الصيحات بالحب العميق(2).

وعمد سعدي يوسف في قصائده الخمسينية الى مغايرة البدايات التقليدية في القصيدة فنراه يبدا تارة قصيدته بالرقم ، كما في قصيدة (اغتيال محمد بن عبد الحسين) التي يقول فيها:

 

14 ذئبا بقتلك يفخرون(3)،

وبالنداء تارة اخرى كما في قصيدة (رجاء):

يا رجاء

ان بي شوقا اليك(4).

كما استخدم حروف الجر، كما في قصيدة (زيارة):

في الصمت كان يراك

كانت مقلتاه على الوساد

ومن النوافذ تحمل الهمسات صوتك والسهاد(5).

 

وفي نهايات القصائد حاول سعدي يوسف ان يوفق بين تدفقه الشعوري والجملة الاخيرة، بحيث تبدو نهاية القصيدة بؤرة لموقف الشاعر الكلي من الموضوع، كما في قصيدة: (رفض) التي ترتكز على موضوع عبث المحاولة، وفي هذه القصيدة تلخص النهاية موقف الشاعر من الاخر، اذ يقول:

 

 متمسكا بالصفر:

يُحصي اللانهاية في النهاية(1).

 

ان السمات العامة لبناء القصيدة في شعر سعدي يوسف في مرحلة الخمسينيات لم تتغير جوهريا في حقبة الستينيات ، لان الخمسينيات شهدت نضج تجربة الشاعر وتأثيره في المحيط الادبي، ويقرر سامي مهدي، ان الشاعر اثر في عدد من الشعراء الستيينين ومنهم الشاعر فاضل العزاوي الذي توحي قصائده في عامي 1960 و1961م بتأثر بشعر سعدي يوسف(2)، ان هذا التأثير يناقض ما ذهبت اليه الباحثة فاطمة المحسن التي قررت ان الشاعر سعدي يوسف ((ظهر كشاعر لافت في العراق، في مرحلة الستينيات الصاخبة، وان كتب الشعر واصدر الدواوين في وقت ابكر، ولكنه بقي من شعراء الظل الى نهاية الخمسينيات))(3)، ودلت الباحثة على موقفها هذا بالرأي الذي طرحه يوسف الصائغ بشأن المجاميع الشعرية التي صدرت سنة (1958م)، الذي يقول فيه: ((أما سائر الشعراء الشباب ، فنحن نقرأ لهم خلال هذا العام قصائد في مجلة الاديب او في الاداب او في مجلة شعر، لكاظم جواد، وشفيق الكمالي، ومحمد جميل شلش وعلي الحلي ولميعة عباس عمارة وحسن البياتي وحارث لطفي الوفي وسعدي يوسف))(4).

 

ان ما استندت اليه فاطمة المحسن لايدل على دقة علمية وموضوعية لان يوسف الصائغ لم يقرر وجود سعدي يوسف في الظل، او الضوء، بل قرر مرحلته الشعرية، وانه على الرغم من انه في مرحلة الشباب نشر في مجلات ادبية مهمة خارج العراق، لذلك لايمكن اعتماد هذا الرأي والقول ان سعدي يوسف كان في مرحلة الخمسينيات في منطقة الظل الشعري، ولاسيما ان سامي مهدي يؤكد تأثير سعدي يوسف بعدد من الشعراء الستينين، واذا كانت مرحلة الستينيات الصاخبة قد شهدت تحولات مهمة في التنظير للقصيدة فان المنجز الشعري لسعدي يوسف سبق التنظيرات الستينية بقصائد تحاول تطوير ادوات الشعر الى مرحلة جمالية اخرى، فجوهر الصخب الذي احدثه الستينيون بشأن بنية القصيدة انطوى بشكل رئيس على الاتجاه الى الذات ((لتغوص في عوالمها الداخلية وتتكشف مجاهيلها، بعد ان طالت سياحة الشعر الخمسيني في العالم الخارجي))(1) ، فهل كان سعدي يوسف مصورا للعالم الموضوعي فقط؟،  يجيب عن هذا السؤال الشاعر سعدي يوسف نفسه قائلا: ((عندما اتحدث عن الشجرة احاول ان اسميها شجرة، الشجرة من النوع الفلاني، الورقة احاول ان اقدم لها شكلا، المدينة او الحي، اقصد بعملية التوثيق تلك العلاقة بالاشياء، العلاقة، لا اقول بتفصيلات الواقع، وانما بالتقاطات الواقع التي نختارها، وبانتقاء العناصر التي تجدها اكثر حيوية بينها ثم اقامة علاقة جديدة بينها، علاقة صراع، بناء، علاقة تركيب، أي ان يضع الشاعر لها نظاما جديدا))(2)، وفي هذا الصدد يذهب الناقد محمد مبارك في معرض تقويمه النقدي لقصيدة سعدي يوسف الى القول: ((فالقصيدة، اذن، تحقق للشاعر تلك التركيبة الفريدة في البنية الشعرية التي تجمع بين النزعة التسجيلية التي هي خاصية الشاعر منذ بدأ مغامرته الجمالية مع الحرف، وبين ما تنضحه مخيلة ذات طبيعة تركيبية تجمع بين ترف الحساسية الجمالية وعمق معاناة ذهنية يمزقها وعيها بما تعيشه من مفارقات شعور شقي لايورث الاّ الاغتراب والغربة عن الذات))(3) .

 

ان ماقرره محمد مبارك بشان صراع الذات مع الموضوع في بنية قصيدة سعدي يوسف لم ينتج عن رفض الذات للموضوع ،بل عن تغلغل الموضوع في التفاصيل الدقيقة لعوالمه الداخلية، فهو ينتمي الى عالمه بطريقة توحي بتشبث عجيب بهذا الواقع ومحاولات تغييره نحو الافضل ، وعلى هذا الاساس رفض الناقد طراد الكبيسي تجريد سعدي يوسف من بيئته الحاضنة بقوله: ((لست ادري ، مثلا ،كيف يمكن لنا ان نجرد سعدي يوسف من عراقيته، بل بصريته،ومحمود درويش من فلسطينيته، ولست ادري كيف يمكن لنا ان نتجاهل تقاليد الكتابة : (لغة واسلوبا) حين نتحدث عن قصيدة عربية بمعايير كتابة اخرى))(4).

 

يتضح مما سبق  ان بنية القصيدة عند سعدي يوسف لم تتأثر بالدعوات النظرية لمرحلة الستينيات إلا بما يطور ادوات القصيدة ويجعلها تستفيد من المنجز الفني والتقني الذي يعمق شعريتها ، لهذا تعرض سعدي يوسف الى النقد من الشعراء الستينيين ، بدعوى انه كان يمثل من حيث المنهج والاسلوب استطردا في مسيرة الشعر الحر وليس ثورة عليه (1).

 

والملاحظ ان دعوات الستينيين انصبت على الجانب النظري من دون ان يسندوا هذا الجانب بنتاج ابداعي يلائم الجانب النظري في وقت اتهموا فيه الخمسينيين بالقصور النظري لنتائجهم(2).

 

 ويرى الباحث ان قصيدة سعدي يوسف استطاعت ان ترسخ عند جيل الستينيات المنطلقات النظرية التي اعتمدها بيانهم الشعري سنة (1969م)(*) .. فبنية قصيدة سعدي يوسف ، لم تنظر الى العالم نظرة يقينية جاهزة كما اتهم الستينيون جيل الخمسينيات بذلك(3)، لان قصيدة سعدي يوسف على مايذهب اليه الناقد طراد الكبيسي اشتقت لنفسها بلاغة جديدة تتصل مباشرة ببلاغة العصر وايقاع المتغيرات في الصعيدين الاجتماعي والثقافي(4). ففي عام (1964م) كتب سعدي يوسف قصيدة بعنوان (لمحات جزائرية)،جاء فيها:

 

بعد قليل تولد الساحة

تتركها باصات نصف الليل احجارا واشجارا

تتركها واحة

بعد قليل تسمع الساحة

اخر مايهمسه العشاق

اول مايقوله الحارس والافاق

بعد قليل تسمع الساحة اشجارا.(1)

 

ان هذه النظرة الى العالم توحي بموقف جدلي للشاعر من الحياة يحتم التغيير والتطور ، لذلك فان بنية القصيدة عند سعدي يوسف ، لم تتسلم العالم جاهزا وتنتجه صورة جاهزة ، وكانت هذه القضية قد لفتت انتباه الناقد محمد مبارك فدرس شعره على وفق المنهج التكويني، واستنتج بعد دراسته قصائد الشاعر، ((ان سعدي يوسف،وان حملته عذرية رؤياه الذهنية وترف حساسيته الجمالية ونقاء باصرته وطهر واعيته على استبعاد كل مايحول بينه وبين رؤية العالم على حقيقته عاريا من كل مايغلفه، لم يقف في غنائه عند الصوت الاول في الخلق ،... وانما جاز ذلك الى الصوت الثاني والثالث ))(2) .

 

كما يأخذ النقاد والشعراء الستينيون على الشعراء الخمسينيين عدم اعتمادهم الغموض في القصيدة بوصفها تعبيرا عن الذات او متجهة الى الذات (3)، ولكن هذا المأخذ لم يشمل البياتي وسعدي يوسف على مايقرره سامي مهدي لان هذا النمط من القصائد الستينية ((اثر على الشعراء الخمسينين وفي مقدمتهم البياتي وسعدي يوسف))(4).

 

ويفسر سعدي يوسف موقفه من الغموض بالقول: (( النص الشعري يطمح الى اضاءة حالة ،حالة معتمة ، او مبهمة ،لكن هذه الاضاءة ليست باهرة بحيث تخرج الحالة تماما من عتمتها ،لتغمرها بالضوء ... وفي النص انصات ،ومحاولة فعلية للانصات الى المبهم، الى الاصوات غير المسموعة ))(5).

 

ان هذا الموقف من الغموض ،وجد صداه في بحوث ودراسات الاكاديميين والنقاد، فعند دراسة الدكتور ثابت الالوسي لظاهرة الغموض في الشعر العربي المعاصر (1947ـ 1967م)، حلل قصيدة (الحاج) لسعدي يوسف بما تحمله من غموض ،في اداء المعنى ،اذ يقول الشاعر :

ياسالم المرزوق ،خذني في السفينة .. في السفينة

 

خذ مقلتي ثمنا ، سأعمل ماتشاء

الا(حكايات) النساء(1).

 

ويذهب الدكتور الالوسي الى القول: (( ان الشاعر هنا لم يفصح عن مطلب صاحب الزورق،، وانما اكتفى بالاشارة الى مايريد .. كفاية دالة تشير الى كثير مما حذف واضمر ))(2).

ويؤكد هذا التحليل قدرة قصيدة سعدي يوسف على تطوير ادواتها الفنية والجمالية ،وهذا ماتقرره فاطمة المحسن بقولها: (( لعل قصيدة سعدي يوسف تمثل انموذجا يشير الى قدرة الشاعر على تطوير ادواته))(3).

 

ان هذه المقدرة جعلت بنية قصيدة سعدي يوسف اكثر تأثيرا ورسوخا في خريطة الشعر العربي الحديث في مرحلة السبعينيات، وسبق للدكتور محسن اطيمش ان نبه على هذا الاستنتاج ، في دراسته بنية القصيدة العربية الحديثة التي يقول فيها: ((صارت مجموعة (الاخضر بن يوسف)(*)،احدى المجاميع القليلة المؤثرة في مجمل حركة الشعر الحديث في العراق))(4).

 

وهناك من يرى ان تأثير قصيدة سعدي يوسف في مرحلة السبعينيات لم يكن مقتصرا على العراق ، بل امتد الى شعراء كبار في الوطن العربي مثل محمود   درويش(5)، ولهذا كانت قصائد الشاعر السبعينية موضع تحليل ودراسة على ايدي عدد من الباحثين والنقاد العرب،وفي هذا الصدد درست الباحثة يمنى العيد بنية قصيدة (تحت جدارية فائق حسن) التي كتبها سعدي يوسف سنة(1973م)(6)، ورأت الباحثة، ان القصيدة ((توهمنا في بنائها بالبساطة ،وتشعرنا في الوقت نفسه بعالمها الفني الواسع ، تدعونا الى الاسترسال في ايقاعها، الى الدخول في انتظامه ، وتدفعنا ايضا الى ان نقف منها على مسافة لننظر فيها بوعينا ،وعقلنا،تحملنا اليها وكأنها تخشى ان نمحى فيها فتتركنا نزداد احساسا بانفسنا وبموقعنا  في عالمنا الذي نعيش))(1).

 

ويرى الباحث انه على الرغم من غلبة الجانب الانطباعي في هذا التحليل الا انه اشر وجود جدلية داخلية في بنية قصيدة سعدي يوسف تقوم على (الوضوح والغموض)، ( العقل والاحساس)، (الاتساع والضيق)، ان هذه الجدليات جعلت من بنية قصيدة سعدي يوسف السبعينية مرتكزا لعقود شعرية مقبلة ، اذ اضحت هذه البنية في مرحلة الثمانينيات واحدة من اهم البنى الشعرية في الوطن العربي، حتى ان الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي،عدت الشاعر اكبر عراب للشعر العربي في الثمانينيات،مشيرة الى ان اعماله الشعرية ارست اقوى الاسس للتجربة الحداثية في ايامنا هذه(2).

 

وحفلت قصائد الثمانينيات والتسعينيات بعوالم الغربة التي عاشها سعدي يوسف  منذ منتصف السبعينيات ، وكانت معظم موضوعاتها تحاول ايجاد صلة بين الوطن والمنفى (3).

 

وهيمنت هذه البنية على قصائد سعدي يوسف ولكن بتنويعات مختلفة ،وامتازت  مرحلة الثمانينيات بغزارة ماكتبه سعدي يوسف من قصائد ،اذ صدر له اكثر من (10) دواوين شعرية، وكانت مرحلة التسعينيات امتدادا لمرحلة الثمانينيات مع محاولات جديدة للتجريب على صعيد الفن الشعري سواء كان ذلك في البنية الشكلية ام في الموضوعات التي اتجهت نحو الذات اكثر من السابق (4)، وتذهب فاطمة المحسن معلقة بشأن كثرة اصدارات الشاعر للدواوين قائلة: ((ان غزارة انتاج سعدي يوسف اضاع قيمة شعره))(5)،ويرى الباحث ان هذا التقويم العام لم يستند الى معالجة علمية وموضوعية لقصائد الشاعر الاخيرة في التسعينيات والالفية الجديدة ،وربما يكون ناتجا عن تذوق خاص لم يرق الى مستوى القصيدة ذاتها ،فالباحثة فاطمة المحسن لم تعلل رأيها ، ولم تحلل القصائد في الوقت نفسه ولم تضرب امثلة لما تذهب اليه، لهذا  يرى الباحث ان هذه الصيغة الانطباعية في النقد اصبحت غير مجدية، ولايمكن الركون لرأي الباحثة من الناحيتين الاكاديمية والموضوعية، لان غزارة الانتاج لاتعني ضعف الشعر(1).

وفي الالفية الثالثة اصدر سعدي يوسف اكثر من مجموعة شعرية كان آخرها (صلاة الوثني) التي تضمنت قصائده التي كتبها بعد الاحتلال الامريكي للعراق (2).

ويحلل احد الباحثين بنية القصيدة في هذا الديوان بقوله:(( يحقق سعدي يوسف مفهوم قصيدته داخل الشعر ،ليس من خلال البناء النسيجي المتماسك الذي عرف عنه فحسب ،لكن ايضا من خلال ارتباط كل قصيدة بحدثها ))(3).

ويرى الباحث ان هذا التقويم النقدي لم يأت بجديد بشأن سمات البناء العام في قصيدة سعدي يوسف، فالبناء النسيجي المتماسك من الشروط الاساسية في اي شعر،اما الحدث فكان ملازما لقصيدة سعدي يوسف منذ الخمسينيات، كما درسه الباحث في صفحات سابقة.

وازاء هذا السفر النقدي والنظري يرى الباحث انه يمكن التوصل الى السمات العامة الاتية لبناء قصيدة سعدي يوسف وهي على النحو الآتي :

 

1ـ استثمار الحدث اليومي في البناء وانتاج شعر يعكس فيه الشاعر ذاته وموقفه من الحدث .

2ـ محاولة التمرد على السمات التقليدية في البناء ولكن ليس بشكل صارخ وانما بطريقة محسوبة واعية.

3ـ ان السمات العامة للبنية في شعر سعدي يوسف دخلت في جدلية التأثير والتأثر، ففي الوقت الذي يؤثر فيه الشاعر بشعراء الموجة الستينية ، الاّ انه يستفيد من بعض طروحاتهم الداعية الى الغموض والاتجاه نحو الذات في القصيدة.

 

4ـ ان استمرارية السمات العامة لبنية قصيدة سعدي يوسف لم تلغ تجريب انماط جديدة في الشعر ((كالقصيدة المدورة، والحوارية والحلزونية وغيرها كما يتضح ذلك في قصائده السبيعنية)) (1).

5ـ ان النقاد والباحثين بدراستهم السمات العامة للبنية في قصيدة سعدي يوسف خلطوا هذه السمات بخاصية البناء الفني، الامر الذي انتج دراسات تقوم على الانطباع والذوق من دون تحليل واعادة تركيب يوضح شعرية القصيدة ورسالتها كما حدث في دراسة الناقدة فاطمة المحسن.

6ـ ان الجانب الايديولوجي كان باعثا قويا لانتاج القصيدة في  شعر سعدي يوسف .

وفي ضوء ماتقدم يقترح الباحث دراسة البناء الفني لقصيدة سعدي يوسف على وفق ثلاثة مستويات، الاول البنية الظاهرة، والثاني البنية الشاركة، والثالث البنية المضمرة ، وتنطلق هذه المستويات من التوصلات النظرية الحديثة لدراسة البنية ،فمنذ العقد الاول من القرن الماضي بدأت في الغرب عملية اعادة تقويم للدراسات السابقة للنص الادبي التي كانت تنظر اليه من خلال علاقته بالجوانب الاجتماعية والسياسية والتاريخية، (أي علاقته بالجوانب التكوينية)(2)، ولكن ذلك العقد شهد ظهور الطروحات الاولى لعالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير، الذي رفض مبدأ استقلالية الوحدات اللغوية، وتبنى دراسة العلاقات القائمة داخل اللغة، بوصف اللغة حقلا موحدا ونظاما مكتفيا ذاتيا(3)، وبعد دي سوسير ظهرت في روسيا المدرسة الشكلانية التي عاينت النص من خلال مفهومي الشكل والاداة(4)، واسهمت هذه المفهومات فيما بعد بظهور مفهوم البنية عند (بنيويي براغ) في ثلاثينيات القرن العشرين(5)، الذين نظروا الى النص بوصفه بنية اكثر اتساقا من مفهوم الشكل والاداة، لانه يشمل جميع اوجه النص بدءا من الصوت وانتهاء بالموضوع(6).

وجعلت هذه المساحة العريضة في معاينة النص النقاد والباحثين يدرسون بنية الشعر من خلال مسألتين رئيستين: الاولى الافتراق العام بين لغة الشعر ولغة النثر، والثانية مستويات بناء النص الشعري، وفي المسألة الاولى تم التمييز بين الشعر والنثر من خلال الطابع المحسوس لتركيب اللغة الشعرية(1)، وفي المسألة الثانية درس الشعر من خلال مستويين: الاول المستوى السطحي، والثاني المستوى العميق، وهذان المستويان يرتبطان ارتباطا جدليا وعضويا بالجانب المحسوس للغة الشعر(2)، اما المنهج البنيوي فنظر الى النص بوصفه بنية تمثل نسقا من العلاقات الباطنة (المدركة وفقا لمبدأ الاولية المطلقة للكل على الاجزاء) ، له قوانينه الخاصة المحايثة، من حيث هو نسق يتصف بالوحدة الداخلية والانتظام الذاتي(3).

 

ويشير هذا التعريف الى ان الجنس الادبي، هو العنصر الاولي المدرك بشكل مطلق على غيره من العلاقات ، اما العناصر الاخرى، فانها تشكل مستويات بنائية قابلة للادراك بعد تحليلها الى وحدات(4).

 

اما الدراسات الاسلوبية فنظرت الى البنية على انها الاسلوب ذاته وهذه البنية ليست ثابتة لان الاسلوب متغير فهو يعني قول الشيء نفسه بطرق مختلفة(5).

 

وادخلت نظرية التلقي مستويات اخرى لبنية العمل الفني، وتتجسد هذه المستويات ، في عملية التفاعل بين القارىء والنص كما يذهب الى ذلك ايزر(6)، وعلى هذا الاساس اصبحت مستويات النص عند الباحثين والمنظرين المهتمين بالتلقي  اربعة مستويات، الاول يضم الشكليات الصوتية، والثاني المعنى ، والثالث والرابع الاشياء المعروضة او وجهات النظر المؤطرة(7).

 

وقد افاد الباحث من هذه الطروحات فاقترح دراسة البناء الفني لقصيدة سعدي يوسف على اساس ثلاثة مستويات، الاول يمثل البنية الاكثر وضوحا في النص الشعري، والثاني يمثل البنية الاكثر اشراكا للمتلقي مع النص ، والثالث البنية الحاملة للمعنى (الرسالة)، واطلق على البنية الاولى تسمية (الظاهرة)، والثانية (الشاركة)، والثالثة (المضمرة)، وهذا التقسيم لا يعني استقلال البنى او المستويات عن بعضها، بل يعني ترابطها وتفاعلها، لان كل بنيات النص تؤدي الى المعنى(1)، وترتبط بعلاقات جدلية فيما بينها، وكل تغير يحدث في واحدة من هذه البنى يؤدي الى تغيير في النسق كله(2)، فالبنية الظاهرة التي تختص بالعناصر الاكثر بروزا في النص، تحمل دلالة ترتبط ببنية المعنى، والبنية الشاركة، التي تتضمن العناصر والوحدات الاكثر اشراكا للمتلقي مع النص، لها دلالتها وتؤدي معنى معينا، وفيها درجة مشتركة من الوضوح والاضمار تجعل اكتشافها ذا قيمة جمالية خاصة، اما البنية المضمرة في النص فهي الاكثر عمقا والحاملة للمعنى والرسالة. كما يذهب الى ذلك روبرت هولب الذي يقرر ان مستويات العمل الفني لابد من ان تتعاون بطريقة محددة على نحو متآلف وان تلبي مطالب بعينها(3). وهذه المطالب تنتهي بالمعنى الحامل للرسالة التي يريد الشاعر ايصالها للمتلقي.

 

الفصل الأول

Text Box: البنية الظاهرة

 

 

 

تمهيد

 

تشمل هذه البنية العناصر الاكثر بروزا في النص الشعري، وهي، التشكيلة البصرية، والوزن، والقافية، وتعد هذه العناصر ممثلة لجوهر الشعر بحسب ما يقرره جاكوبسن، لان الذي يكسب اللغة الشعرية خصائصها عنده، (خطاطتها العروضية)، اي شكلها كشعر، والايقاع الذي يعد اساسا بنائيا لها(1)، وترى الدراسات الحديثة ان الايقاع ينقسم على عنصرين بنائيين: الاول ظاهر محسوس هو الوزن، والثاني اقل ظهورا من الاول ويسمى الايقاع الداخلي،  ويذهب الدكتور نعيم اليافي في هذا الصدد الى ((ان للشعر نمطين من الموسيقى خارجية هي الوزن وداخلية هي الايقاع))(2).

وعلى هذا الاساس اختار الباحث من الايقاع (الوزن والقافية) في البنية الظاهرة لبروزهما اكثر من الايقاع الداخلي في النص الشعري، خاصة ان وظيفة الوزن في هذه البنية مشابهة لوظيفة القافية كما يرى جان كوهين(3).

اما التشكيلة البصرية فهي التي تقود القارىء الى تعيين الجنس الادبي وتجعله يتبنى استراتيجية خاصة في قراءة النص، بحسب ما يقرر ذلك الدكتور محمد الماكري(4)، فالتشكيلة البصرية بنية ترتبط بشكل عضوي بطبيعة تركيب وانتظام نسق الكلمات في النص الشعري، لذلك ذهب تيودوروف الى القول: ((احيانا ليست فنية الكلمات هي المحسوسة وانما تركيبها وانتظامها)(5).

ان هذا البروز في عناصر البنية الظاهرة يعد مستوى سطحيا مرتبطا بالمستوى العميق للنص الشعري(6)، اذ تتحدد في ضوء هذه البنية اول مواجهة بين الجنس الادبي والمتلقي لتفتح امامه السبيل نحو ادراك القيمة الجمالية والفنية للبنى الاخرى، وفي ضوء هذه الرؤية يذهب بعض النقاد الى ان العوامل المولدة للايقاع بالتضامن تشمل بشكل رئيس الوزن والقافية ، وانهما ليسا نظاما مستقلا بل رموز تنتمي لنظام اخر(1)، وهذا النظام الاخر لا يتشكل الا من البنية البصرية او المعنى ، او الايقاع الداخلي او التوازي، وهي مستويات النص المتفاعلة مع الوزن والقافية او المشكلة لهما. واذا كانت البنية الظاهرة هي الشكل للواقع المحسوس للتراكيب(2)، فان البنية الاقرب لبنيتي الوزن والقافية ستكون التشكيل البصري. وعلى هذا الاساس قسم الباحث الفصل الاول، (البنية الظاهرة) على ثلاثة مباحث هي:

1ـ البنية او التشكيلة البصرية

2ـ الوزن

3ـ القافية


المبحث الاول

 

التشكيلة البصرية

 

يسود قصيدة سعدي يوسف نظام السطر الشعري، وهو نظام قصيدة التفعيلة، الذي بشرت به نازك الملائكة في ثورتها على القصيدة التقليدية(1)، ليصبح هذا النظام عرفا محددا للجنس الادبي في القصيدة الحديثة، والعرف في العمل الفني نظام يجعل الجنس الادبي قارا(2)، ولكن هذا النظام المستقر يتعرض عند الشاعر سعدي يوسف الى انزياحات في تشكيلته المكانية(3)، اذ يتخذ رصف الكلمات والحروف صورة مغايرة للنظام الذي استقرت عليه تشكيلة الشعر الحر، الامر الذي يجعل التشكيل المكاني في قصيدة سعدي يوسف يتخذ  دلالات اخرى تختلف عن دلالة الرصف التقليدي للسطر الشعري، وحسب ما يذهب اليه الدكتور احمد مختار عمر فان ((قائمة الكلمات المتراصفة مع كل كلمة تعد جزءا من معناها))(4).

وعلى هذا الاساس وجد الباحث ان الانزياحات التشكيلية في قصيدة سعدي يوسف تؤدي دلالة خاصة ترتبط ارتباطا وثيقا ببناء القصيدة الفني، وان التشكيلة المعتمدة على العرف تنضوي تحت المسمى العام لقصيدة التفعيلة، لهذا فان الانزياح الذي يعني تصرف مستعمل اللغة في هياكلها ودلالاتها واشكال تراكيبها بما يخرج عن المألوف(5)، يعد محاولة لاقامة نظام خاص للقصيدة ذات التشكيل البصري الخاص، ويذهب يوري لوتمان الى ان ((اي نظام يقنن الشعر لابد أن يتلقى في الاساس باعتباره قيمة ذات مغزى))(6).

وعلى وفق هذا الرأي فان انزياح التشكيلة البصرية للقصيدة هو الذي ينتج دلالة مغايرة لدلالة القصيدة ذات التشكيلة العرفية ، ولاسيما اذا كان هذا الانزياح مقصودا  ويدخل ضمن محاولات الشاعر لاقامة تشكيلة مجردة ترمز الى حرية جديدة في التعبير، كما يذهب سعدي يوسف الى ذلك بقوله: ((ان التجريد عندي عنصر حرية وشمول في كتابة القصيدة))(1)، وكان هذا الموقف مدعاة لان يسلط الناقد طراد الكبيسي مزيدا من الاضواء على جدوى التجريد في القصيدة ، عادّا التجريد ((ليس تحررا من نطاق الشعر واستعاضة عن الصورة اللفظية كما يذهب الى ذلك الدادائيون والسرياليون، بل اندماجا عضويا في الشعر ذاته))(2).

من جهته يعترف سعدي يوسف ان القصيدة عنده ((موازنه واعية بين الوعي واللاوعي))(3).وهذه الموازنة لا تجعل عناصر البناء مستقلة ومتمايزة عن بعضها بحيث يسهل فصلها وتجريدها بل تجعل النظر الى الشعر على انه بناء رؤيوي متجانس يدرك على اساس من وحدته وبنيته المتجانسة(4).

وفي ضوء هذا الفهم يرى الناقد طراد الكبيسي ان الانزياح البصري في التشكيلة المكانية للقصيدة عملية تنطوي على القصد الباحث عن التجانس في مستويات النص(5)، وهذا القصد يعد وسيلة من وسائل الاتصال بالقارىء وانموذجا ينبغي ان يتغير على وفق لحاجات التعبير(6)، وقد انتج هذا التغيير التشكيلات الاتية:

1ـ التشكيل الهرمي

ويتضح هذا التشكيل في قصيدة (صباح ما)(7)، اذ يؤسس الشاعر معماريتها على النحو الاتي:

المنفيون

يحبون ملابسهم

ونباتات الزينة والقطط

****

المنفيون

يحبون اللغة الاخرى

وقطارات مواعيد الليل

وفي هذا التشكيل ابقى الشاعر لفظة (المنفيون) في اعلى الهرم وحيدة ،من دون ان يلحقها بكلمات اخرى على الرغم من ان السطر الشعري الذي يلي (المنفيون)يرتبط عضويا بالمفردة ذاتها ، لكنه مع ذلك ابقاها وحيدة ، وهذا الافراد عزز من القيمة الدلالية لصفة (النفي)، واعطى للوحدة والغربة جوا من الحزن المضاف ،فالمنفي لايتعامل مع الانسان الاخر المكافئ، بل يتعامل مع الاشياء الاخرى التي تنتمي اليه ويحتاجها لاستمرار حياته الانسانية ، لذلك فهو يحب (ملابسه ، القطط ،اللغة الاخرى ، قطارات الليل ،نباتات الزينة)، وكأن الشاعر اراد ان يقول في هذه التشكيلة ان الغربة تفقد الانسان انسانيته،وعلية ان يتحدى هذا الاستلاب ليبقى المنفي قيمة اعتبارية خاصة بوصفه صاحب موقف ، وهذه المسألة هي التي جعلت الشاعر يبقي مفردة (المنفيون) في اعلى الهرم ، ويؤكد سعدي يوسف هذا الموقف من المنفى بقوله: ((انه يتضمن فكرة الالغاء ، الغاء علاقة الفرد بالسماء والارض والمجتمع ،فثمة خط عمودي يصل بين السماء حيث المعبود والارض حيث الاسلاف في هدأة الموت الطويل ،وثمة خط افقي ينتظم القرية او البلدة حيث المنازل والذكرى وملاعب الطفولة ،وفي نقطة تقاطع الخطين يقف الفرد... هول المنفى هو في اقتلاع الفرد من نقطة التقاطع هذه ))(1).

 ان فكرة المنفى والنفي تكاد تكون قضية ذاتية محضة، فالمنفي هو(الانا) ،عند الشاعر ،وان هذه التشكيلة الهرمية هي التي اختصت بموقف الشاعر من المنفى ووحدته هناك في الغربة، لهذا يكرر التشكيلة في قصيدة اخرى ،ولكن في هذه المرة يصرح باسم المنفي وهو الشاعر نفسه ،ويكرر العلاقات ذاتها التي يقيمها الشاعر مع الاخر، فهي مجردة من الانسان، ولاتتواصل الا مع العلائم التي توحي بالغربة ، كما في قصيدة (رباعية ايضا)(2)التي يقول فيها:

سعدي

المتوحد والافعى

لايعرف ان يأكل في المطعم

وفي المقطع الثاني يقول:

سعدي

المتوحد والسيف

لايعرف ان يجلس في بهو السياسيين

وفي المقطع الثالث يقول:

سعدي

المتوحد والحلزون

لايعرف ان يتقدم (حتى بين رفاق العمر) مظاهرة

وفي المقطع الرابع يقول:

سعدي

المتوحد والمرآة

يحاول ان يتصور ماهو ابعد منها

وفي هذه المقاطع يتوحد الشاعر مع (الافعى،السيف،الحلزون،المرآة)، وهي عناصر خارج التجربة الانسانية في العلاقة مع الاخر ،ولاحظ الباحث ان ايقاع الخبب هو الذي يسود في هذه التشكيلة من قصائد الشاعر، الامر الذي يوحي بوجود تناسب ايقاعي بين التشكيل البصري والوزن ،بما يرسخ القيمة الجمالية لهذا الانزياح عن التشكيلة العرفية، وفي هذا الصدد يذهب الدكتور صلاح فضل الى القول ان ((هناك لذة الشكل المتكيفة بدقة مع عمليات توقع الايقاع وكفاءة التلقي للابنية الموسيقية الكامنة تحت كل رسالة شعرية، وهذه الابنية يمكن التقاطها منعزلة عما سواها من العناصر، وهناك القصيدة المكتوبة التي تلعب بالشكل الرمزي البصري،ومايشيع من ايحاءات وخصائص طبقا للمجال الدلالي لكل رمز))(1).

وفي هذه القصيدة كرر الشاعر مفردة (سعدي)، محاولا تقوية الدلالة الذاتية فيها وتقوية الايقاع المبني على (سببين خفيفين) متعاقبين، لتصبح لهذا التكرار قيمة متناسبة من الناحيتين الدلالية والايقاعية، تناسب التشكيل البصري، فالتكرار على ما يذهب اليه د.عبدالله الطيب المجذوب، منه ما يراد به تقوية النغم، ومنه ما يراد به تقوية المعاني الصورية ومنه ما يراد به تقرير المعاني التفصيلية(1) وفي هذا المقطع اسهم افراد الكلمة في السطر الشعري بمنحها قيمة دلالية خاصة من خلال استقلالها واكتفائها بتفعيلة كاملة، فضلا عن موقعها في اعلى الهرم، الامر الذي اثر بالضرورة على طريقة انشادها، وفي هذا الصدد يذهب الناقد طرد الكبيسي الى ان ((الشكل البصري للقصيدة على الورق، يتصل مباشرة بشكل العرض الانشادي الشفوي الذي يستمد مقوماته من جوهر اللغة في تراكم اصواتها، وحركاتها وسكناتها المتناوبة، وفق نظام مرتب ومتناسق)) (2).

 

2ـ تشكيل الهرم المقلوب

يتضح هذا التشكيل في شعر سعدي يوسف في المقطع الاتي من قصيدة(الاحساس الاول)(3)، اذ يقول الشاعر فيه:

حول المصطبة الريح تدور

الريح تدور تدور تدور

الريح تدور تدور

الريح تدور

الريح

ان طبيعة هذه التشكيلة في هذا المقطع الشعري ،تشير الى انحسار فعل (الدوران) عن الريح،وصولا الى نهايته لهذا فانها تومئ بالتلاشي كما يذهب الى ذلك الدكتور عبدالكريم راضي جعفر(4)، ويحدث التلاشي بقطع التكرار مرة واحدة في كل سطر شعري،وصولا الى افراد الريح ،وهذا القطع المنتظم للتكرار يشير الى طول المعاناة مع الريح ،والصبر عليها حتى لحظة الاستقرار، اما موقع الريح في اسفل الهرم فيشير الى سلبية الموقف منها ومن دورانها، هذا من الناحية الدلالية، اما من الناحية الايقاعية فان القطع المنتظم للفعل (تدور) لايؤدي الى انكسارات حادة في الايقاع، لان الشاعر في كل سطر شعري يقطع تفعيلة واحدة، وبهذا تحقق التشكيلة البصرية المتجهة الى الاسفل وانفراد الريح في النهاية الى اتساع الهوة بين الانا والريح بعد ان كانت تدور قريبة من الشاعر وتضاءلت في الدوران الى حد الانحسار غير المؤثر، وعدم تأثير الريح يوافق طبيعة تشكيلها البصري الذي بدأ به هذا المقطع المبني على التكرار، وكانت عملية حذف الفعل (تدور) في السطور التالية للسطر الاول محاولة من الشاعر للفت انتباه القارىء الى عملية الانحسار(1)، ان هذا التشكيل يعاكس التشكيل الهرمي بصريا ودلاليا، فالاول اعتمد تقوية القيمة الدلالية والمعنوية ، في حين اعتمد الثاني على اضعاف هذه القيمة، ولكنه مع هذا الاختلاف الدلالي ينسجم معه ايقاعيا، اذ  لاحظ الباحث ان معظم ايقاع الهرم المقلوب من وزن الخبب ايضا كما في  قصيدة (ثمل)(2)، التي يقول الشاعر فيها:

وتموج بي الامواج

تموج بي الامواج

تموج

بي

ا

ل

ا

م

و

ا

ج

 

ان اعتماد ايقاع الخبب في هذه التشكيلة والتشكيلة السابقة يشير الى حركية المشهد البصري من خلال الفعلين المضارعين (تدور وتموج)، وتناقص هذه الحركة باتجاه اضعاف الفعل من خلال حذف التكرارات المتوالية، وهذا الحذف المتوالي ينسجم مع ايقاع (الخبب)، الذي تصفه نازك الملائكة بـ(ركض الخيل)، لان النغم فيه كانه يقفز من وحدة الى وحدة اخرى بخفة وسرعة(1)، وفي التشكيل الاخير  لايعتمد الشاعر على حذف مفردة في كل سطر شعري ، بل يلجا الى عملية توزيع جديد للسطر الشعري،مع حذف (و) العطف من السطر الاول ، ويذهب جان كوهين في هذا الصدد، الى انه غالبا ما تكون ((طباعة الدال متوائمة مع المدلول.. فالمنطق الدافع داخل القصيدة يتحقق من خلال التشابه بين المعنى وطريقة الكتابة من الاعلى الى الاسفل))(2).

 ويرى الباحث ان حرف (الواو) في السطر الاول له وظيفة ايقاعية تساعد على ضبط تفعيلة بحر الخبب(فعْلن)، لان حذفه من السطر الثاني في هذا المقطع الشعري لم يؤثر في دلالة المقطع، لكن بعثرة السطر في نهاية المقطع على شكل هرم مقلوب منحته رمزا خاصا يشير الى حالة الغرق في الموج وتمكنها من الشاعر واخذه بعيدا ، ويصف الباحث نعيم اليافي هذا التشكيل بقوله: (( ان هذا التنضيد في حركته المندرجة نحو الاسفل يصور لحظة احتضار))(3). وهذه اللحظة هي نتاج صراع الانسان مع الموج الذي يتلاحق في فعل الاغراق السريع.

واذا كان الشاعر قد اظهر في التشكيل الاول للهرم المقلوب انحسار دور الريح وتضاؤل تأثيرها ،فانه اظهر في هذا المقطع استمرار قوة الموج وغرق الشاعر فيه،ففي المقطع الاول حذف الفعل (تدور) مرة في كل سطر، في حين ابقى الشاعر على السطر نفسه بتشكيل الهرم المقلوب في المقطع الثاني ،فكانت الريح تتلاشى وتضمحل في المقطع الاول ، وكان الانسان يغرق ويحتضر في المقطع الثاني ، ان هذه الجدلية في علاقة الانا بالاخر في المقطعين ترتبط بايقاع موحد، وهو الايقاع نفسه الذي نظم تفعيلات التشكيلة الهرمية وتشكيلة الهرم المقلوب .


3ـ التشكيل السلَّمي

 

وفي قصيدة (الزيارة الطويلة) (1)  ينزاح التشكيل البصري من العرف الى التشكيل السلمي كما في المقطع الاتي:

ا

ل

ش               (1)

ق

رّ

ق

 

تتمنطقه،ذاهلة،افعى

                ا

                ل

                ش     (2)

                 ر

                 ش

                 ف

 

يهوي منزلقا من ظهر الافعى

وفي هذا التشكيل تصرف الشاعر بالسطر الشعري بطريقة تبدو انه حطم تشكيلته العرفية بشكل بارز، وهذا التحطيم كما يقول باشلار تحرر من الانقيادات المألوفة(2)، وهذا التحرر وجد صداه في علاقة التشكيل بالمعنى والايقاع وعلى النحو الاتي:

اذا اعطيت مفردة ( الشقرّق) المنحدر رقم(1) ،والشرشف المنحدر رقم(2)، فانه يمكن ان تتحقق العلاقات الاتية في هذا التشكيل:

أـ ان السلّم منحدر نحو الاسفل، وهي وظيفة تعاكس وظيفة السلّم الاعتيادي الصاعد نحو الاعلى ،ويتحقق هذا الانحدار بدلالتين، الاولى الفعل (يهوي)، والثانية تكرار مفردة (الافعى) في نهاية السطرين الافقيين .

ب ـ هناك تناظر تشكيلي بين حروف المنحدر (1) وحروف المنحدر(2)، ولايوجد افتراق في مفردتي(الشقرق)و(الشرشف) الاّ في حرفين في التشكيل البصري لم يماثلا الحروف الاخرى وهما /(القاف،والفاء) ، وهذا الافتراق لايكسر من الناحية التشكيلية الانسجام بين المنحدرين، لان (الفاء) اقرب الحروف الى (القاف) من حيث التسلسل الابجدي والتشكيل الصوري، ولكن هذا الاقتراب في الصورة لايتحقق في النطق(فالقاف) لهوية (والفاء) شفهية (1).

اما الحروف الاخرى فانها موجودة في المنحدر (1)،وفي المنحدر (2)،وهي (أ،ل،ر،ش)،ولكن الذي يميز المنحدرين هو تكرار(القاف)في المنحدر (1)وتكرار (الشين) في المنحدر (2)،وان الحرف الذي يقع بين التكرارين هو الحرف نفسه في المنحدرين، وهو (الراء) الذي يعد من اوضح الاصوات الساكنة في السمع(2) ، ويتضح تأثير الراء في مفردة (الشرشف) وفي مفردة (الشقرّق) التي تحوي (الراء) المشددّة كما في العلاقة الاتية:

ا    ا

ل   ل

ش  ش

ق   ر

رّ   ش

ق  ف

وفي هذا التشكيل العلائقي يحقق الانسجام البصري للحروف توافقا صوتيا ودلاليا(3) في سياق القصيدة باعتماده تماثل موقع الحروف الثلاثة الاولى وتناسب موقع الحروف الاخرى.

 ان هذا التشكيل يدخل فيما يسميه امبرتو ايكو(4) بالمربع الثاني من مربعات النص الشعري العشرة،وهو مختص بطريقة تعاقب الكلام على الورق، اذ يرى ايكو ان تعاقب الكلام على الورق جزء من بقاء المعنى في النص الادبي(1)، ولهذا كان التشكيل محققا للمعنى الذي يريده الشاعر من القصيدة ،فالفعل يهوي يشير الى سقوط الافعى في منحدر اللذة، ويتضح هذا الانحدار بعد انزلاق الشرشف من ظهرها الذي كان يستر عريها ،(والعري هنا متحقق في انزلاق الشرشف الموحي بالملمس الظهري الناعم للجلد)، واعتمد الشاعر التشكيل المنحدر لتأكيد العلاقة الاسطورية بين اللذة والافعى ،وهي علاقة مختزنة في العقل الجمعي الانساني، بوصفها محرضة على الخطيئة الاولى التي كانت سببا لنزول آدم وحواء من الجنة (الاعلى) الى الارض (الاسفل) ويعد هذا النزول في المعتقد الديني اول سلسلة خطايا الانسان، تلك الخطايا التي دشنتها عملية اغراء حواء لآدم لان يأكل ثمرة الشجرة المحرمة(2)، ولذلك يرجح الباحث ان لجوء الشاعر الى هذا التشكيل لم يكن للتعبير عن حالة معاصرة ربما عاشها او سمع بها او رآها فقط، وانما تأكيدا لعلاقات اسطورية او دينية ،وجدت صداها في الازمان المختلفة من خلال تكرارها المستمر(3)، وهذا التكرار يعبر عن طبيعة الانسان وحاجته للاستمرار في الوجود من خلال التناسل المصحوب باللذة ، والذي يتضح في السطر الاتي: (تتمنطقه ، ذاهلة، افعى).

(4) ـ التشكيل المتعامد

ويبني سعدي يوسف قصيدته بالتشكيل المتعامد لتحقيق غرضين الاول تعميق الدلالة في القصيدة، كما في هذا المقطع من قصيدة (ابتداء) (4) اذ يقول:

سوف تسأم زاوية الشام ايضا

ونبتتها وهي تذبل خلف الزجاج

ولسوف تردد في السر

انى اتيت لكي احتمي بالزجاج

الظهيرة

و

ا

ق

ف

ـة

والشجيرات من طرف العين تلمحها

وهي تهدأ في الظل

والشمس تهدأ في الظل

وفي هذا المقطع عمد الشاعر الى تجزئه مفردة (واقفة) لتأكيد شدة الحرارة، من خلال إقرانها بالوضع العمودي للشمس في الظهيرة وما تسببه من انحسار للحياة، ففي هذا الوقت يكون النبات معرضا للذبول ، مثلما الحياة نفسها معرضة للذبول، ولا شيء يكافىء هذا الذبول غير (الظّل) الذي كرره الشاعر مرتين لتأكيد اهميته في جدلية (الذبول والخصب) في الحياة، وكان لاستخدام الشاعر لتشكيلة مفردة (واقفة) على النحو العمودي علاقة بالانشاد الذي يدفع المتلقي الى التوقف قليلا عند هذه المفردة لتهجيها وقراءتها(1)، فتكون بهذا التشكيل مفردة (واقفة) مركزا لبنية هذا المقطع فهي تتوسط مفردة (ظهيرة) و (شجيرات)، واراد الشاعر بالوقوف هنا بين (المفردتين) معا، ليعبر عن الجدلية المتحققة من وجود الظهيرة مع الشجيرات، جدلية (الضوء والظل).

اما الغرض الثاني من التشكيل المتعامد فهو اقامة تكرارات صوتية وتشكيلية بين المفردات في القصيدة ، تفضي هذه التكرارات الى عكس الدلالة وذلك من خلال اجراء تحوير في واحد في حروف المفردات المتشاكلة في النص، وانتاج دلالة معاكسة في المفردة تلي المفردة السابقة، كما في قصيدة (ما اصعب الاغنية) (1)  حيث يقول الشاعر:

تمتمة

وتمائم

ترتيل تر ، تر ، وتر ، تر    تراتيل

ترتد

ترتاد

ترتاح

تنداح

ترفض

تنهد

ترتد

تنويمة، ان تغني، وان تنتهي.

وفي هذا التشكيل يخاطب الشاعر البصر بأسلوب اوضح من التشكيلات السابقة، مانحا الاسبقية لمعمارية النص وهندسته الفضائية على المنعكسات الاخرى من علاقاته(1)، اما من الناحية الصوتية فقد جعل الشاعر صوت حرف (التاء) مرتكزا لعلاقات النص الايقاعية والدلالية معا، فبدأ بتكراره ثلاث مرات ، وتكرار حرف الميم مرتين، وفي المفردة الثانية (تمائم) يتكرر (الميم) مرتين، ولا يتكرر (التاء)، ثم يتكرر التاء مرتين في (ترتيل وتراتيل)، ومرتين في (ترتد وترتاد)، وفي هاتين المفردتين بدأ الشاعر بعكس الدلالة من خلال اضافة حرف واحد، وهو الالف.. أو من خلال تغيير حروف المفردة كلها والابقاء على حرف واحد هو (التاء)، (المرتكز الصوتي للمفردات في هذا المقطع)، لهذا تبقى تكرارات التاء بالعدد نفسه في المفردات ذات الدلالات المتناقضة،

ترتاد ×  ترتد

تنداح ×  ترفض

لقد خلقت التكرارات الصورية والصوتية في هذا المقطع تشكيلة لقصيدة خاصة. فالعرف في السطر الشعري الذي تعتمد عليه قصيدة التفعيلة، اصبح مخترقا باعتماد كلمة واحدة فيه، وان استخدام الشاعر هذا الاسلوب يؤكد التناقضات والتوافقات في القصيدة، فدلالة ترتد، لايمكن وضعها في سطر شعري واحد مع ترتاد، لان قيمة التناقض بين المفردتين ستضعف، وكذلك الحال في تنداح وترفض ، وعلى وفق هذه الرؤية يعد افراد الكلمات في السطر الشعري عملية اثراء للدلالة التي يريدها الشاعر، اما في السطر الشعري المعتمد على حرفي (التاء والراء) ، فمنعكسه الصوتي يوحي بصوت آلة متحركة الى اليسار، وتشكيلته الصورية توحي بانسجام مظهري في حروف هذا السطر، وفي كلا المنعكسين هناك حركة في القصيدة تتمحور في السطور الشعرية التي تلي تشكيلة (تر ، تر ..) في حين تنعدم هذه الحركة في مفردتي (تمتمة، وتمائم). وهنا استخدم الشاعر جدلية الثبات والتغيير في الصوت، (فالتاء) ثابتة في هذا المقطع، في حين يحدث التغيير في علاقات اصوات الحروف الاخرى، ومع التغيير الصوتي كان هناك تغيير في التركيب التشكيلي للقصيدة، فتارة يكون افقيا واخرى عموديا، وهذه المتغيرات تؤكد هشاشة البنية التشكيلية لقصيدة الشعر الحر، مقابل صلابة القصيدة العمودية، الامر الذي يجعل التشكيل في قصيدة التفعيلة تشكيلا اجوف(1)، يمكن ان يملأ بالتركيب الملائم للمعنى.

4 ـ التشكيل التناسبي:

ويعمد الشاعر في هذا التشكيل الى مناسبة الحرف مع الكلمة ، من حيث العدد والمنعكس البصري والدلالة، كما في قصيدة (اذن نزنر هذا الوطن بالبترول والديناميت)(2) حيث يقول:

ليس لنا ان نجعل الالف الى الالف هكذا

 

آ  آ  آ  آ  آ  آ  آ

آ  آ  آ  آ  آ  آ  آ

ليس لنا ان نجعل الميم الى الميم هكذا

                م

                م

        م       م      م

              م       م       م

  م    م      م       م       م     م 

                      م

                      م

                      م

                      م

                      م

                      م

                      م

ليس لنا ان نجعل الميم الى النون هكذا

من؟ من؟ من؟ من؟ من؟ من؟ من؟

من؟ من؟ من؟ من؟ من؟ من؟ من؟

وفي هذا التشكيل تصرف الشاعر ببياض الورقة ورسم تشكيلة مكانية في فضاء النص تتواءم مع دلالة القصيدة ورسالتها، ليصبح هذا التشكيل بمثابة المرسل للمعنى، ويذهب ايكو في هذا الصدد الى القول: ((ان للمرسلة وظيفة جمالية عندما تكون مبنية بشكل غامض، فيقوم فهمها على جدلية الوفاء للنص والتحرر من التفسيرات الدائرة حوله)) (1)، اما من الناحية الصوتية فقد حاول الشاعر في هذا التشكيل ان يقيم تناسبا بين حروف ثلاثة هي (الالف والميم والنون)، والمشكلة لمفردة (أمن)، وفي التشكيل العرفي لقصيدة التفعيلة كان يمكن ان يورد الشاعر مفردة (أمن) في هذا المقطع من دون ان يحصل خلل في دلالة القصيدة، لكن اعتماد الشاعر هذا التشكيل المكاني اعطى دلالات بصرية ومعنوية مضافة لبناء هذا المقطع ، فمفردة (أمن) تشعر الشاعر بحقب من المطاردة والاعتقال والسجن السياسي، وان الاعلان الصريح عن هذه الحقب يوحي بعودتها الى حياته، ولكي يؤكد الشاعر خشيته من العودة لتلك الحقب اجرى تحويرا في حروف مفردة (الأمن)، وهذا التحوير يسميه تيودورف (بالجناس الابدالي) الذي يصفه بقوله: ((نصوص تكوِّن بعض حروفها كلمة معينة لا كما هي جنبا الى جنب فقط، بل كذلك عند انتزاعها من موضوعها ووضعها في نظام مختلف، وترسم هذه  الاحرف التي تحيل الى احرف اخرى او الاصوات التي تحيل على اصوات اخرى مكانا على مستوى الدال))(2) .

واذا تم تحليل حروف مفردة (أمن)، نجد ان الصوت المنفرد للحرف لا يطابق صوته في اللفظ في حالة اجتماع الحروف الثلاثة، فالاول يلفظ (ألف)، والثاني (ميم) والثالث (نون)، وهذا اللفظ من حيث الصوت لا يطابق صوت مفردة (أمن).

كما استخدم الشاعر طريقة خاصة في صورة الحرف، وذلك من خلال تصفيفه لحرف الالف، بحيث يجعلها قريبة لتصفيف القضبان في السجون، وطريقة تصفيفه لحرف الميم قريبة لتصفيفة الدهاليز، في اشارة الى دهاليز واقبية دوائر الامن، وهي في منعكسها الصوري اقرب الى صورة (السهم) المتجه نحو تشكيلة (الالف) البصرية المشابهة لقضبان السجون، والميم هي الحرف الاول من مفردة (معتقل)، وهذا العلاقة تشير الى ان (الانا) في القصيدة يمكن ان تعود الى السجن ثانية. اما النون فربطها بالميم، واشار صراحة الى الخوف من ربط هذه  الحروف بعضهما مع بعض (ليس لنا ان نجعل الميم الى النون هكذا .... من). ويؤكد الشاعر القصد في هذا التشكيل من خلال تكرار حرف الالف (7) مرات وتكرار حرفي (من) سبع مرات ايضا. وفي هذا التشكيل استخدم الشاعر بياض الورقة ليعبر من خلال تشكيلة الحروف البصرية عن احساساته ومشاعره ازاء موضوعها، كما يذهب ماكليش الى ذلك(1) ليتواءم في هذا التشكيل الاحساس مع المنعكس البصري والدلالي والصوتي في القصيدة.

 

5 ـ تشكيل الفراغ

 

يستثمر سعدي يوسف تشكيل الفراغ في القصيدة محاولا اثراءها بتنويعات ايقاعية ودلالية ، فالفراغ عنده يمتلك قيمة جمالية تتيح للشاعر التصرف في عناصر بناء القصيدة وفي نواح متعددة ، ويظهر ذلك في قصيدته (نار الحطابين) (2)،  اذ يقوم الفراغ بنقل اجواء القصيدة من حالة الى اخرى،  يقول الشاعر فيها:

 قمْ

وانفض عنك دثارك

واحمل في التيه المائي عصاك

اركض

...

...

ثمت في ذاك المرج مرايا ذائبة

وفراء.

وفي هذا المقطع هناك ابتداءات في السطور الشعرية تسبق الفراغ تختلف عن الابتداءات في السطور التي تلي الفراغ... اذ ان كل السطور التي تسبق الفراغ تبتدىء بفعل امر، (قم ، انفض ، احمل ، اركض)، ويتحول الامر في السطر الشعري الذي يعقب الفراغ، الى حالة اخرى قوامها الاستقرار، وفي هذا المقطع الشعري يفصل الفراغ بين حالتي الحركة والسكون، معطيا دلالة الانتظار والتمهيد للتحول من التوتر الى الاستقرار(1) ، فمن حالة الحركة التي تبدأ بالقيام ، ونفض الدثار، وحمل العصا والركض، يعمد الشاعر الى ايقاع الانتظار من خلال الوقفة التي يحققها الفراغ في الانشاد والتلقي ، وبعد مدة الانتظار يعلن الشاعر في السطر الشعري الاخير جائزة الحركة، المتمثلة بالمرج، والمرايا والفراء.

وفي مقطع آخر يستثمر الشاعر الفراغ لاحداث نقلة من صيغة في الخطاب الى صيغة اخرى، كما في المقطع الاتي من قصيدة (خدر) (2) اذ يقول:

وعيناي لاتطرقان

هل البرد غلغل بين العروق وما حولها الثلج

أهي الرطوبة

أم أن أغنية العمر تهدأ

.....................

.......................

.......................

إطرق قليلا ، اذا..

 

وفي هذا المقطع وجد الباحث ان السطور التي تسبق الفراغ تعتمد صيغة الـ(آنا) في الخطاب (وعيناي لا تطرقان)، اما السطر الشعري الذي يلي الفراغ، فان صيغة الخطاب تتحول فيه الى صيغة الـ(أنت)، وهذا التحول في صيغة الخطاب يسميه البلاغيون بـ(الالتفات) ويعني كما يذهب ابن المعتز (ت ـ 296هـ) ((انصراف المتكلم عن المخاطبة الى الاخبار ومن الاخبار الى المخاطبة)) (1).

ان الفراغ في هذا المقطع الشعري منح القصيدة امكانات تعدد الاصوات في مقطع قصير، الامر الذي جعل الدلالة تنفتح على نمطين من الخطاب، الـ(أنت) والـ(انا)، وفي الصيغتين هناك تأكيد لانحسار الوجود الانساني في ضجة الحياة خاصة ان الشاعر ينهي المقطع الذي يسبق الفراغ باحتمال (ان تهدأ اغنية العمر). اما في السطر الذي يلي الفراغ فانه يريد من (الذات او الاخر) التوقف قليلا والهدوء، ان تعدد صيغة الخطاب مقابل وجود (الاستقرار) فيه منح هذا المقطع جدلية (الثبات والحركة) محققا بذلك جمالية خاصة في الانشاد الذي يشد القارىء اليه لاكتشاف سرّ هذه الجدلية.

وفي قصيدة اخرى يستثمر الشاعر بنية البياض لاحداث تحول ايقاعي في القصيدة، والانتقال من بحر شعري الى بحر اخر، كما في قصيدة (ذبذبات) (2)  ، التي يقول الشاعر فيها:

للخريف الذي ظل يمضي، لاخر اوراقه، تهمس الريح في مطر ناعم

انا اسمع ما تنطق الريح، المس ما تحمل الريح، اغمس

هدبي بامواجها ، القرية ارتحلت منذ قرن ، وها انت ذا لاترى غير

مقعدها الخشبي الوحيد، وساحتها الخاوية

كنت قد هيأت الشعارات العشية، سوف يأتي احمد النجدي حتما

بالعصي وسوف تنطلق المظاهرة الظهيرة حين تزدحم الازقة

وهذا التشكيل البصري ينتمي الى نمط القصيدة المدورة التي تعتمد السطور الشعرية الطويلة الشبيهة بالسطر النثري، ويؤدي الفراغ فيها دورا رئيسا في نقل الايقاع من البحر المتدارك في بداية القصيدة الى البحر الكامل في المقطع الشعري الذي يعقب البياض، فالبياض كما يذهب لوتمان حبس ضروري للنفس، له قيمة ايقاعية في القصيدة(3)، وهذه القيمة الايقاعية هي التي هيأت للانتقال من البحر المتدارك الى البحر الكامل.


المبحث الثاني

 

الــوزن

شكل الوزن في القصيدة العربية التقليدية ، واحدا من اهم مقومات الشعر، ان لم يكن اعظم اركانه(1) ، ونظر النقاد القدامى الى وظيفته من خلال زوايا مختلفة، لعل اهمها شراكته للقافية في تحقيق الجنس الادبي، فالشعر ((قول موزن مقفى يدل على معنى)) (2).

واذا كان المعنى العامل المشترك بين الشعر والنثر فان الوزن والقافية عامل افتراق للجنس الادبي عن غيره، ويعود هذا الافتراق الى بنية القصيدة العربية التقليدية المستندة الى عمود الشعر، الذي حدده المرزوقي بعناصر سبعة ، منها التحام اجزاء النظم والتئامهاعلى تخيّر من لذيذ الوزن، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية(3).

اما الوظائف الاخرى فمنها ما يتعلق بالجانب الموسيقي الجمالي بوصفه ايقاعا يطرب الفهم لصوابه(4) ، ومنها ما يتعلق بمقدرته على تحقيق غرض القصيدة ، من خلال خاصيته في التعبير، وهذا ما ذهب اليه حازم القرطاجني حين رأى، ان من يتبع كلام الشعراء في جميع الاعاريض وجد الكلام الواقع فيها يختلف انماطه بحسب اختلاف مجاريها من الاوزان، فالعروض الطويل نجد فيه ابدا بهاء وقوة وتجد للبسيط سباطة وطلاوة وتجد للكامل جزالة وحسن اطراد، وللخفيف جزالة ورشاقة وللمتقارب سباطة وسهولة ، وللمديد رقة ولينا مع رشاقة، والرمل لينا وسهولة ولما في المديد والرمل من اللين كانا أليق بالرثاء ، وما جرى مجراه منهما بغير ذلك من اغراض الشعر (5).

وعرف النقد العربي القديم الوزن في ضوء عنصرين الاول متغير والثاني ثابت فهو ((التأليف الذي يشهد الذوق بصحته او العروض)) (6).

والثابت في هذا التقويم النقدي هو العروض.

اما المتغير فهو الذوق الذي لا يخضع لقانون بل يتبع قيما قد يتفق معها بعض الناس وقد يختلف معها بعض اخر، فالذوق بمنزلة الاحساس بحسب الفطرة(1)  وبعد محاولات التطور التي شهدتها القصيدة العربية في مرحلة النهضة العربية اصبح القالب الوزني عنصر ممانعة للتطور، لهذا كتب المازني في مقدمة احد دواوينه قائلا: ((ان اوزاننا وقوافينا اضيق من ان تنفسح لاغراض شاعر تفتحت مغاليق نفسه))(2).

ومن هذا المنطلق كانت محاولات تطوير الاوزان في القصيدة حثيثة لدى معظم التيارات والمدارس الشعرية العربية في عصر النهضة، اذ وجد المهجريون ان من بين عناصر التجديد في القصيدة العربية تنويع الاوزان والقوافي(3).

وفي الثورة الشعرية الحديثة التي انتجت قصيدة التفعيلة طرحت نازك الملائكة قضيتين رئيستين بشأن الاوزان، الاولى حرية الشاعر في اختيار عدد التفعيلات في السطر الشعري الواحد، والثانية تتعلق بالبحور التي ينبغي استخدامها في الشعر منها البحور البسيطة وتسميها (الصافية) وهي: الكامل ـ الرمل ـ الهزج ـ الرجز ـ المتقارب ـ المتدارك : والبحور المركبة ـ وتسميها الممزوجة ـ وتذهب الى انه لايجوز منها سوى استخدام السريع، والوافر(4)  ولكن التطور الذي شهدته قصيدة التفعيلة، اثبت امكانات استخدام بحور اخرى في القصيدة، ويعد الشاعر سعدي يوسف من الشعراء القلائل الذين استخدموا بحورا مركبة اخرى في قصائده، اذ لم يستخدم بحر الطويل في خريطة الشعر العراقي الحديث في قصيدة التفعيلة سوى شاعرين هما السياب وسعدي يوسف، كما استخدم الشاعر اكثر من بحر في قصيدة واحدة كما في قصيدة (قلعة السنيور) (5)،  وكان استخدام البحور في قصيدة سعدي يوسف قد جرى على النحو الاتي:

 

 

 

 

 

1ـ البحور البسيطة

 

تمثل البحور البسيطة معظم القصائد التي كتبها الشاعر سعدي يوسف، وقام الباحث باجراء احصاء لخمس مجاميع شعرية وهي كل ما صدر عن الشاعر حتى عام 2005فوجد ان البحور الشعرية المعتمدة على تفعيلة واحدة تمثل (5ر89 %) من مجموع قصائد الشاعر، وهي على النحو الاتي:

 

1ـ الوافر وتفعيلته ، مفاعلتن، مفاعلتن ، مفاعلتن.

2ـ الكامل وتفعيلته ، متفاعلن، متفاعلن ، متفاعلن.

3ـ الرجز وتفعيلته ، مستفعلن ، مستفعلن ، مستفعلن.

4ـ الهزج وتفعيلته ، مفاعيلن، مفاعيلن ، مفاعيلن.

5ـ الرمل وتفعيلته ، فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلاتن.

6ـ المتقارب وتفعيلته ، فعولن ، فعولن ، فعولن، فعولن.

7ـ المتدارك وتفعيلته،  فاعلن، فاعلن، فاعلن ، فاعلن(1).

 

ووضعت نازك الملائكة، في دراستها لبحور الشعر الحر وتشكيلاته، (الوافر) في قائمة البحور الممزوجة لان سطره كما تذهب (مفاعلتن مفاعلتن فعولن)(2) وهي بذلك ألزمت الشعراء بان تكون اضرب هذا البحر (مقطوفة) بقولها: ((ان القصيدة الحرة من البحر الوافر ينبغي ان تجري على هذا النسق مثلا:

مفاعلتن فعولن

مفاعلتن ، مفاعلتن ، مفاعلتن، فعولن ،

لهذا يشترط ان ينتهي كل سطر في القصيدة بالتفعيلة، (فعولن)(3).

وذهبت نازك الملائكة الى ذلك على الرغم من ان الدراسات الحديثة والقديمة تعد بحر الوافر من البحور البسيطة(1)،  لذلك يرجح الباحث الرأي الثاني بسبب وضع النقد العربي القديم لهذا البحر في تشكيلة البحور ذات التفعيلة الواحدة(2).

كما يرى الباحث ان وزن المتدارك في قصيدة الشعر الحر يمكن ان ينقسم على بحرين او وزنين ، الاول المتدارك بتفعيلته (فاعلن)(3)  والثاني الخبب بتفعيلته (فعْلن)، وذلك لاختلاف التفعيلتين في البناء الوزني، فالتفعيلة (فاعلن) تتكون من سبب خفيف (فا)، ووتد (علن) وفي حالة الخبن تصبح (فعِلن)(4) ، في حين تتكون تفعيلة الخبب من (فَعِلُنْ) او (فعْلنْ)، اي انها تتكون اما من سببين خفيفين، او من (سبب ثقيل وسبب خفيف)(5) ، ويمكن ان تدخل تفعيلة اخرى في هذا البحر وهي (فاعل)، سواء أكان ذلك في حشو ام في بداية السطر الشعري ام نهايته وليس كما تذهب نازك الملائكة ان (فاعل) لاتأتي الا في حشو الخبب فقط(6) ، كما في قصيدة (مطعم صيني)(7)، للشاعر سعدي يوسف التي يقول فيها:

في المرآة الضخمة

في عمق المطعم

تبدو اشجار وتنانين اخرى

وموائد اخرى،

وحرك الشاعر هنا مفردة (الضخمة) في نهاية السطر الاول وتفعيلتها (فاعل)، ويمكن ان تاتي فاعل في بداية السطر كما في قصيدة (استعادة)(8)، التي يقول فيها الشاعر:

سيرن الهاتف

لن ارفعه

اعرف انك انت

وتفعيلة مفردة (اعرف) في السطر الثالث (فاعل)، ان هذا التنوع في تفعيلة (الخبب) تعطيه صفة الاستقلال عن البحر المتدارك، الامر الذي يؤكد ان اي عملية تداخل بين تفعيلة المتدارك، (فاعلن) او (فعِلن) في القصيدة مع (فعْلن) فان كسرا عروضيا سيحدث، يؤثر في انسجام الايقاع، اي ان (فَعْلنْ) لا تدخل في تفعيلة المتدارك  ولو دخلت فانها ستعد انذاك كسرا عروضيا.

في ضوء ما تقدم يرى الباحث انه يمكن تقسيم البحور الصافية في الشعر الحر على النحو الاتي،(الكامل ، الوافر ، الرمل  ، الهزج، الرجز، المتقارب، المتدارك ، الخبب)، اما نسبة قصائد سعدي يوسف من هذه البحور فهي على النحو الاتي:

1ـ الكامل (5ر14 %) تقريبا ، 2ـ الرمل (8%) تقريبا، 3ـ السريع (9%) تقريبا 4ـ المتقارب (5ر12) تقريبا، 5ـ الهزج (1%) تقريبا، 6ـ المتدارك (17%) تقريبا 7ـ الخبب (5ر14%) تقريبا 8ـ الوافر(13%) تقريبا ، وألحق الباحث التقريب الى النسبة المئوية لاسباب عدة، منها ما يتعلق باستمرار عطاء الشاعر ومنها ما يتعلق بوجود الزحافات والعلل في تفعيلات قصائده، الامر الذي قد يؤدي الى الارباك في تشخيص التفعيلة بشكل دقيق على الرغم من محاولته التدقيق فيها، كما انه توجد في شعر سعدي يوسف  قصائد ذات بحور ممزوجة تحتمل اكثر من وجه في تحديد الوزن الشعري، مثل (قصيدة تركيبة)(1) التي يقول فيها:

وجهها كان بين الرخام الصناعي والاس

هل غادرت قرطبة

مساجدها؟

هل تخطى العراق الخوارج

هل امسكت يدها بالغصون الي شربت خضرة الجرح

                                           حتى الثمر؟

في هذه القصيدة يمكن تقطيع المقطع الشعري على شكلين: الاول تحِّول التفعيلة في القصيدة في مفردة (مساجدها) من (فاعلن) الى (مفاعلتن)، والعودة بعد ذلك الى فاعلن، على النحو الاتي:

 وجهها / كان بي / ن الرخا/م الصنا/عيي والـ/

 فاعلن   / فاعلن  /   فاعلن/  فاعلن /  فاعلن /

/أاس هل / غادرت / قرطبة

 فاعلن    / فاعلن  / فاعلن

مسا جدها / هل تخط / طى العرا/ق الخوا/رج هل/ امسكت / يدها/

 مفاعلتن  /  فاعلن   / فاعلن  /  فاعلن /   فعلن /  فاعلن/ فعلن/

بالغصو/ن التي / شربت / خضرة الـ/جرح حد/د الثمر /

فاعلن  /  فاعلن /  فعلن /   فاعلن   / فاعلن  /  فاعلن/

ويمكن تقطيع القصيدة نفسها بتحويل التفعيلة من بحر المتدارك الى بحر المتقارب من خلال الانتقالة في مفردة (مساجدها) ايضا. وعلى النحو الاتي:

وجهها/ كان بيـ/ن الرخا / م الصنا/عيي والـ/ أاس هل / غادرت / قرطبة/

فاعلن  /  فاعلن / فاعلن  / فاعلن  / فاعلن   / فاعلن   / فاعلن  / فاعلن/

مساجـ/دها هل/ تخطىّ الـ/عراق الـ/خوار/ج هل ام/سكت يـ/

فعول   / فعولن  / فعولن   / فعولن /   فعول  / فعولن/ فعولن/

دها بالـ/غصون الـ/لتي ش/ ربت نظـ/ رة الجر/ ح حتى ال / ثمر

فعولن       فعولن     فعول     فعولن    فعولن    فعولن   فعولن    فعو

ويجوز في المتقارب حذف الضرب في نهاية التفعيلة فتصبح (فعولن ، فعل او فعو)(1).

ان هذه الانتقالات تجعل حصر عدد القصائد التي تعتمد بحورا معينة مسألة ينتابها قليل من عدم الدقة، الامر الذي جعل الباحث يضع مفردة (تقريبا) في احصائه للبحور التي اعتمدتها القصائد.

في ضوء ما تقدم يرى الباحث ان الشاعر اعتمد في هذه البنية العروضية  المتغيرة على التحولات الايقاعية التي تحققها (مفردة واحدة في القصيدة)، اذ تنكسر الرتابة الايقاعية في منطقة محددة جدا، ليتم بعدها الانتقال الى ايقاع جديد بطريقة سلسة او الاستمرار بالايقاع نفسه، والسبب في ذلك يعود الى محاولة الشاعر عدم اشعار المتلقي بان تحولا ايقاعيا جوهريا قد حدث في القصيدة، وان ثمة كسرا عروضيا واضحا فيها، لهذا اختار الشاعر البحرين (المتقارب والمتدارك)، وعمد الى جعل التفعيلة كاملة في المرحلة التي تسبق الانتقال، فالمتقارب والمتدارك من دائرة عروضية واحدة يطلق عليها دائرة المتفق(1) ، خاصة ان النقد العربي القديم عدّ المتقارب بحرا ((يخرج منه بحر وزنه فاعلن ولم يذكره الخليل واستدركه المحدثون فسمي بالمتدارك او المخترع))(2).

 

اما الدكتور محسن اطميش، فيذهب الى ان دارس الشعر العراقي سيرى ان ثمة ((مجموعات شعرية كاملة توشك ان تجري جميعها على موسيقى هذين البحرين كما في (الليالي كلها) و(تحت جدارية فائق حسن)، في نتاج سعدي يوسف))(3).

واختلف النقاد في الاسباب التي جعلت هذين البحرين يطغيان على بقية البحور في شعر التفعيلة فمنهم من يرى ان سيادة بحر من بحور الشعر يعود الى التطور التاريخي الذي اصاب القصيدة العربية، اذ نجد في كل عصر من العصور ان بحورا معينة يكون لها السبق في نتاج الشعراء دون غيرها(4). ومنهم من يرى ان البحور التي تسود في مرحلة معينة تعد تعبيرا عن ايقاع الحياة في تلك المرحلة(5).

ودرس الدكتور ابراهيم انيس قضية سيادة البحور في تاريخ الشعر العربي فتوصل الى استنتاج مفاده، ان البحر الطويل استأثر بثلث الشعر العربي القديم، واستأثر البحران الكامل والبسيط بالمرتبة الثانية ، ويجيء بعدهما البحران الوافر والخفيف ولم يكن حظ البحور الاخرى الا القليل ، في حين اسقط الشعر الحر هذه السيادة لصالح بحري المتقارب والمتدارك(6).

 وحاول الدكتور اطيمش دراسة الاسباب التي دعت الى تراجع البحور التي كانت سائدة في الشعر العربي القديم، ذاهبا الى ان سيادة المتدارك والمتقارب في قصيدة التفعيلة يعود الى اقترابهما الشديد من الايقاع النثري الذي يشيع في لغة الحياة وعلى ألسنة الناس عندما يمارسون شؤون حياتهم اليومية في حين لم تتمتع البحور السائدة قديما بهذه الميزّة(1). ولكن ايا من الباحثين والنقاد لم يحلل الاسباب التي جعلت هذين البحرين يمتلكان هذه الميزة في الاقتراب من لغة الناس اليومية، ويرى الباحث، ان المتقارب والمتدارك في دراسات معظم النقاد والباحثين جرت على اساس انهما بحران فقط، المتقارب بتفعيلته (فعولن)، والمتدارك بتفعيلته (فاعلن)، والحقيقة ان المتدارك كما مرّ مكون من بحرين وهما المتدارك والخبب، وتكاد تكون نسب استخدام الشعراء وخاصة عند سعدي يوسف متقاربة لهذين البحرين، وعلى هذا الاساس، يرجح الباحث ان اسباب لجوء الشعراء المحدثين لهما يعود الى ان شعراء قصيدة التفعيلة حاولوا التخلص من الايقاع التقليدي للقصيدة التقليدية لا من حيث البحر فقط بل من حيث، عنصر الايقاع الجوهري وهو (الوتد)(2)، ففي المتدارك (فاعلن) يكون الايقاع صاعدا من السبب الى الوتد، (فا) سبب خفيف/(علن) وتد، وفي الخبب ينتفي جوهر الايقاع (الوتد)، اما المتقارب فان ثبات تفعيلة (فعولن) وترددها وانتظامها يجعله قريبا من المتدارك (فاعلن)، أي انه يتضمن تفعيلة معاكسة له فـ(فعولن)، وتد ثم سبب، في حين (فاعلن)، سبب ثم وتد، وهذا النمط الايقاعي كان قليل الاستخدام في القصيدة العربية بسبب عدم وجود انتقالات ايقاعية في هذين البحرين، اما نمط البحر الطويل فان سيادته تعود الى انتقالاته الايقاعية التي تبدأ بجوهر الايقاع الصاعد الوتد (فعولن)، (مفاعيلن)، وهذه الانتقالات تحقق قدرا جماليا وايقاعيا للقصيدة العمودية ينسجم مع غرضها. لان جوهر الايقاع الصاعد يتحول في هذا البحر بايقاعين مختلفين (فعو/لن ، مفا/عيلن).

اما البنية الايقاعية للشعر الحر فانها غير قابلة نظريا لاستيعاب البحور الممزوجة مثل الطويل بسبب تصرف الشاعر بسطورها الشعرية التي قد تتكون من تفعيلة واحدة أي (مفردة واحدة)، واستخدام الشعراء للتفعيلة المدورة التي يمكن ان تسبب في نهاية السطور تحولات ايقاعية حادة في القصيدة تؤثر في موسيقى الشعر، وهذه التحولات لايمكن ان تحدث في القصيدة العمودية بسبب صرامة قالبها الشعري، فضلا عن ميل شعراء التفعيلة لايقاعات تناسب تشكيلة القصيدة المكانية التي تمتاز

 

بالتغير، لهذا اعتمد الشعر الحر على البحور او الاعاريض التي اهملتها القصيدة العمودية من البحور الصافية، ويرجح الباحث ان يكون سعدي يوسف حاول مثل من سبقه اعتماد هذه التفعيلات (وخاصة الصافية) لتنويع الايقاع في قصيدته، ولكي يجعلها  تلائم تشكيلها المكاني.

 

 ففي قصيدة (صباح الخير ايها الفاكهاني)(1)، تتعرض تفعيلة الوافر (مفاعلتن) الى تحولات ايقاعية سواء أكان ذلك في الضرب ام التفعيلة ذاتها اذ يقول..

 

صباح الخير                                           /مفاعلْتان

صباح الخير ايتها الشوارع والبنادق    /مفاعلْتن، مفاعلتن ، مفاعلتن، مفاعل

يا صباح الخير                          / تن، مفاعلتن / مـ

يا (بيري/ية) حمرا/ء ، يا شمسا / فاعلتن/مفاعلْتن/ مفاعلْتن/مفا

على شعر الفتى 

     ولكم  صباح الخير حراس المقر      علتن/ مفاعلتن/مفاعلتن/مفاع

لفوهات الليل ، سر الليل            لتن/ مفاعلتن / مفاعلتن /م

 

وفي هذا المقطع تتنوع تفعيلة (مفاعلتن) الى تفعيلات متعددة، اذ تصبح حركة اللام، سكونا لتصبح التفعيلة مكونه من وتد مع سببين خفيفين، كما ان هذه التفعيلة لم تستمر بشكل منتظم في السطور الشعرية فتارة تتحول الى (مفاعلتان)، كما في بداية القصيدة، وتارة تنقطع الى وتد مع سبب ثقيل كما في السطر الثاني لتكتمل في السطر الثالث في السبب الخفيف (لن).

 

وفي هذا التقطيع اظهرت السطور الشعرية تنوعا في التفعيلات من خلال تحول تفعيلة (مفاعلتن) الى (مفاعيلن)، وهو زحاف شائع يقربه من بحر الهزج حين تعصب جميع اجزاء الوافر المجزوء وفي هذه القصيدة كانت (مفاعيلن) طاغية اكثر من تفعيلة (مفاعلتن) الامر الذي يجعل هذه القصيدة قريبة لبحر الهزج اكثر من قربها للوافر، لان بحر الوافر يتحقق بوجود أي عدد من تفعيلة (مفاعلتن) مهما كان قليلا(1) هذا الاستخدام المعتمد على الزحاف جعل القصيدة وكانها تتضمن بحرين (الوافر والهزج) الامر الذي نوّع الايقاع وبدد رتابته بانتقالات موسيقية بين تفعيلتين، وهذه الوحدة الايقاعية بين الوافر والهزج جعلت الدكتور ابراهيم انيس يذهب الى عدّ البحرين بحرا واحدا(2) لان مجزوء الوافر يستخدم (مفاعلتن) اربع مرات والهزج يستخدم (مفاعيلن) اربع مرات في القصيدة التقليدية، اما في قصيدة الشعر الحر فان الاستخدام اكثر حرية لتفعيلة (مفاعيلن) في مجزوء الوافر، الامر الذي يجعل امكانات عدهما بحرا واحدا اكثر قبولا، وينطبق هذا الامر على البحر الكامل وبحر الرجز بتفعيلة الكامل (متفاعلن) وفي الزحاف (مستفعلن).

واستخدم سعدي يوسف بحر الرجز الذي وزنه في دائرته (مستفعلن مستفعلن مستفعلن) مرتين(3)، بطريقة اعتمدت على كثير من الزحافات والعلل كما في قصيدة (القنفذ) (4) التي يقول فيها:

يكمن في قارته القديمة

منكمشا بين تراب الشمس والعشب المسائي

وحيدا.

وتقَّطع هذه الاسطر الشعرية على النحو الاتي:

يكمن في/ مفتعلن ـ قارته الـ/مفتعلن ـ قديمة/ فعولن

منكمشا/ مفتعلن ـ بين ترا/مفتعلن ـ ب الشمس والـ/ مستفعلن ـ عشب المسا /مستفعلن/ ئي وحيـ/مفتعلن.. وعلى وفق هذا التقطيع تجري بقية القصيدة..

من خلال التقطيع السابق لاحظ الباحث ان تفعيلة (مستفعلن) تتحول الى تفعيلة (مفتعلن) بنسبة ثلاثة اضعاف التفعيلة الاصلية، وهذا يعني ان التحول في هذا البحر يجري على عدة انماط، اذ تصير (مستفعلن) بالخبن الى (مفاعلن) وبالطي الى (مفتعلن) وبالخبل (فعِلتن)، والضرب المقطوع يصير بالخبن الى (فعولن) (5).

واختلف النقاد والعروضيون في قضية كثرة العلل والزحافات في الرجز فمنهم من يذهب الى ان هذه الزحافات تبدو سائغة غير نابية عن الذوق(1)، ومنهم من يذهب الى ان اوزانه تقترب من النثرية خاصة عندما يكثر الشاعر من تنويع صيغ تفعيلات البحر(2)، ولاحظ الباحث ان استخدام الشاعر سعدي يوسف بحر الرجز اعتمد على (مفتعلن) الناتجة عن الطي و(فعولن) في الضرب المقطوع ، مع تركيز على التفعيلة المنتجة عن الطي، كما في القصيدة السابقة، وهذا النمط من الاستخدام يعد تعزيزا لايقاع القصيدة وانسجاما لتفعيلاتها وابتعادها عن صيغة النثر لان تنويعات التفعيلة في هذا البحر تفقد الايقاع الانسجام المطلوب في الوزن(3).

ومن البحور الصافية الاخرى التي استخدمها الشاعر سعدي يوسف بحر الرمل ووزنه في دائرته (فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن) مرتين(4) ، وله عروض واحدة هي فاعلن وثلاثة اضرب فاعلاتن، فاعلان ، فاعلن(5) ، واستخدم الشاعر سعدي يوسف هذا البحر في قصائده الطويلة كما في قصيدة (التنفيذ) (6) التي يقول فيها:

 

تستقيم المشنقة

ابدا في اخر الحجرة

كان الخشب المدهون باللمس وبالجهشة

فظّا مستقيما

تستقيم الطبقة

ويمكن تقطيع السطور الشعرية على النحو الاتي:

تستقيم الـ/فاعلاتن ـ مشنقة/ فاعلن

ابدا في / فعلاتن ـ اخر الحجـ / فاعلاتن

رة كان الـ/فعلاتن ـ خشب المد/فعلاتن

هون باللمـ / فاعلاتن ـ س وبالجهـ/فعلاتن

شة فظا / فعلاتن ـ مستقيما/فاعلاتن

تستقيم الـ/فاعلاتن ـ طبقة / فعلن

افاد الشاعر سعدي يوسف من الامكانات التعبيرية لبحر الرمل، التي تستند على تنوع تفعيلات هذا البحر الذي تصفه الباحثة سلمى الجيوسي بقولها: ((يمكنه ان يتقلب بين ايدي الشعراء في الف لون وقالب محتفظا برشاقة فيه اصلا، ولكن لابسا ثوب الحزن مرة والغضب مرة اخرى والمرح ثالثا))(1) وبهذه الثنائية التعبيرية استخدم سعدي يوسف بحر الرمل في تاكيد غربته وما يعانيه من مشاعر قلقة، كما في قصيدة (مديح الى مؤرخ مغربي)(2) التي يطرح فيها ازدواجية غربته وغربة الاخر، اذ يبدأ بالقول:

هكذا نغرق

بين السفن اللائي تراءين، ورمل الانظمة

ربما، في لحظة مستحكمة

ـ وينتهي بالقول:ـ

يولد الضباط

او يهجرنا نسر الى الريف

ولكنا، سنبقى ، دائرين

 

ودرس الدكتور فليح كريم الركابي هذه الازدواجية ذاهبا الى القول ان ايقاع هذا البحر قائم على اساس التقلبات النفسية(3)، وهذه التقلبات منحت الايقاع مساحة واسعة في قصيدة سعدي يوسف، الامر الذي جعل استخدامه هذا البحر استخداما خاصا كما يذهب الى ذلك الدكتور محسن اطيمش بقوله ((يلحظ قارىء شعر سعدي يوسف شيوع فاعلن وفعلن وفاعلاتن ، مما يمنح الرمل عنده تميزا عن سواه))(4)

وهذا التميز على ما يذهب اليه الدكتور فليح الركابي عائد الى حياة الغربة(1) التي عاشها سعدي يوسف، وحياة المنفى الاختياري احيانا والاجباري في احيان اخرى، اذ امضى حقبة الستينيات خارج العراق ولم يعد اليه الا في سنوات قليلة في حقبة  السبعينيات وبعد منتصف السبعينيات غادره ولم يعد حتى يومنا هذا، لهذا يقرر الدكتور الركابي ((ان فاعلاتن فاعلاتن فاعلن بحر الرمل ذو العروض والضرب المحذوفين هو السائد في شعر الغربة)) (2).

ان هذا الرأي يؤكد علاقة الايقاع بالحالة النفسية التي يمر بها الشاعر لحظة انتاج القصيدة ودرس هذه الظاهرة الدكتور سعيد الورقي مؤكدا ان ((للوزن رغم شكليته الخارجية قيمة انفعالية هامة تتعلق بتخدير الحواس من الناحية الفسيولوجية كما انه يرتبط بالاحاسيس الفطرية لدى الانسان وما يتصل به من تفريج بايولوجي، مما يجعل من الشعر التعويض الضروري والحيوي لتوترات انفعالية كثيرة)) (3).

وفي ضوء ما طرحه الورقي فان جدلية العلاقة بين الوزن الشعري والتعبير تتحقق في ضوء الحالة النفسية التي يمر بها الشاعر لحظة كتابة القصيدة.

2ـ البحور ذات التفعيلات المركبة:

وهي البحور التي يتألف السطر الشعري فيها من اكثر من تفعيلة واحدة(4) كما يأتي:

1ـ الطويل وتفعيلته    فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

2ـ البسيط وتفعيلته    مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن

3ـ السريع وتفعيلته    مستفعلن مستفعلن مفعولات

4ـ المنسرح وتفعيلته   مستفعلن مفعولات مستفعلن

5ـ الخفيف وتفعيلته    فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن

6ـ المضارع وتفعيلته   مفاعيلن فاعلاتن

7ـ المقتضب وتفعيلته   مفعولات مستفعلن

8ـ المجتث وتفعيلته     مستفعلن فاعلاتن.

واستخدم الشاعر سعدي يوسف بحورا ثلاثة منها هي: (الطويل والبسيط والخفيف).

ومع ذلك يعد سعدي يوسف من الشعراء القلائل الذين استخدموا بحر الطويل في قصائدهم اذ يذهب الدكتور محسن اطيمش الى انه لم يجد من الشعراء العراقيين من استخدم بحر الطويل في قصائده غير السياب وسعدي يوسف(1) ومن القصائد التي جاءت على هذا البحر، قصيدة (الى عامل في الميناء)(2). التي يقول فيها:

صديق الاغاني والبحار.. صديقنا ـ فعولن، مفاعيلن ، فعول ـ مفاعلن

مضينا معا ، حتى عرفت طريقنا ـ فعولن ، مفاعيلن ، فعول ـ مفاعلن

ربيعا وايمانا    فعولن ، مفاعيلن

وحبا ونيرانا    فعولن، مفاعيلن

لقد وهب الانسان للارض موعدا    فعول، مفاعيلن ، فعولن ـ مفاعلن

وقلت: سيأتيها .. فصرت رفيقنا    فعول، مفاعيلن ، فعول ، مفاعلن

وفي هذا المقطع هناك تنويعات ايقاعية في تفعيلة البحر الطويل استخدمها الشاعر لكسر رتابة تكرار (فعولن، مفاعيلن) من خلال  تناوب تفعيلتي (مفاعلن) في الضرب بدل مفاعيلن(3)، كما استخدم (القبض) في حشو السطر الشعري فتحولت (فعولن) الى (فعول)، وقد ادى هذا الاستخدام الى تنويع تفعيلة البحر الطويل، لتصبح، اربع تفعيلات بدل التفعيلتين التقليديتين وقد منح هذا العدد من التفعيلات الشاعر حرية الحركة في السطر الشعري، فتارة نراه يكمل السطر (ويقبض الضرب) (4) ، وتارة نراه يعتمد على تفعيلتين تامتين في السطر الشعري، واخرى يعتمد على تفعيلتين مقبوضتين وتفعيلتين تامتين وبتناوب ايقاعي يوحي للمتلقي ان هناك تجديدا مثمرا في موسيقى القصيدة الخارجية.

 

واستخدم الشاعر البحر البسيط في تضمين قصائده الطويلة بايقاع يوحي بالحزن لان البسيط من البحور الطويلة التي يعمد اليها الشعراء في الموضوعات الجدية(1). ففي قصيدة في (تلك الايام)(2) يضمّن الشاعر البحر البسيط مع الخبب كما في المقطع الاتي:

كل الاغاني انتهت الا اغاني الناس    /  مستفعلن ، فاعلن ، مستفعلن ، فعلان

والصوت لو يشترى ما تشتريه الناس  /  مستفعلن ، فاعلن ، مستفعلن ، فعلان

عمدا نسيت الذي بيني وبين الناس      / مستفعلن ، فاعلن ، مستفعلن ، فعلان

منهم انا ، مثلهم، والصوت منهم عاد     /مستفعلن ، فاعلن، مستفعلن ، فعلان

حاول الشاعر في هذا الاستخدام ان يحاكي الموال او الزهيري في التراث الشعبي العراقي(3)، لذلك جاءت القافية معتمدة على مفردة واحدة وهي (الناس)، وفي الموال فان مفردة (الناس) تعطي دلالة تختلف عن الدلالة الاخرى للمفردة نفسها في السياق الشعري لكن الشاعر هنا وحد دلالة (الناس) في القصيدة واطلق النقد العربي القديم على هذا الاستخدام للقافية (الايطاء)، ويعد عيباً من عيوب الشعر كما ذهب الى ذلك ابن سلاّم (4) اما استخدامه الايقاعي للقافية فقد ادخل التسبيغ بعد القطع وزاد حرفا ساكنا على السبب الخفيف فاصبحت (فعلان) بدل فعلن، ولم تذكر كتب العروض هذا النوع من الزحاف في القصيدة العربية التقليدية.

كما استخدم الشاعر البحر الخفيف ووزنه في دائرته: فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن مرتين(5)، ففي قصيدة (الرماة)(6)، ينوع الشاعر تفعيلات هذا البحر ويستثمر امكاناته في تنوع تفعيلته وبالتالي تنويع الايقاع اذ يقول:

في السماء التي تجف، رأينا العشب نحن الموكّلين

فاعلاتن   / مفاعلن / فعلاتن/فاعلاتن/ مفاعلن/فـ

بارض من قبور البنات والفتية العشاق للحرب

علاتن/ فاعلاتن / مفاعلن / فاعلاتن/ فاعلاتن /م

نستدير وللحب نغني. امانة الله، ماكنّا الرجال

فاعلن/ فعلاتن/ فعلاتن/مفاعلن/ فاعلاتن/ فاعلات

الموكّلين بقتل النفس، لكننا نموت اذا لم /نقتل

ن/مفاعلن/فعلاتن/ فاعلاتن / مفاعلن / فعلاتن/فاعل

البذرة.

وفي هذا المقطع اجرى الشاعر تدويرا للتفعيلات في نهاية السطور الشعرية واجرى تغييرات في التفعيلة الاصلية لبحر الخفيف، فـ(مستفعلن) تتحول الى (مفاعلن)، و(فاعلاتن) تتحول الى (فعلاتن)، وهما زحافان جائزان يسميان (الخبن)(1) وعلى الرغم من ان استخدام البحور ذات التفعيلات المركبة في قصيدة الشعر الحر يعد اغناء للموسيقى في القصيدة، الا ان هذا الاستخدام ظل اسير نمطية الاستخدام التقليدي في القصيدة التقليدية، وفي هذا الصدد ذهب الدكتور محسن اطيمش الى القول: ((حقا ان توجه الشاعر الى مثل تلك الابحر انما هو اغناء لموسيقى الشعر الحر ومحاولة للافادة من طاقات العروض العربي، الا انه من الناحية الحسية، سيظل صدى وتكرارا للايقاع القديم))(2) ويرى الباحث ان الشاعر سعدي يوسف ادرك هذه الاشكالية الايقاعية، لهذا جاءت القصائد ذات التفعيلة المركبة بنسبة لاتتجاوز الـ(7%) من شعره.

3ـ القصائد ذات البحور المتعددة:

تعد بنية التعدد في الاوزان واحدة من من الاساليب الايقاعية التي يستخدمها سعدي يوسف في قصائده، محاولا من خلالها اعطاء دلالات خاصة للقصيدة ترتبط بتنوع الوزن وتنوع غرض القصيدة، اذ يلجأ الشاعر الى استخدام اكثر من وزن واحد او وزنين في قصيدة واحدة، كما يعمد في بعض القصائد الى استخدام النثر مع الوزن، كما في قصيدة (حياة صريحة)(3) التي يقول فيها:

سعدي يوسف صديقي الان، اعطاني هذه الغرفة

الطائرة. اما هو ـ اعني سعدي ـ فقد قدم طلبا للجوء

السياسي بلا معنى...

ويلي هذا المقطع النثري مقطع اخر على وزن (الخبب) يقول فيه:

كان البحر قبالة بيروت جميلا

كان الخطر الاول

والموقع والمنزل

ولاحظ الباحث ان الشاعر استخدم بحر الخبب الذي يعد من اقرب البحور الشعرية الى النثر مع غير الموزون في القصيدة، الامر الذي جعل الانسجام الايقاعي قريبا بين النثر والخبب حيث ينتفي جوهر الايقاع الصاعد في هذا البحر(1) ويعد هذا الاسلوب في استخدام النثر مع الخبب واحدا من العناصر التي اعتمدها الشاعر لتعزيز شعرية الخطاب عبر مواءمة المنظوم مع المنثور، ففيه لا يشعر المتلقي بالانتقال الحاد في بنية الايقاع بين مقطع النثر ومقطع الشعر، وذلك بسبب قرب بحر الخبب من الايقاع النثري، وفي قصيدة (عن المسألة كلها)(2) يستخدم الشاعر البحر الطويل بنمط عمود الشعر، وبعد ذلك ينتقل الى البحر الكامل بنمط قصيدة التفعيلة اذ يقول:

سموت فردتني سماء خفيضة

                وعدت، فما اشقى المعاد وما ابهى

اذا ورد الشذاذ خمسا وجدتني

               ارى الحق، محض الحق، ان ارد الرفها

وتلك عيون بالرميلة اوقدت

              هي المنتأى ، والدار والمأمل الاشهى

بغداد تسكن تحت مئذنة ، نهار الفاتح التتري

كنت اظن وجهك طالعا لي خلف هفة سعفة

وكأن الاف الازقة يحتويه واحد منها ، غبار

الخيل والعجلات في وهج الظهيرة كان الاف المرايا:

ولاحظ الباحث في هذه المقاطع ان الانتقال من البحر الطويل الى البحر الكامل لم يتم بوساطة فاصل معين ، بل تحول الايقاع فجأة من تفعيلة (فعولن مفاعيلن الى تفعيلة (متفاعلن) وقد اوضح هذا الانتقال الايقاعي بنية البحر الطويل المعتمدة على تناوب تفعيلته المنتظم  (فعولن، مفاعيلن) وابرزها عبر بنية البحر الكامل غير المعتمدة على التناوب المنتظم لتفعيلته، (متفاعلن، ومستفعلن).

وترتبط قضية استخدام البحور المتعددة في القصيدة الواحدة بتعدد الموضوعات التي يتم تناولها ، ففي هذه قصيدة، يبدأ الشاعر بالجانب الذاتي (سموت فردتني سماء خفيضة) وحين ينتقل الى بحر اخر يبدأ بالجانب الموضوعي (بغداد تسكن تحت مئذنة).. وكان لهذا التغيير في اتجاهات القصيدة المضمونية اثره في تعدد البحور لان اختلاف اوزانها على ما يذهب الدكتور عبدالله الطيب المجذوب معناه ان اغراضا مختلفة دعت الى ذلك(1).

وفي قصيدة (حياة صريحة)(2) ينوع الشاعر ايضا في اوزان القصيدة، ولكن المقاطع لا تتداخل باستثناء تلك المقاطع المعتمدة على البحر البسيط اذ يبدأ الشاعر قصيدته (بالخبب) بقوله:

 امي قالت لي يوما

(يا ولدي)

حين اتيت الى هذي الدنيا

احسست بخطفة برق في عيني

وبعد اكمال هذا المقطع ينتقل الشاعر الى بنية وزنية اخرى من بحر الكامل فيقول:

 جلست دمشق صغيرة، في راحة المعشوق

تضفر ، دون ان تدري منائرها، جدائل

ثم تلبس ليلها ذهبا

وفي المقطع الثالث يتداخل الخبب مع النثر بقوله:

والفندق غادره الناس سريعا في الفجر

هبطت الى الصالة:

ليس بها غير غراب يتنكر في هيئة فلاح

كوفيته بيضاء

وعيناه على التلفزيون

لم يكن تسيلا من قبيلة الهوسا، قط. كان ابن سفاح

جاء الى مرابع الهوسا شابا في العشرين ـ حصل على قطعة ارض حيث ابتنى كوخا. جمع حوله عصابة

ويستمر تناوب الخبب والكامل مع النثر في القصيدة حتى المقطع السابع اذ يُضمن الشاعر الخبب مقاطع من البسيط (مقفاة)، ويقول:

اتلوها سبع تلاوات

ثم اذوبَّها

لاذوب بها اذ اشربها

قطرة ماء منك

يا صاحبي، راح من يطوي الفيافي راح

واظلَّمت الارض لما اظلمت الارواح

يا صاحبي، فز طيري من غراب صاح

يا حيف (شط العرب).. يا خيبة الملاح

وتستمر القصيدة حتى نهايتها على هذا التنويع الوزني الايقاعي، وبذلك يكون الشاعر قد خفف من الاحساس بذاك الصدى المتكرر لبنية وزنية واحدة ولجأ الى تنويع البحور مقاطع معينة من القصيدة(1) ، ولاحظ الباحث ان هذه القصيدة تعد من اطول قصائد سعدي يوسف، وربما كان لطولها تأثير على البنى الوزنية التي استخدمها، لان استخدام بحر واحد في قصيدة طويلة ربما يصيبها بالترهل الايقاعي ويصيب متلقيها بالملل لهذا كان دافع الشاعر الى هذه التنويعات يصب في كسر الرتابة في الايقاع وتجديد ذائقة المتلقي بأوزان جديدة(2) ، وكان للتضمين النثري دوره في هذا الاسلوب فالانتقال من الوزن الى اللاوزن يوقظ ذائقة المتلقي ويجعله يجدد حيوية القراءة(1) .

واستخدم الشاعر نمطا خاصا في طريقة الافادة من الاوزان الشعرية اعتمد على تناوب يجري بين بحري (السريع والكامل)، كما في قصيدة (غرناطة) (2) التي يقول فيها:

منتصف الليل

في (البائسين) اراك تبحث في الظهيرة

لقد اطفئت الحمراء

ووراء بهرجة المدينة، والمخازن عن حكاياك الصغيرة

في الساحة

عن منشد اعمى، وزاوية تدور بها القصائد

عيناه في الساحة

سرية عن ذلك السفح الذي قتلوا به لوركا، وعن بقيا قصائد

خطوته في اخر الساحة

لما تزل مطوية الاهداب ترقد بانتظارك

قميصها يستر بالزرقة مصباحه

وفي هذه القصيدة يعتمد السطر الاول منها على بحر (السريع) ووزنه في دائرته (مستفعلن مستفعلن مفعولات)(3). اما السطر الثاني فيعتمد على البحر الكامل (متفاعلن متفاعلن متفاعلن) ، وتصبح (متفاعلن) في الاضمار (مستفعلن)(4) ، الامر الذي يجعل هذا الزحاف في الكامل قريبا من بحر السريع، ولكن طريقة استخدام سعدي يوسف لهذين البحرين في هذه القصيدة اعتمدت الزحاف، فالتفعيلة الاولى تحولت من (مستفعلن) الى (مفتعلن) بالطي، (منتصف الـ)، وبتدوير مفردة (ليل) في السطر الاول مع (لقد) في السطر الثالث، فان (مستفعلن) تتحول بالطي الى (مفتعلن) ، اما السطر الثاني فان التفعيلة تتحول من متفاعلن الى مستفعلن (في البائسيـ)، ثم تعود الى التفعيلة الاصلية (متفاعلن)، (ن أراك تبـ)، ويرتبط السطر الثاني بالسطر الرابع لتستمر تفعيلته من بحر الكامل.

وشاب هذا الاستخدام ضعف من حيث الوحدة العضوية للقصيدة فالبناء فيها يشتت المتلقي، اذ يطرح الشاعر هنا مع كل وزن شعري موضوعا خاصا به، الامر الذي اضعف تتابع الفكرة، مثلما اضعف تتابع الايقاع، ويصف الدكتور محسن اطيمش هذه التجربة بقوله ((واضح ان الشاعر كان قد كتب قصيدتين ، كل واحدة منهما مستقلة عن الاخرى ، تجري الاولى على بحر (السريع) وتجري الثانية على البحر (الكامل) ثم شاء ان يدخل الاولى بالثانية ليقدم نمطا شعريا غريبا جديدا لا يضيف لرصيد الشاعر الكبير شيئا مهما))